history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

رانيا محمود

نادراً ما يملك إنسان هذه المجموعة النفيسة من الأحجار الكريمة في وقت واحد.. عقل مضيء إلى درجة التوهج، ثقافة إنسانية متسعة الأبعاد، رؤية فنية عميقة روح سامية تتخطى الزمن، حس وطني غير محدود، قدرة على التحليل غير المتوقع.. هكذا كان "يوسف شاهين" الذي استطاع أن يغوص في التاريخ ليصوغ منه الحاضر ويستشرف المستقبل.. كما استطاع أن يحول واقع وطنه وأمته إلى علامات على شرائط الأفلام من هذه العلامات نتوقف عند أهم محطات حياته من هذه العلاقات تتوقف على أهم محطات حياته.

بداية

ولد "يوسف شاهين" بالإسكندرية في 15/1/1926 وكان الابن الوحيد لأسرته؛ لذلك ورغم أنه من أسرة متوسطة أو تكاد تكون فقيرة إلا أن والده قرر أن يكرس جزءاً كبيراً من دخل الأسرة لتعليم هذا الولد، ومن هنا ألحقه بمدرسة "فيكتوريا كولدج" والتي كان معروفاً أنها مقصورة على أبناء الطبقة الأرستقراطية، وفي المدرسة اكتشف الولد الصغير أنه أصبح يعيش في عالمين مختلفين تماماً..

الأول وهو بيته وكل ما يعانيه فيه من ضيق الحال، أما الثاني فهو المدرسة والتي وجد نفسه فيها محصوراً بين طبقة الأغنياء فقط ولما كان زملاؤه متفوقين عليه مادياً قرر هو أن يتفوق عليهم علمياً، وبعد تخرجه من المدرسة كان قد اكتشف في نفسه عشقه للفن بشكل عام والسينما بشكل خاص، فقرر أن يسافر إلى أمريكا لدراسة التمثيل إلا أن أسرته رفضت تماماً ولكنه أصر على قراره، وسافر بالفعل إلى أمريكا ليدرس ويعمل حتى يستطيع أن يوفر نفقات معيشته ودراسته..

وهناك اكتشف أن عشقه الحقيقي للإخراج وليس التمثيل فدرس الإخراج السينمائي حتى حصل على درجة الماجستير في الدراما من معهد "باسادينا" بكاليفورنيا ليكون أول مصري حصل على هذه الدرجة العلمية في الدراما..

وعاد إلى مصر عام 1949 ومعه سيناريو كامل لفيلم (بابا أمين) حيث كان هذا السيناريو قصة أجنبية إلا أنه أخذها وأعاد كتابتها وأخرجه عام 1950 واستطاع أن يلفت النظر إليه من أول عمل سينمائي له، ثم قدم فيلمه الثاني (ابن النيل) سنة 1951 والذي كشف عن موهبته الحقيقية، خاصة أنه استطاع أن يبتكر فيه لغة سينمائية خاصة به وكان هذا الفيلم هو أول عمل سينمائي يستطيع أن يظهر القرية المصرية على حقيقتها، حيث أنه صور 90% من مشاهده خارج الاستديو.

ثم قدم فيلمه الثالث عام 1954 وهو (صراع في الوادي) ويعتبر هذا الفيلم نقلة كبيرة في تاريخه الفني، خاصة أنه كشف فيه عن أهداف الإقطاع في العهد الملكي، وقدم فيه "عمر الشريف" بطلاً لأول مرة.. وبعد هذا الفيلم كتب عنه "جورج سادول" الناقد السينمائي الإيطالي وقتها في كتابه (تاريخ فن السينما). وبعد سقوط عهد فاروق تكونت شخصيتا "يوسف شاهين" الشاب العائد من هوليوود و"صلاح أبو سيف" المتأثر بالمهاجرين الأنجلو ساكسون وقد ترك الاثنان الاستديو إلى الهواء الطلق وعبرا بمقدرة فذة عن بؤس الفلاحين في مصر وفضحا سيطرة إقطاع الباشوات..

ثم جاءت بعد ذلك النقلة الكبرى في حياة "يوسف شاهين" بفيلم (باب الحديد) والذي استطاع به أن يؤكد اكتمال موهبته وتميز كاميرا "يوسف شاهين" السينمائية لدرجة أنه جعل من بطلي الفيلم "قناوي" و"هنومة" الشخصيات الأكثر حضوراً في تاريخنا السينمائي لذلك فإن فيلم (باب الحديد) لم يكن علامة فارقة في تاريخ "يوسف شاهين" فحسب وإنما في تاريخ السينما المصرية ككل.

وقبل منتصف الستينات بقليل يصور "شاهين" فيلمه التاريخي الوحيد (الناصر صلاح الدين) والذي كان من المقرر أن يخرجه "عز الدين ذو الفقار" إلا أنه مرض فطلب من "يوسف شاهين" أن يخرجه، ورغم اعتراض منتجه الفيلم "آسيا" إلا أن "عز الدين ذو الفقار" أصر.. واستطاع "شاهين" -بمساعدة الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر" حيث زوده بعدد كبير من القوات المجندة لاستخدامها في الفيلم- أن يخرج أحد أشهر الأفلام التاريخية في السينما.

سياسة

منذ أن بدأ "يوسف شاهين" بعمل في السينما وهو يراها على أنها جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والاجتماعي للناس من حوله، لذلك كان يسعى إلى تقديم السينما التي تعكس واقع مجتمعه، ونتيجة للنهضة الصناعية التي شهدتها مصر بعد قرارات التأميم وقيام مبادئ اجتماعية واقتصادية على أسس جديدة قدم فيلماً سياسياً وهو (فجر يوم جديد) والذي كان شاهداً على التحول الطبقي الذي حدث في مصر في تلك الفترة، وبعد ذلك ونتيجة لظروف معينة كانت تمر بها السينما هاجر "يوسف شاهين" إلى لبنان، وهناك أخرج فيلمه "بياع الخواتم" للأخوين "رحباني" والذي قامت ببطولته المطربة "فيروز" ونظراً لأن سنوات الهجرة كانت كلها قلقاً وضياعاً فقد قرر العودة إلى مصر.

الأرض

وبعد عودته إلى مصر قدم فيلمه (الأرض) والذي يعد ملحمة إنسانية، حيث عالج مشكلات على جانب كبير من الأهمية لا بالنسبة لمصر فقط ولكن بالنسبة للفلاحين على مستوى العالم كله. والشخصيات في فيلم (الأرض) كانت تجمع بين البساطة والتعقيد وبفيلم الأرض تنتهي المرحلة الأولى من حياة "يوسف شاهين" السينمائية وفيها يكتسب قيمته كمبدع حقيقي على المستوى الفني..

أما المرحلة الثانية والتي يعتبر أهم سماتها الارتباط الزمني بما يحدث في المجتمع سياسياً واجتماعياً جسدها في أفلام مثل (الاختيار) و(عودة الابن الضال) سنة 1979 وقد استطاع في هذه المرحلة أن يعبر عن الواقع الممزق من خلال شكل سينمائي جديد يحاول أن يبعث في نفس المتفرج رغبة في التمرد على هذا الواقع والسعي لتغييره.

السيرة الذاتية

وفي نهاية عام 1979 بدأ "يوسف شاهين" ثلاثيته الرائعة ليتوج بها رحلته الفنية الصادقة مع نفسه ووطنه وقد بدأها بفيلم (إسكندرية ليه) والذي قدم من خلاله قصيدة شعرية موجهة إلى مدينته الإسكندرية من خلال شخصيات متشابكة تصور واقعاً سياسياً واجتماعياً كان سائدا في الأربعينيات عندما كان "شاهين" في العشرينيات، ولم يكن هذا الفيلم رداً ذاتياً لشخص واحد بقدر ما كان تقديماً لواقع مدينة عاش فيها المؤلف -إنه يتجاوز المفهوم العام ليحول الفيلم إلى شحنة عاطفية بالغة التأثير حول المجتمع والناس..

ثم جاء الجزء الثاني من سيرته الذاتية (حدوتة مصرية) والذي حقق فيه حلمه بأن يصبح مخرجاً، ثم تختم السيرة الذاتية له بفيلم (إسكندرية كمان وكمان).. ولكن قدراً كبيراً من الاضطراب والغموض كان يسري في أفلام السبعينيات والثمانينيات لـ"يوسف شاهين" نتيجة اضطراب الظروف السياسية والاجتماعية.

القاهرة منورة بأهلها

ويعد ذلك الفيلم القصير (القاهرة منورة بأهلها) أحد أهم إسهامات "شاهين" في السينما، وقد أثار ضجة هائلة بعد عرضه لأول مرة في مهرجان "كان" وما أن هدأت الأمور حتى جاء فيلمه (المهاجر) ليصبح أحد أهم القضايا وقت عرضه ومنع الفيلم من العرض بحجة أنه يقترب من شخصية سيدنا "يوسف" عليه السلام، ولكن أعلن القضاء براءة الفيلم واستمر بعد ذلك "شاهين" في تقديم الأعمال التي تثير الجدل بمجرد عرضها حتى وصل إلى آخر أفلامه (هي فوضي) والذي قوبل باستقبال جماهيري حافل.

شاهين والعالمية

مما لا شك فيه أن "يوسف شاهين" من أهم مخرجي السينما العربية، وله مكانة خاصة في السينما العالمية، وهذا لأنه استطاع أن يخلق لنفسه لغة سينمائية خاصة به، وهو يعد من المخرجين الذي يملكون مقدرة خاصة تؤهلهم للسيطرة على كل تفاصيل العمل السينمائي منذ إعداده ومشاركته في كتابة السيناريو حتى اختياره للممثلين وتدريبهم وقيادته للمجموعات وقد نال العديد من الجوائز العالمية أشهرها جائزة اليوبيل الذهبي لمهرجان "كان" في عامه الخمسين وبذلك يتجلى إسهام "يوسف شاهين" الكبير في السينما في تحريره الكاميرا والمخيلة السينمائية من ترهلات وقيود ميراث طويل وممتد لم يكن ممكناً تجاوزه إلا بالتقاطع معه والتحرر منه.

 

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني