history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

نانسي حبيب

على امتداد مشوار "يوسف شاهين" الطويل كمخرج عبقري لما يقرب من 40 فيلماً، نال فيها استحسان النقاد واستياءهم، وتشجيع الجمهور وسخطه، فإن شاهين دائماً كان يحلم باقتحام العالمية، وتحقيق الاعتراف بالسينما المصرية في أشهر مهرجانات العالم.. لكن الغريب أن بداية هذا كله مع "شاهين" جاءت من خلال التمثيل وليس الإخراج.

دخول "شاهين" نفسه إلى مجال الفن وعشقه للسينما كان من خلال أدائه لشخصية "هاملت"، وعند سفره إلى أمريكا رأى أساتذته فيه أفضل من أدى دور "هاملت"، لكن الإخراج أخذه من عالم التمثيل؛ ليقدم بعد عودته من الولايات المتحدة فيلمه الأول (بابا أمين) ويستمر مشوار الإخراج، لكن "شاهين" لم ينس حلمه الأول، وقام بالفعل بالتمثيل في خمسة أفلام من إخراجه، بداية بفيلم (نساء بلا رجال) عام 1953 والذي كان فكرة "إحسان عبد القدوس" وبطولة "هدى سلطان" و"ماري كويني" و"زوزو حمدي الحكيم" و"عماد حمدي" و"كمال الشناوي"، واكتفى "شاهين" فيه بدور صغير قبل أن يقدم بعدها رائعته (باب الحديد) عام 1958.

بعدها بعام واحد شارك "شاهين" في فيلم (إسماعيل يس في الطيران) كضيف شرف في مشهد واحد ظهر فيه بشخصيته الحقيقية كمخرج، لكنه من نوع المشاهد التي لا تنسى والتي تعلق في أذهان المشاهدين، وهل يمكنك أن تنسى تلك الأقلام التي حصل عليها "إسماعيل يس"؛ لأن "شاهين" كان دائما يرى أنه "زفت.. ولازم نعيد"؟

عاد "شاهين" إلى التمثيل من جديد في فيلم (فجر يوم جديد) عام 1965 بطولة "سناء جميل" و"سهير البابلي"، والذي شهد اكتشافه لـ"سيف عبد الرحمن"، وقدم "شاهين" من خلال هذا الفيلم المجتمع البرجوازي في مصر من خلال سيدة متزوجة وصلت إلى الأربعين لكنها تنجذب لشاب صغير من طبقة اجتماعية مختلفة تماما حتى أنه يعيش في غرفة بسيطة على السطوح، وكان "شاهين" هنا هو الزوج الذي تخونه زوجته.

وبعدها بأكثر من 20 عاماً يعود "شاهين" في فيلم (اليوم السادس) عام 1986 بطولة "داليدا" و"محسن محيي الدين"، والذي يدور حول انتشار وباء الكوليرا في مصر، وكان آخر ظهور له سينمائيا في فيلم (إسكندرية كمان وكمان) عام 1990 والذي كتب له السيناريو والحوار وقام بإخراجه أيضا، وهو الجزء الثالث من سيرته الذاتية التي تضم أربعة أفلام: (إسكندرية ليه)، (حدوتة مصرية)، (إسكندرية كمان وكمان)، (إسكندرية نيويورك)، والجزء الوحيد الذي ظهر فيه "شاهين" ممثلا وهو عبارة عن مذكرات شخصية ممزوجة بلقطات تسجيلية وأخرى روائية وفانتازيا وأحداث حقيقية لكنها مغلّفة بإثارة سينمائية.

ولو استثنينا فيلم (إسماعيل يس في الطيران) فإن شاهين في أفلامه الأربعة: (نساء بلا رجال)، (فجر يوم جديد)، (اليوم السادس)، (إسكندرية كمان وكمان) لم يكن في أفضل حالاته، وربما جاء أداؤه نمطيا عاديا، وكان التفوق واضحا لـ"يوسف شاهين" المخرج، لكنها ربما كانت رغبة "جو" في أن يُشبع حلمه الأول التمثيل.

ورغم هذا فإن "يوسف شاهين" الممثل انتصر على المخرج، ووجه له ضربة قاضية عندما كاد أن يحصل على أول جائزة في مهرجان سينمائي دولي كممثل وليس كمخرج. ففي عام 1958 وبعد تقديمه لفيلم (باب الحديد) شارك في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وأعجبت لجنة التحكيم بشدة بشخصية "قناوي" في الفيلم حتى أنهم جميعا صدقوا أنه معاق، واجتمعوا على منحه جائزة عن دوره، لكنهم تراجعوا حين علموا أن "قناوي" المعاق ما هو إلا "شاهين" المخرج والممثل السليم المعافى، والغريب أن يتسبب اندماج الممثل ومصداقيته في فقده للجائزة!

فيلم (باب الحديد) بقصة وسيناريو "عبد الحي أديب" وحوار "محمد أبو سيف" يظل أيقونة "شاهين" التي جعلت الجميع يرى فيه ممثلا عملاقاً يختفي وراء "جو" ذلك المخرج المسيطر.. فتقمص شاهين للشخصية وإحساسه بها وبمشاعرها جعلت الجميع لا يستطيع نسيان "قناوي" ذلك الشيال المعاق الذي يهيم حبا في "هنومة"، لدرجة أنك ستخاف منه على "هنومة" وهو يتقرب إليها وستتعاطف معه وهو يشعر بالتضاؤل بجوار "أبو سريع"، وستنهمر دموعك في النهاية وهو يستعطف "عم مبلولي" لكي ينقذه من الدخول إلى مستشفى المجانين.

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني