history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

محمد هشام عبيه

أن تقدم شخصية سواق التاكسي بعد أن فعلها بتفوق لافت من قبل "محمود عبد العزيز" في (الدنيا على جناح يمامة) و"نور الشريف" في (ليلة ساخنة)، فهذا أمر محفوف بمخاطر المقارنة مع اثنين من "عتاولة" السينما؛ خاصة وأن الفيلمين الرائعين مُهِرا بتوقيع مخرج بقامة "عاطف الطيب"، لكن إذا قررت المغامرة من جديد وكنت تبحث عن وجه مصري مألوف حبوب وخفيف الدم وصاحب طلة دافئة ليقوم بدور سائق تاكسي في عام 2008 من سيكون إذن سوى "أشرف عبد الباقي"؟!

يغامر المخرج "سعيد حامد" في فيلم (على جنب يا أسطى) مرتين، الأولى: أنه يقدم كوميديا مغايرة.. كتبها مؤلف شاب -"عبد الرحيم كمال" لأول مرة- تعتمد بشكل أساسي على التصوير الخارجي مما يعني تكلفة مرتفعة نوعا ما في وقت يتم فيه تقفيل معظم الأفلام الكوميدية في استديوهات، وثانياً: لأنه يقدم "أشرف عبد الباقي" في بطولة من جديد وهو الذي تخاصمه إيرادات السينما الضخمة رغم كل هذه الموهبة المتدفقة منه.

لكن رهان المخرج -الذي يتذكره الجميع بكونه صاحب أول أفلام المرحلة السينمائية الجديدة (صعيدي في الجامعة الأمريكية)- يأتي بنتيجة جيدة جدّاً، ليقدم فيلما كوميديا إنسانيا من الطراز الأول، وقد رصد فيه شوارع القاهرة بشكل فني جذاب رغم ما به من عجالة لاهتمامه بالتركيز على البشر أكثر من الشوارع باستثناء مقدمة الفيلم الجذابة جدّاً التي رصدت جمال شوارع القاهرة في المساء وبخاصة شوارع مصر الجديدة.

لا توجد في (على جنب يا أسطى) عقدة رئيسية ممتدة طوال الفيلم، لكن هذا لا يعني أن الأحداث كانت غير مترابطة أو ظهرت بشكل "اسكتشات" منفصلة، العماد الأساسي هنا هو "صلاح" سائق التاكسي ذو القلب الطيب المحاصَر بنوعيات الركاب الغريبة التي تستقل التاكسي معه، وبرتابة حياته الأسرية مع زوجة تحبه بكل تأكيد لكنها تقليدية، ووالدته التي لا يزال همها الأكبر الوصول إلى أخيه الأصغر "مرعي" الذي انضم إلى عالم الليل وقوانينه بحثاً عن "أول مليون" يمكن أن يجعل حياة هذه الأسرة الصغيرة أفضل.

لكن النور يتسلل في حياة "صلاح" عبر "نور" تلك الفتاة العصرية المنطلقة التي تستعين به في حل مشكلة أسرية خاصة بها، فيدخل معها دنيا جديدة موازية، ويصبح لقاؤه شبه اليومي معها ما وصفه بـ"النور السهاري" الواهن الرقيق الذي "يكشف من غير ما يجرح" على حد تعبير "صلاح" نفسه الذي يزداد ارتباطه بها وهو يدرك أن ذلك أمرٌ بلا نهاية سعيدة في ضوء ظروفهما معا، وهو ما يتجلى في ذلك المشهد الذي تصحب فيه "نور" "صلاح" لتريه مفاجأة كبرى، لا تكون سوى خطيبها الذي وقعت في هواه والذي لم يكن بالمناسبة سوى "أحمد السقا" الذي ظهر في مشهد شرف واحد مع العديد من النجوم الذين ظهروا بدورهم في أحداث الفيلم، وهكذا يعود "صلاح" إلى دنياه العادية من جديد بصخبها ومقالبها ورتابتها وقسوتها بعد أن مسه بعض من النور السهاري.

دور مهم في مسيرة "أشرف عبد الباقي" الفنية، وقد أضفت تلقائيته المحببة وخفة دمه غير المفتعلة وقدرته على الأداء الدرامي دون "زعيق" عمقاً على شخصية سائق التاكسي، أداء مفعم بالأمومة الصادقة والبساطة المتناهية لـ"خيرية أحمد" في دور الأم، وقد تفوقت في تجسيد مشاعر الفقد وهي تبحث عن ابنها الأصغر "مرعي"، طلة لافتة جدّاً لـ"آسر ياسين" الذي يبشر دوره هنا ودوره السابق في فيلم (إحنا اتقابلنا قبل كده) بظهور نجم حقيقي يستحق مساحات أكبر من تلك، فيما أثبتت "أروى" أنها ممثلة جيدة لحد كبير، فقط عليها التخلص من بعض التكلف، وأجادت "روجينا" بشكل واضح في دورها ذي المساحة الصغيرة بالأساس رغم أهميته.
يظل الفنان الكويتي "داوود حسين" أفضل ضيوف الشرف الكُثر الذين ظهروا في (على جانب يا أسطى) فيما حاول الفنان "سمير غانم" استحضار بعض من ملامح "فطوطة"، فأضاع على نفسه مساحات كان يمكن استغلالها بشكل أفضل، في الوقت الذي برهن "علاء مرسي" من جديد على موهبته رغم المشهد القصير الذي ظهر فيه.

رغم أن (على جنب يا أسطى) في مجمله فيلم جيد استطاع فيه المؤلف "عبد الرحيم كمال" أن يجمع بين الخطين الكوميدي والإنساني بشكل متوازٍ متوازن منذ البداية وحتى النهاية على عكس معظم الأفلام الكوميدية التي يتم فيها تكثيف المشاهد الإنسانية في النهاية بطريقة تبدو مسرحية في أغلب الأحيان، فربما لو امتلك المؤلف بعضاً من الخبرة لصنع فيلما به مساحات كوميدية أكبر خاصة وأن في يده كما يقولون "قماشة" -فكرة سائق التاكسي- تستوعب ذلك جدّاً، وممثل كوميدي مهم "أشرف عبد الباقي"، لكن يبقى أن (على جنب يا أسطى) محاولة ناجحة جدّاً لرصد بعض ملامح مصر وناسها في أوائل القرن الحادي والعشرين، ومحاولة لتسليط الضوء على فئة تبدو مهمشة بأحلامها وطموحاتها التي ربما لا تزيد في كثير من الأحيان على "نور سهاري".



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني