الرئيسية > سياسة > متابعات وملفات > المسلمون والأقباط في مصر.. شركاء الوطن!!

المسلمون والأقباط في مصر.. شركاء الوطن!!

أقباط مصر ومسلموها متماثلون تماما.. إلا أن أحدهم يذهب للجامع والآخر إلى الكنسية

كتب: عمرو أبو بكر

أسئلة كثيرة تتكرّر عقب اندلاع أي أحداث طائفية هنا أو هناك، وكلها غالبا ما تكون حول الأسباب والأبعاد التي أدّت إلى اندلاع تلك الأحداث، لكن الأمر يختلف تماما إذا ما كانت تلك الأحداث في مصر؛ فالسؤال عندنها يُطرح في حيرة ودهشة: كيف يحدث ذلك في مصر؟؟!

كان ذلك في الماضي.. لكن الآن الأمر تغيّر كثيرا؛ فاختلف السؤال باختلاف الأحداث في مصر وكثرتها في الآونة الأخيرة، وتفرّعت منه تساؤلات عدّة، ولعل أهمها: كيف وصل بنا الأمر إلى هذا الحد؟ وهو التساؤل الذي حاول العدد الشهري لمجلة “وجهات نظر” نوفمبر 2010 الإجابة عليه من خلال ملف “المسلمون.. والأقباط.. والوطن”، والذي يُناقش العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر، وذلك بعد تلك الأحداث التي شهدتها عدة مدن مصرية، وأهمها -بل أبشعها- ما جرى في قرية النواهض بمحافظة قنا من إضرام النار في 20 منزلا من قِبل بعض “الجيران” لجيرانهم الشركاء في الوطن، وما سبقها مِن حادثتَيْ “فرشوط” و”نجع جمادي” واللتين سالت فيهما دماء كثيرة، فما الذي أدّى إلى وجود شبه أزمة -إن لم تكن أزمة حقيقية وخطيرة- تُهدّد الوحدة الوطنية المصرية؟ وما هي أسباب تلك التشوّهات التي أصابت العلاقة بين مسلمي وأقباط مصر؟ وهل مِن سُبل حتى تعود المياه إلى مجاريها؟ تلك التساؤلات وغيرها هي ما يُحاول ذلك الملف الإجابة عليها، وصولا إلى حقيقة أننا كلنا شركاء في الوطن.

كلنا مواطنون.. ولكن!!
أليس الأصل في مصرنا الوحدة، وأن التفرقة ما هي إلا محاولات ممن يريد الوقيعة والوشاية بين المسلمين والأقباط؟ أليست وحدة وطننا هي السبيل إلى الرقي والنهضة؟ ألم يبطش عدونا -عندما أراد النيل من بلادنا- بكل مواطنينا دون أن يفرق بين مسلم ومسيحي؟ الإجابة بالطبع هي “بَلى!”، وتلك هي الرسالة التي أراد المستشار محمود الخضيري أن يُوصلها للجميع في مشاركته في هذا الملف تحت عنوان “مشكلات المسلمين مشكلات الأقباط”، ويستعرض الخضيري في مشاركته تلك كتابا ألّفه فكري أندراوس بعنوان “المسلمون والأقباط في التاريخ”.

ولكن.. “ظاهرة الأقلية والأكثرية أصبحت ظاهرة عالمية تكاد تكون موجودة في كل دول العالم، وتُسبّب مشكلات يروح ضحيتها الآلاف والملايين”.. هكذا يرى الكاتب والصحفي فكري أندراوس خلال مشاركته في هذا الملف تحت عنوان “الأقباط والمسلمون في مصر.. أسئلة الهوية”، وإن كان الأقباط أقلية عددية في مصر -والرأي لأندراوس- إلا أنهم والمسلمين من نسيج واحد أصلا؛ فالمسلم شأنه شأن المسيحي جذوره في مصر الفرعونية، إلا أنه حديثا يمكن التفرقة بين مَن هو مسلم وغير المسلم في أي شارع من شوارع مدن مصر المختلفة، ويعتقد أندراوس أن المسلمين والأقباط في مصر انتقلوا من مرحلة اختلاف الدين إلى أولى مراحل الصراع وهي التمييز، فكيف وصلنا إلى ذلك بعد أن كان كرومر حاكم مصر إبان فترة الاحتلال البريطاني يقول: “إن أقباط مصر ومسلميها متماثلون في كل شيء، إلا أن أحدهم يذهب للجامع، والآخر يذهب إلى الكنسية”!!

أصل المشكلة.. حقائق ثلاث!!
“إقحام ملف الأقباط في حسابات السياسة بعد أن نجح عدد من الإسلاميين من الوصول إلى البرلمان عام 2005″.. هكذا يرى الكاتب الصحفي أيمن الصياد، أن أصل مشكلة تردّي العلاقة بين الأقباط والمسلمين في مصر يكمن في ظل ثلاث حقائق مهمة؛ أوّلها أن كثيرا من الأزمات لم تتم معالجتها عبر الاحتكام إلى القانون، الأمر الذي لم يُؤدِّ إلى حلها وإن أصبحت أقلّ حدة، ويُؤكّد ذلك المشادات الكلامية التي نراها على صفحات الإنترنت وفي Chat Rooms (غرف المحادثة)، والحقيقة الثانية أن التنوّع داخل المجتمع الواحد لا يُسبّب أبدا حالة من التأزم؛ ذلك لأنه مِن سنن الطبيعة، وإنما سوء إدارة هذا التنوّع هو الذي يخلق المشكلات والأزمات، وليس المطلوب -وتلك الحقيقة الثالثة- بأن يؤمن المسلم بأن المسيحي على حق فيما يؤمن به، ولا أن يعتقد المسيحي بما يعتقد به المسلم، ولكن الحكمة تقتضي أن يتم ترويج ثقافة احترام الآخر؛ فالمطلوب إذن إعمال مبدأ “لكم دينكم ولي دين”.

إذا فمن الخطأ -وفقا للصياد- أن ننظر إلى تظاهرات الكنائس أو الجوامع أو الدماء المهدرة أو النيران المشتعلة أنها محض شأن طائفي لا غير، ومن الخطأ أيضا معالجة تلك الأمور بـ”الإقصاء”، أيا كان المستقصى أقباطا كانوا أو مسلمين، فهم جميعا شركاء في الوطن، وإلا لن تكون الأحداث الأخيرة في محافظة قنا في ظل مصالح للبعض وحسابات للآخرين.

أبعاد المشكلة.. جهل وتطرّف وحقوق ضائعة
لماذا يخشى الأقباط تنفيذ مبادئ الشريعة الإسلامية، مع أن التفسير المستنير للشريعة لا يضر الأقباط؛ لأنه لا يفرض على غير المسلمين ما يفرضه عليهم دينهم؟ بهذا التساؤل يبدأ الكاتب فكري أندراوس في طرح رؤيته لأبعاد المشكلة التي أدّت إلى ندبات في العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر؛ فالمسيحية أو الإسلام وأحكامهما وتعاليمهما ليسوا هم أبعاد المشكلة، وإنما المشكلة هي نحن، ومن يريد منا أن يستغل الدين في السياسية، بل على العكس -والرأي لأندراوس- فإن القومية العربية في ظل الظروف الراهنة المحيطة هي الدرع التي يمكن أن تقِيَنا الهجوم الغربي الاستعماري، والإسلام أحد مكوّنات القومية العربية المهمة، ومعه أيضا مسيحية الشرق.

إذن فسوء العلاقة بين المسلمين والأقباط -كما يستعرض المستشار الخضيري- ليس أصله الدين، كما أن سوء هذه العلاقة -أو بالأحرى تعثّرها- ما هي إلا إحدى مشكلات مصر الثانوية، فغياب الديمقراطية والمؤسسات المستقلة، وسوء التعليم بجميع فروعه وألوانه وخاصة التعليم الديني، والإعلام السيئ والفساد والقهر السياسي والبطالة والانحدار الخلقي رغم مظاهر التديّن المثيرة كلها -كما يرى الخضيري- مشكلات حقيقية تأتي بعدها مشكلات الأقباط والمسلمين، بل تلك المشكلات يعتقد أندراوس أنها الأبعاد الحقيقية لتردّي العلاقة بين المسلمين والأقباط؛ فالعنف والإرهاب الذي نراه لا تزال أحداث فردية لا تمثل عامة الشعب المصري بل هي موجّهة ضد النظام الحاكم لقلقلته ولإحراجه، ولها ضحايا من الأقباط والمسلمين.

علاج المشكلة.. “لكم دينكم ولي دين”.. “وكلنا متساوون أمام القانون”
“لكم دينكم ولي دين”.. يرى الكاتب أيمن الصياد أنه القول الفصل الكفيل بإدراكنا الحقيقي له لنزع فتيل أزمات كثيرة، فعندما يتحقّق هذا الإدراك سيصبح غير وارد أن يتحسّس البعض من مقال فقهي لأحد العلماء المسلمين؛ لأنه بالضرورة يعبّر عن عقيدة كاتبه، ولن يعترض أحد على ما يقول أحد القساوسة في موعظة الأحد؛ لأنه بالطبع أيضا يعبر عن معتقد قائله.

وهنا يرى المستشار الخضيري أن علاج تشوّهات العلاقة بين المسلمين والأقباط لن يكون أبدا في جلسات صلح يتم فيها تبادل الكلمات والأحضان، ثم انصراف كلٍّ إلى حال سبيله، وتظلّ النفوس تحمل ما فيها، بل إن الحل يكون بتحسين التعليم لبثّ الإحساس بأن الأقباط جزء من نسيج هذه الأمة، وأنهم ليسوا أقلية نزحت من الخارج، وبتحقيق التساوي باندماج الأقلية في الأكثرية وليس بالانعزالية، وذلك عن طريق تشجيع الأقباط على أعمال الخدمة العامة في مجال العمل والسكن قبل الترشّح للمجالس النيابية، وعندها من يقول “الشعب القبطي” سيتهم بأنه ينطق بمصطلح طائفي الغرض منه التفريق؛ فهناك شعب واحد هو الشعب المصري.

ونحتاج إلى المعرفة بالتاريخ بكل موضوعية -كما يحدّثنا الكاتب فكري أندراوس- وأن نكف عن انتقاء ما يناسب وجهة نظر معينة؛ فتوتر العلاقات بين الأقباط والمسلمين يجب ألا يكون مشكلة تعانيها الأمة، فهناك مشكلات أهم من ذلك بكثير وتحتاج إلى تكاتف كل طاقات المصريين.

وختاما
يمكن القول إن كلا من الكاتبيْن أيمن الصياد وفكري أنداروس والمستشار محمود الخضيري كانوا بصدد مواجهة أزمة قد وقعت بالفعل، وإنه من غير المنطقي ألا نعيرها بالا ظنا منّا بأن الحديث عنها قد يفاقمها، بل إن تناولها بحيادية -كما فعل الكُتاب الثلاثة- ومحاولة الوقوف على أبعادها لإيجاد حلول لها هما الملاذ الوحيد للخروج منها؛ لأننا في حقيقة الأمر شركاء وطن واحد يواجه تحديات حقيقية، ويستغيث بنا أن نتوحّد حتى نواجهها.