شريف عبد الهادى

يكفى أن تعرف أن فيلم "كباريه" من تأليف أحمد عبد الله مؤلف فيلم "الليمبي"، وإنتاج السبكي منتج فيلم "أيظن" لتأخذ قرارا – وأنت في بطنك بطيخة صيفي – بألا تفكر مجرد التفكير في دخول الفيلم، إلا أن المفاجأة – وصدق أو لا تصدق – أن "كباريه" استطاع أن يثبت أنه الفيلم رقم واحد بلا منازع في الموسم السينمائي، رغم كم النجوم الكبير والدعاية الضخمة التي صاحبت "ليلة البيبي دول" وتألق خالد صالح، وتيمة الجنس الفاضحة التي لعب عليها خالد يوسف في "الريس عمر حرب" فكيف استحق "كباريه" أن يحتل المركز الأول رغم أن مؤلفه ومنتجه من أرباب السوابق الفنية، وصحيفة الحالة الجنائية الفنية لكل منهما تحمل لقب "مسجل خطر سينمائيا"؟

حدوتة مصرية
تدور قصة الفيلم في زمن اليوم الواحد الذي تتوالى فيه الأحداث المختلفة والعلامات الفارقة في شخصيات أبطال الفيلم، ويمثل "الكباريه" نقطة تلاقي كل هذه الشخصيات مع تباين واختلاف أحلامهم، وطموحاتهم، ومشكلاتهم، وأسباب تواجدهم في "الكباريه" سواء "علام - أحمد بدير" الذي يشرف على "البار" في"الكباريه" ورغم ذلك يحرص على أداء كل الفروض ويصلي الوقت بوقته، حتى إنه يترك الصالة وقت صلاة الفجر ليؤدي الفرض، ثم يعود لاستكمال عمله، أو "فؤاد حامد – صلاح عبد الله" صاحب "الكباريه" الذي لم يشرب في حياته سيجارة أو كأسا، ويواظب على أداء الفروض كافة، بل ويسافر كل عام لأداء العمرة، لكنه رغم ذلك ظلم شقيقه "خميس حامد – ماجد الكدواني" واستولى على نصيبه في ميراث والده، وأجبره على أن يعمل خادماً في الحمام الخاص بالكباريه، ليعطي الزبائن المناديل، أو "شعلان - فتحي عبد الوهاب" الذي تم عمل غسيل مخ لدماغه في إحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة، على يد أميرها محمود الجندي الذي يكلفه بتفجير نفسه في "الكباريه" لحماية الدين والبلد، باعتباره مكانا موبوءا تحدث فيه الرذائل والكبائر، أو "سيد - علاء مرسي" الذي يلم "النقطة" أو "الكيتة" كما يسميها أولاد الكار ويضع في الصندوق المخصص لها الآلاف دون أن يملك ثمن مصاريف مدرسة ابنته، وتعايره زوجته "سعاد – مي كساب" باستمرار عمله في "الكباريه"، أو " بلعوم - خالد الصاوي" المطرب الشعبي الذي يرافق امرأة عربية ثرية "أم حبشي – هالة فاخر" لتنفق عليه وتمنحه كافة احتياجاته، وتنتج له ألبوماته لإنقاذه من الفشل، أو "أبو السعود – إدوارد" الذي كان يعمل خادما لدى المطرب الشعبي بلعوم، ثم يغني أغنية شعبية تكتسح السوق، وتتفوق شهرته على شهرة سيده "بلعوم"، أو "ليلى – جومانة مراد" ابنة المنطقة الشعبية التي تحرص على ارتداء العباية أو الجلابية في منطقتها، وتخفي على الجميع حقيقة عملها كراقصة في "الكباريه" وتحوش من مرتبها ثمن سفر والدتها لأداء فريضة الحج، أو"فرعون - محمد لطفي" المقاتل السابق الذي فقد صوته في الحرب، فقرر أن يعمل "بودي جارد" في الكباريه بعد أن ظلمته الدولة، وسلبت حقوقه، أو "دنيا سمير غانم – منى" التي هربت من تحرش زوج والدتها، فقادتها الظروف للعمل في الكباريه رغماً عنها..كل هذه الشخصيات وغيرها لا تجمعهم أي صلة أو معرفة سوى التواجد في "الكباريه" الذي تدور داخله معظم أحداث الفيلم، لتعبر الأحداث عن مدى التناقض الرهيب الذي سيطر على المجتمع المصري حتى صار مجتمع "بتاع كله" دون أي هوية محددة، ويشعر المشاهد في نهاية الفيلم أن الكباريه الحقيقي هو الدنيا التي نعيشها خارج الكباريه بكل أخطائها وتناقضاتها ورذائلها ومصائبها، والحق يقال فقد اكتملت أركان قصة الفيلم بشكل قارب إلى حد الكمال، سواء في بناء الشخصيات، أو مدى الترابط بين الأحداث والإيقاع المنضبط الذي يسير بالمعدل المناسب.

كل حاجة
في هذا الفيلم ستجد كل ما تشتهيه كمشاهد، سواء المتعة، أو القصة الهادفة، أو التمثيل المتقن بشكل تلقائي عالي الحرفية لكل أبطال الصف الأول والثاني، أو الإخراج المتميز، أو الديكور المبهر، أو الموسيقى التصويرية الرائعة، ومازالت أذني تحتفظ بالعديد من الجمل الاعتراضية وكلمات الدهشة والتعجب التي التقطتها من ألسن المشاهدين عن مؤلف ومنتج الفيلم اللذين تحالفا لأول مرة مع الجمهور وليس عليه، والطريف أن الفيلم يمثل مرحلة نضج فني غير عادي لكل من شارك فيه، سواء الممثلون الذين حتما سيمثل ذلك الفيلم علامة فارقة في حياتهم، أو المؤلف الذي فاجأنا أخيراً بقصة تستحق الثناء أو المنتج الذي أخيرا استغل حسه الفني الغائب، أو المخرج سامح عبد العزيز الذي عاد بقوة الصاروخ بعد فشل أفلامه السابقة والتي انتهت بفيلم "حسن طيارة"، وتامر كروان صاحب الموسيقى التصويرية الحنونة

اللي على راسه بطحة
أطرف ما في الفيلم أن معظم من شاهده من المطربين أو الممثلين في الوسط الفني شعر أنه شخصية من شخصياته، وأن الفيلم يتضمن إسقاطا مباشرا عليه، والأطرف أن الجمهور العادي نفسه سيشعر نفس الشعور مع فيلم واقعي لأقصى درجات الواقعية.
ماستر سين
الفيلم من الأفلام النادرة التي لا يوجد فيها "ماستر سين" أو مشهد رئيسي تتحول فيه الأحداث، وتكمن فيه لحظة الذروة، حيث إن لكل شخصية في الفيلم أكثر من "ماستر سين" تتغير فيه، وكأن هذا الانغماس في الشخصيات والتعمق في كل تفاصيلها ومشاكلها جعل كل شخصية في الفيلم كأنها فيلم منفصل..

الحلو ما يكملش
بالطبع كانت هناك بعض الأخطاء، لكنها مقبولة وغير فادحة على الإطلاق، وعلى رأسها شخصية "شعلان- فتحي عبد الوهاب" التي لم نعرف حياتها وماضيها قبل التطرف والانضمام للجماعات المتطرفة، وضرورة اعتماد هذه الشخصية على تفجير نفسها في "الكباريه" للتخلص منه رغم أن المنطقي والعقلاني هو وضع حقيبة متفجرات وتفجيرها عن بعد، بالإضافة إلى أنه ليس منطقياً أن يتحول إرهابي جاء ليفجر نفسه في "الكباريه" بعد عملية غسيل مخ، إلى شخص معتدل يرفض تفجير المكان لمجرد أنه رأى "علام – أحمد بدير" يصلي في الكباريه ويأخذ بنصيحته ويترك العمل في الكباريه لأنه حرام، إلا أن كل ذلك لم يؤثر على جودة ونجاح الفيلم إطلاقاً.



