شريف عبد الهادي

إدمان مخدرات، جنس، وبطالة.. حسناً هل رأيت فيلماً شبابياً لا يتطرق إلى هذه المشكلات؟ هل تبحث عن فكرة أخرى ومعالجة جديدة بعيدة عن كل تلك المعالجات التي قتلت بحثاً حتى فقدت معناها وصرنا نسخر منها رغم خطورتها وأهميتها؟ إذن – على طريقة الإعلانات – عليك بمشاهدة فيلم "ورقة شفرة"..
"رجال لا تعرف المستحيل"
من جديد يعود الثلاثي "شيكو" و"هشام ماجد" و"أحمد فهمي" للظهور بقوة بعد الفيلم القنبلة (رجال لا تعرف المستحيل) الذي يمكنك أن تقول عنه بكل ثقة - وأنت تضع في بطنك بطيخة صيفي– أنه كسر الدنيا وحقق أعلى نسبة إيرادات رغم أن مصر كلها شاهدته على الكمبيوتر، ولم يعرض في السينما!
هذه المرة لم يأتوا ليسخروا من فيلم (الطريق إلي إيلات) بل جاءوا ليثبتوا أن السينما المصرية في حاجة لأفكار مختلفة، وأن الشباب يبحث عن أفلام ممتعة بعيداً عن كل النوعيات الهابطة التي عقّدت مشاكله أكثر بدلاً من أن تسهم في حلها.. عادوا منتحلين شخصيات جديدة لم تظهر في السينما المصرية بهذا الشكل وطريقة الكلام، ومنهج التفكير مما جعلهم بمثابة "نيولوك" للسينما المصرية يضفي عليها البهجة والتجديد حتى وإن كانت أسماؤهم في الفيلم "بدير"، و"إسماعيل"، و"فايز"..
"نيولوك تاريخي"

دعونا نتفق أن القضية الفلسطينية لم تناقش على مر التاريخ السينمائي المصري كما ينبغي، ودعونا نتوقف عن الخلاف والشجار عندما يصيح فينا أحدهم بأنه لا علاقة بين الآثار الفرعونية والقضية الفلسطينية وهيكل سليمان والمسجد الأقصى؛ لأنه هناك بالفعل رابط قوي اسمه "المصريين".
ولأننا اعتدنا منذ نعومة أظافرنا أن نكره حصص التاريخ، لضعف المناهج الدراسية ومعلوماتها الخاطئة، فدعوني أؤكد لكم للمرة الثالثة –وأرجو ألا أكون مملاً– أن "ورقة شفرة" سيجعلك تحب التاريخ وتكتشف أن دمه خفيف وغير "تقيل على قلبك حبتين"، كما اعتدت أن تجيب لكل من يسألك عنه.
جدو هو السبب
عالم آثار اكتشف من خلال أبحاثه ودراساته أنه لا علاقة بين هيكل سليمان والمسجد الأقصى كما يدعي اليهود أو لنقل "الصهاينة" لذا كان من الطبيعي أن تنقلب الدنيا وتقوم قيامة كل صهيوني لإخفاء هذا السر الذي يغير التاريخ ويهدم نظرية الصهاينة التي يستندون إليها في تبرير احتلالهم للقدس.. وكالمعتاد وليس غريباً أن يتم قتل هذا العالم الخبير، لكنه -وكالمعتاد أيضاً- يكون قد اتخذ حذره ويترك ورقة شفرة بها لغز يمكن لمن يحله أن يصل للخريطة التي تؤكد نظريته وتفضح أكاذيب الصهاينة، وكالمعتاد أيضاً –صدقني لا أتعمد أن أكون مملاً– يترك هذا السر لحفيد طائش أرعن لا يفقه شيئاً هو وصديقيه الأنتيم؛ لتتوالى الأحداث بإيقاع سريع وشيق في سكة جديدة "محدش داسها قبل كده" في أي فيلم.
دماغ مجنونة
أجمل ما في الفيلم أن شخصيات أبطاله وروحهم جاءت مختلفة تماماً في الأسلوب والستايل عن الشخصيات التقليدية التي سئمنا ظهورها وحفظناها عن ظهر قلب مثل أن يكون البطل "أحمد"، والبطلة "منى" وواحد فيهم غني والتاني فقير.. هذا الفيلم لن تشعر معه أنه فيلم عربي تقليدي، بل مغامرة حية ستخوضها مع أبطاله بدمهم الخفيف وطريقة تفكيرهم "المطرقعة" سواء أحمد فهمي، أو هشام ماجد، أو شيكو، أو فرح، أو سمية..
أحمد الفيشاوي
لا أملك سوى أن أمنحه فقرة كاملة بمفرده بتركيبته الفظيعة التي أتحفنا بها في الفيلم، وكأننا أمام أحمد آخر غير الذي تابعنا خلافاته ومشكلاته الشخصية ليكون "ورقة شفرة" بمثابة جواز مرور جديد له لجمهور أحبه و"مات من الضحك" على "إفيهاته" رغم أنه ليس البطل، وهو ما يجبرني أن أحييه للمرة الثانية على وقوفه مع مجموعة من الشباب في تجربتهم الأولى، بروح رياضية خالية من "النفسنة" المتعارف عليها في الوسط الفني.
ضيوف شرف
أجمل ما في الفيلم هو تقديمه للفنان الحاضر الغائب "سمير غانم" في مشهد ظريف أرجعنا لزمن "ثلاثي أضواء المسرح"، و"المتزوجون" و"أخويا هايص وأنا لايص"، كما ظهر الفنان الجميل "خالد أبو النجا" في لفتة طيبة ومساندة صريحة منه لشباب يستحق المساندة.
كل حاجة حلوة
الفيلم جاء جيداً في بنائه الدرامي والسيناريو، وإن شعرت أن الجزء الأخير منه تمت "كلفتته" إلى حد ما، وتميز في إخراجه المخرج الشاب الموهوب "أمير رمسيس"، كما جاءت زوايا التصوير والإضاءة والموسيقى التصويرية فيه موفقة للغاية بشكل جعل الفيلم جديراً بالمشاهدة.



