محمد هشام عبيه
![]()

قل ما تريد على هذا الفيلم، ربما تصدمك جرأة بعض المشاهد الجنسية وربما تعتقد بأن الأجواء غريبة بعض الشيء، لكنك بكل تأكيد ستجلس مشدوهاً متوتراً متلهفاً على الأحداث التي يدور معظمها في مكان واحد، وهو أمر قد يعطي الانطباع بأن الإيقاع ربما يتصف ببعض البطء أو الملل، لكن هذا لم يحدث مطلقاً مع مخرج يتقن حرفته كـ"خالد يوسف" مهما اختلفت معه في رؤيته الفنية أو توجهاته الفكرية، ولعل أكبر دليل على ذلك أنك ستخرج من دار العرض –مصدوماً في النهاية المغايرة- وأنت تفكر فيما رأيته للتو وأين مكانك هناك ياترى؟!
في (الريس عمر حرب) يأخذك "خالد يوسف" -عبر سيناريو مكتوب بتفوق وتميز لافت للسيناريست المثير للجدل دوماً "هاني فوزي" صاحب أزمة فيلم (بحب السيما) منذ عدة سنوات- إلى عالم آخر وغريب، وغير مطروق من قبل في السينما المصرية، دنيا صالات القمار التي تحفل بكل نوعيات البشر، خاصة تلك الموجودة على أرض مصرية ولا يدخلها مصريون –للمقامرة- قط إلا إذا كان يحمل جواز سفر لجنسية أخرى، فقط يدخلونها من أجل العمل الذي له ضوابط صارمة قاسية، فلا صداقة أو تواصل مع الزبائن مهما وصلت درجة الإغراءات إلى ذروتها، ولا انفعال زائد أو بحث عن كرامة مهدرة في مقابل أي انفعال أو سباب أو ضرب من الزبائن في لحظة الخسارة المهينة المزلزلة للكيان، هناك في الكازينو وقد ارتضيت أن تصير عضواً فيه يجب أن تخلع كرامتك مع ملابسك لترتدي بدلاً منها ملابس "الديلر" واللاكرامة واللاطموح، فقط اقبل بالأموال الكثيرة التي تنالها من هذا الفعل الحرام، وأنت تدرك أن ذلك ثمنه غال جداً، إذ سيبتعد عنك الأهل والأقارب والأصدقاء، وسيمنعك الأب من العودة إلى البيت وتنفصل عنك إلى الأبد خطيبتك التي ارتضيت من أجل الارتباط بها أن تعمل في صالة القمار بالأساس.
لكن "خالد" -الذي يقوم بدوره بتميز واضح "هاني سلامة"- رغم كل ما خسره لم يكن شاباً عادياً، ينتهي من عمله في صالة القمار ليعود إلى منزله يحصي ما كسب، وهذا ما انتبه له "الريس عمر حرب" رئيسه في العمل ذلك الرجل الذي تحوم حوله الأساطير المفزعة التي تتحاكى عن جبروته ونفوذه وسلطته وقوته المطلقة التي تنتصر حتى على نصف دستة من الكلاب الشرسة استأجرها أحد أعدائه للفتك به!
وهكذا تتوطد العلاقة بين الرجلين "عمر حرب" و"خالد"، ويتقرب كل منهما إلى الآخر، الأول وقد رأى في الثاني خليفة له، حتى أنه وهو يعلن له هذا يضع يده على كتفه في قوة ليقول له في لهجة حاسمة بها تأثر واضح وبطريقة توحي بأنها لغة مقدسة "أنا اصطفيتك"، و"خالد" الذي يرى فيما وصل له "عمر حرب" نموذجاً وقدوة يتطلع إليها بانبهار، كيف لا وهو يمتلك كل هذه السطوة والنفوذ والثروة والقوة؟
حدثت الصفقة المحرمة إذن، لكن بقايا طيبة وإنسانية في نفس "خالد" تجعله يخالف تعليمات "الريس عمر حرب" ويوطد علاقته بـ"حبيبة" زبونة صالة القمار غريبة الأطوار المقبلة على الحياة دوماً مهما قابلها من مصائب، تجلت في إصابة زوجها بمرض خبيث يحتاج إلى مبالغ طائلة لإجراء عملية لعلاجه، ثم ترمي العاهرة "زينة" حبائلها حول "خالد" الذي يغوص بقدميه في قلب المستنقع والخطيئة ليس فقط تلك المرتبطة بعلاقته بالمرأتين، وإنما بعدما تمكنت منه الحرفة، وصار يتحكم في زبائن القمار، يجعل أحدهم يكسب الآلاف حين يريد، ويخسف به الأرض حيناً آخر حتى يقارب على الموت بفعل الخسارة المذلة.
يعطيك "خالد يوسف" و"هاني فوزي" المفاتيح شيئاً فشيئاً لتتعرف على حقيقة "الريس عمر حرب" الذي تتسم أفعاله وعباراته وتصرفاته بكثير من الشطط ويتعامل في كثير من الأحيان بوصفه المتحكم في مصائر كل من يعملون معه، حتى تأتي المشاهد الأخيرة، ليقولها له "خالد" وقد تحرر للحظة واحدة من سطوته المفزعة "أنت شيطان"! بكل تأكيد لم تكن أنت في حاجة لهذه الجملة لتعرف أن "عمر حرب" لم يكن سوى شيطان بالمعنى الحرفي وليس المجازي للكلمة!
"الريس عمر حرب" إذن تنويعة جديدة على الأسطورة الألمانية الشهيرة "فاوست" عن الرجل الذي باع روحه للشيطان في مقابل أن يظفر بالخلود أو الثروة، لكن الفارق هنا أن "خالد" لم يدرك أن "عمر حرب" شيطان إلا متأخراً جداً، متأخراً لدرجة أنه أصبح من المستحيل الفكاك من قبضته خاصة بعدما يتضح أن الجميع –حتى أولئك الذين يبدون أنهم ليسوا كذلك- يعملون بإشارة من يديه.
تميز الفيلم بحوار فلسفي في بعض جمله، وإن لم يعن ذلك وجود شبهة تعقيد أو "فذلكة"، أو حتى عدم مناسبة ذلك مع شخصياته، خاصة وأن معظم هذه العبارات جاءت على لسان "عمر حرب" فبماذا تريد أن يقنعك الشيطان بأن تتبعه إذن إذا لم يستخدم مثل هذه العبارات العميقة التي تزلزلك وتفتح أبواب الرغبة والشك في داخلك؟ والجميل أن ذلك تم بشكل فني جذاب دون خطابة، وهذا هو حال كل عناصر الفيلم بشكل أساسي، التصميم المبهر لصالة القمار لمصمم الديكور "تامر إسماعيل"، وحركة الكاميرا الجاذبة لد."رمسيس مرزوق" باستثناء بعض الإفراط في اللقطات الضيقة على وجوه الممثلين، وموسيقى "راجح داود" المتوترة الرقيقة، ومونتاج "غادة عز الدين" الذي حافظ على إيقاع الفيلم بشكل كبير، والقدرة اللافتة لـ"خالد يوسف" على تقديم فيلم جيد فنياً وبأكثر من مستوى، يضمن له التواصل الجماهيري مع الحدوتة المباشرة وأيضاً مخاطبة شريحة أخرى تتعامل مع المستوى الآخر للفيلم وتماسه مع قضية تبدو غير مطروقة كثيراً بسبب حساسيتها المفرطة، رغم أنه بكل تأكيد كان يمكنه التخفيف من المشاهد الجنسية -التي هي أقل بالمناسبة من فيلمه السابق "حين ميسرة"!- وتقديمها بشكل أقل مباشرة وفجاجة، خاصة وأن هذا من أحد وظائف الفن.
ثمة تفوق ملحوظ لـ"هاني سلامة" و"خالد صالح" في الأداء، خاصة من الأول الذي يكفيه دوره المليء بالانفعالات والمشاعر المضطربة الداخلية، وأنه استطاع الصمود أمام غول تمثيل كـ"خالد صالح" الذي مال أداؤه إلى مسرحية مطلوبة إلى حد كبير لإعطاء الإيحاء بكونه الشيطان شخصياً!، فيما كان أكثر ما يلفت الانتباه في "غادة عبد الرازق" و"سمية الخشاب" هو ملابسهما الغريبة جداً، خصوصاً "غادة عبد الرازق" التي ارتدت ملابس تصلح لأداء دور "كهرمانة" في المسلسل الشهير للمخرج الراحل "فهمي عبد الحميد" (ألف ليلة وليلة)!، على عكس الحضور اللافت للمثل العراقي "بهجت" الذي بدا من تلقائيته وحضوره وخفة دمه أنه زبون تم استقطابه من صالة قمار حقيقية للمشاركة في الفيلم!
"الريس عمر حرب" فيلم آخر يمكن أن تضعه لصالح المخرج "خالد يوسف" وقدرته الواضحة على الخوض في موضوعات غير مطروقة من قبل -فعل هذا في (العاصفة)، و(جواز بقرار جمهوري)، و(ويجا) و(خيانة مشروعة)، و(حين ميسرة)- وفيلم آخر لا يكتفي بتسليتك أو تقديم صورة ممتعة فقط، وإنما يجعلك تخرج من دار العرض وأنت مشغول بالبحث عن إجابة للسؤال.. ماذا كنت ستفعل لو اختارك الريس "عمر حرب" ابناً له؟!



