history موضوعات سابقة
send to friend .ارسل الموضوع لصديق

نانسي حبيب

لو كنت محظوظاً وشاهدت فيلم (بابل) بطولة "براد بيت" وإخراج المكسيكي "أليخاندرو جونزاليس" لوجدت حكايات مختلفة في بلدان مختلفة، فهو يعتمد على أكثر من قصة تشترك في شيء واحد، وتنتقل الكاميرا بين المغرب واليابان وأمريكا والمكسيك، صحيح أنك ستجد السياسة، لكنك ستجد إلى جوارها مشاعر مختلفة، وقصصا إنسانية، وموسيقى رائعة، ومشاهد خلابة، وتصويرا مبهرا...

على نفس التيمة تقريبا يلعب فيلم (ليلة البيبي دول).. فكرة الشخصيات المختلفة الذين يشتركون في شيء واحد وتتنقل الكاميرا فيما بينهم إلا أن البيبي دول أثار ضجة كبيرة قبل عرضه بدءا من اشتراك عدد ضخم من النجوم والميزانية التي وصلت إلى 40 مليون جنيه ومحاولات عرضه في مهرجان كان، والادعاء بأن المخرج "عادل أديب" رفض ذلك؛ لأنهم طلبوا منه حذف مشاهد سياسية ليتم عرضه في سوق مهرجان كان فقط دون الدخول في المسابقة.. كل هذه الضجة والصخب والدعاية الضخمة التي قامت بها شركة جودنيوز تسببت في تصور مسبق لكل من يشاهد الفيلم بأنه سيكون طفرة أو على الأقل سيكون فيلما متميزا بحق (عشان يستاهل الأربعين مليون)!.. فهل كان (ليلة البيبي دول) متميزا بالفعل؟ وهل نجح في تقديم فكرته كما فعل (بابل) أم أن المشاهدة ستعطيك انطباعا آخر؟

تدور أحداث الفيلم في ليلة رأس السنة من خلال رجل الأعمال المصري "حسام" الذي يعمل في مجال السياحة والذي ظل يتلقى علاجا لمدة سنة في الولايات المتحدة حتى يستعيد قدرته على الإنجاب، وحين يفعل يقرر العودة مفاجئا زوجته بهدية عبارة عن "بيبي دول" ويأتي مرافقا لوفد أمريكي يضم "سارة شرودر" اليهودية التي تعمل في مجال السلام بين الشعوب، وفي نفس الوقت يقرر "عوضين" الإرهابي الذي تطارده قوات الشرطة القيام بتفجير الوفد الأمريكي الذي يضم "بيتر" المسئول عن معتقل "أبو غريب" حيث تم تعذيب "عوضين".

رغم أن القصة والإنتاج السخي والنجوم الكبار كلها عوامل مساعدة لتقديم فيلم قوي إلا أن (ليلة البيبي دول) احتوى على كثير من المشاكل أولها أن الدعاية الضخمة التي سبقته أهَّلت المشاهد لدخول فيلم رائع ليجد أمامه فيلما عاديا لا يمكن أن نطلق عليه مصطلح الفيلم الجيد.

ثاني مشاكل الفيلم هي رغبة صناعه في اقتحام جميع المشاكل السياسية من الهولوكوست إلى فلسطين إلى العراق ثم الإرهاب والتحالف الإسرائيلي الأمريكي.. وكل هذا لم يتم تناوله في إطار الأحداث وإنما تم بصورة أقرب إلى الأفلام الوثائقية المملة من خلال مشاهد تكررت كثيرا على القنوات الإخبارية تتم إعادتها، بل ووصل الأمر بصناع الفيلم إلى كتابة بعض الجمل التقريرية على الشاشة، وكأنك تتصفح جريدة لا تشاهد فيلما سينمائيا يعتمد على الصورة والإبهار والسيناريو والحوار، والأخير هذا كان مشكلة أخرى في الفيلم.

فالسيناريو والحوار هنا من أضعف ما يكون، مجرد جمل مكررة باهتة أقرب إلى المناظرة السياسية وصلت في أحد المشاهد إلى تأكيد "جميل راتب" بأن العرب هم السبب فيما يحدث ليرد عليه "محمود عبد العزيز" بأنها أمريكا ليرد "راتب" بأن الأمريكان مش كلهم "بوش"، ويرد "محمود عبد العزيز" بأن العرب مش كلهم "أسامة بن لادن"، وقس على ذلك باقي الحوارات.. لينتهي بتساؤل "جديد خالص" هم العرب ليه بيكرهونا؟! بل وتتبعه إجابة أخرى "أجدد وأجدد" بأن السبب "بابا بوش"!

هناك كذلك ضعف بناء الشخصيات، فستجد إحدى الشخصيات تتحدث عن ماضيها لتكتشف من خلال باقي أحدث الفيلم أن هذا الماضي يتناقض مع الحاضر إلى جانب القطع العشوائي لبعض المشاهد والذي يبعث على لخبطة المشاهد كما أنه توجد مشاهد غير مفهومة في سياقها أبرزها مشهد "علا غانم" الوحيد الذي قيل إنه يرمز لسقوط بغداد دون أن يشرح لنا كيف ولماذا.. ولا يتبعه شيء يوضحه، بل اكتفى المخرج بمشهد دخيل ومبتور!

تراوح أداء شخصيات الفيلم.. "محمود عبد العزيز" ظهر عليه كبر السن ولم تساعد الكاميرا على إخفائه، ورغم هذا ظل يتألق بشدة كعادته ساعد على ذلك خفة دم المعهودة والتي وصلت إلى أقصاها في مشهد شوربة الزوووو التي تحتوي على مكونات تتسبب في تقويته جنسياً، وفي الوقت الذي خرج فيه أداء "نور الشريف" جيدا فقد تألق "جمال سليمان"، وأثبت أنه ممثل من العيار الثقيل. وجاء "محمود حميدة" عادياً في دور لا يبرز قدراته التمثيلية العالية، وأدى "جميل راتب" دور الجنرال "بيتر" بتميز رغم قصر الدور وغياب الكثير من ملامح الشخصية، وكانت شخصية "أحمد مكي" متميزة ومتسقة للغاية خفيفة الدم تلقائية أداها ببراعة فيما كان "محمود الجندي" تقليديا في مشهد تقريري يقترب من الفيلم التسجيلي.

على الجانب الآخر تجد "ليلى علوي" باردة للغاية، وإن كان هذا ما تتطلبه شخصيتها على عكس "سلاف فواخرجي" التي -وبغض النظر عن جمالها "الفظيع" حتى في المشاهد التي ظهرت فيها بدون مكياج- كانت مرحة تلقائية ودخلت قلب المشاهد، فيما تباينت شخصية "غادة عبد الرازق"، وربما يعود هذا إلى التناقض الواضح في تركيبة الشخصية، ووجود الكثير من غير المنطقية. يبقى أن "روبي" ظهرت في مشهد واحد تؤدي أغنية لم يظهر فيها سوى براعة موسيقى "ياسر عبد الرحمن"!

وفي الوقت الذي كان فيه التصوير متميزاً في أمريكا خاصة في مشهد 11 سبتمبر فإنه جاء عاديا في مشاهد أخرى.. وهو ما يوحي بأن "عادل أديب" حاول واجتهد كثيرا في الفيلم لكن أفلتت منه العديد من الأخطاء، وبات واضحا أن فيلم (ليلة البيبي دول) وقع في فخ المباشرة السياسية وسطحية التناول بلا إبداع فني حقيقي رغم محاولة صناعه تقديم فيلم عالمي، لكنه خرج ينقصه الكثير من المقويات "كشوربة الزووووو".

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني