ماجد إبراهيم

هل الحياة زي الفل؟ أم أنها تحتاج دوماً إلى حلول عاجلة للمشاكل والأزمات المادية الطاحنة خاصة تلك التي يتعرض لها العاطلون والعاطلات.. وربما تحتاج أيضاً إلى حلول مفاجئة أو محاولة لاقتناص الفرص على طريقة (الغاية تبرر الوسيلة)؛ كي تتحول إلى زي الفل فعلياً..
هذا باختصار ما يمكن أن نصف به فكرة العرض المسرحي (زي الفل) الذي بدأ عرضه مؤخراً على مسرح البالون وهو العرض المسرحي الغنائي الاستعراضي الذي يشهد أول بطولة مسرحية للمذيع اللامع "شريف مدكور" المشهور بتقديمه لبرنامج (من كل بلد أكلة) بقناة الأسرة والطفل.. وهذا العمل هو أول تجربة تمثيل له وهي الأصعب حتماً؛ لأنه يواجه جمهوره بشكل مباشر من خلال الوقوف على خشبة المسرح.. وليس من خلف الكاميرا كما اعتاد..
ويقف "شريف" في هذا العرض أمام فنان الكوميديا الكبير "وحيد سيف"، والفنان المميز "أحمد صيام"، وتقاسمه البطولة كل من الوجه الجميل "ريم البارودي"، والفنانة المتألقة "ميسرة" مع حشد كبير من نجوم قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية..
والعرض من تأليف وأشعار "حمدي نوار"، وألحان الموسيقار "يحيى غنام"، ومن إخراج واستعراضات د/ "عادل عبده".
النص المسرحي
يناقش هذا العرض نتائج ظاهرة البطالة بين الشباب والتي تدفعهم إلى التفكير في الهجرة غير الشرعية خارج البلاد والتي تعرض معظمهم للوقوع فريسة سهلة في أيدي النصابين وتجار أحلام السفر والهجرة غير الشرعية خارج البلاد..
وذلك من خلال إطار اجتماعي كوميدي غنائي واستعراضي.. حيث تشهد المسرحية أكثر من عشر لوحات غنائية استعراضية تبرز المغزى الفكري والدرامي لمضمون المسرحية..
وتدور أحداث المسرحية حول واحدة من قصص النصب هذه والتي يتعرض لها بعض الشباب من خلال "حيدر بيه" الثري الذي كوّن ثروته بالنصب بالاشتراك مع طليقته "سونيا هانم" التي لها ماضٍ غير مشرف، وقد قاما معاً بتكوين ثروة كبيرة بطرق غير مشروعة.. وحتى يأمن كل طرف غدر الطرف الآخر فقد احتفظ كل منهما بمستندات وأوراق تدين الآخر وتدمّر حياته، وذلك كنوع من أنواع توازن القوى بينهما..
ونظراً لطموح كل طرف منهم للاستيلاء على الفيلا التي يقيمان فيها معا؛ ليستقل بها بمفرده وإزاحة الآخر عن طريقه، فقد قام كل منهما باستئجار عدد من الشباب العاطلين بميدان التحرير، والذين يقفون كباعة جائلين؛ لكي يحقق كل منهم غرضه بالاستيلاء على هذه المستندات، وبعد إغرائهم بمنحهم مبلغاً ضخماً هو مليون جنيه.. يوافقون لحاجة هؤلاء الشباب الشديدة حيث يستأجر "حيدر بيه" (وحيد سيف) "عاشور أبو المعاطي" (شريف مدكور)؛ ليلعب على طليقته "سونيا" (ميسرة)؛ كي يحصل منها على الأوراق التي تدينه، وفي نفس الوقت تقوم "سونيا" باستئجار البنت "أمورة" (ريم البارودي) والتي هي حبيبة "عاشور"؛ لتلعب على "حيدر بيه"، وتحصل منه على الأوراق التي تدين "سونيا هانم"، وبالفعل تنجح الخطة، ولكن تنقلب الأحوال رأسا على عقب عندما يطلع كل من "أمورة"، و"عاشور" على تلك المستندات، فيكتشفون أن سبب مأساة كل منهم في حياته، وسبب متاعبه كانت من خلال ألاعيب "حيدر بيه"، و"سونيا هانم" عليهم واللذَين استأجراهما للقيام بهذه المهمة.. فيقرر هؤلاء الشباب الانتقام من كلٍّ من "حيدر بيه"، و"سونيا هانم"، ويتوالى الصراع حتى يسقط أحدهم..
الألحان والغناء
لعبت ألحان الموسيقار "يحيى غانم" دورا كبير وبارزا في تلحين استعراضات هذا العرض المسرحي؛ حيث أبرزت معاني الرواية من خلال الأغاني الاستعراضية، والتي كان أبرزها استعراض (ألوفات ألوفات)، وكذلك استعراض (كله بيلعب لاجل يعيش)، وكانت أهم عبارة لفتت الأنظار في هذا الاستعراض هي: ما تنكسفش ما تختشيش.. من غير الرشوة ما تمشيش!!..
كذلك جاء غناء "وحيد سيف" لأحد الاستعراضات ساخرًا من حال الغناء والفن مميزا جدّاً، وبه لمحة تقليد لمونولوجات "إسماعيل ياسين" القديمة، وهو استعراض زمن الهشك بشك..
الديكور
لعب ديكور "كمال المصري" دوراً بارزاً في إظهار اللوحات الفنية التي أرادها كلٌّ من المؤلف والمخرج حيث تم تصميمه بأفضل صورة ممكنة، فخرج مبهرا جدّاً حيث جاءت ديكورات اللوحة الأولى معبرة تماما عن شباب ميدان التحرير وتوحي لنا وكأننا في قلب ميدان التحرير فعلا خاصة مع الصورة الضخمة التي بدت في الخلفية واحتوت على أشهر معالم ميدان التحرير كالمجمّع والجامعة الأمريكية ومسجد "عمر مكرم"..
كذلك جاء ديكور اللوحة الثانية التي تدخل فيها "ريم الباردوي" إلى خشبة المسرح والتي تصور نفق مترو الأنفاق؛ لتشعرنا بشكل كبير كما لو أننا في محطة مترو الأنفاق بالفعل.. وأيضا جاء ديكور الفيلا التي يقطنها كل من "حيدر بيه"، و"سونيا هانم" أنيقاً جدّاً ومميزا مما ساهم في إعطاء صورة رائعة للعمل.
التمثيل

"شريف مدكور": كان هو مفاجأة هذا العرض بالفعل حيث جاء أداؤه طبيعيا وفطريا، وكان حضوره عالياً وتميز بخفة دم واضحة..
"وحيد سيف": جاءه أداؤه كما اعتدنا أن نراه دوما، فيضحكنا فور أن نراه، لكن كان جديده في هذا العرض هو القدر الكبير من الأفيهات الساخرة من كل أحوال الدنيا..
"أحمد صيام": يعتبر هو منقذ هذا العرض حيث حل بديلا عن الفنان "سعيد طرابيك"، والذي اعتذر في آخر لحظة عن العرض؛ حيث حفظ دوره بسرعة كبيرة إلا أنه كلما نسى أو أخطأ كان ينقذ الموقف ويتداركه بإفّيه ساخر يضحك الناس جدّاً.. وقد لعب دور الوسيط بين "حيدر بيه"، و"عاشور"..
"ريم البارودي": رغم أنها سبقت "شريف" إلى التمثيل إلا أن "شريف" كان الأعلى منها حضورا، لكنها تميزت على كل حال في الدويتوهات المشتركة بينهم..
"ميسرة": جاء دورها في محله تماماً، فتيمة الشر النسائي تليق عليها بشكل كبير جدّاً، لذلك جاء أداؤها مقنع جدّاً وصادقا إلى أبعد مدى..
أما بقية نجوم العرض "يوسف عيد"، و"راضي غانم"، و"أحمد رشوان"، و"إبراهيم غنام"، و"سناء عوض"، و"سحر عبد الله"، و"خالد جمعة"، و"سيد عبد الرحمن"، فقد لعبوا أدوارهم بدقة كبيرة، وإن حدث بعض الارتباك من بعضهم لكن سرعان ما كان يتم تداركها..
الإخراج
جاء إخراج هذا النص علي يد مخرج الاستعراضات الشهير د. "عادل عبده"؛ ليعيد للمسرح الاستعراضي تواجده الذي اختفى منذ فترة طويلة؛ حيث استطاع د. "عادل" أن يعبّر بدقة عن مشاهد الرواية بتوظيف كل عنصر في مكانه الصحيح، فخرج النص منه كتمثيلية من حلقة واحدة تم تصويرها بجودة عالية..
وقد استعان في هذا العرض ببعض من نجوم السيرك القومي كان لهم مغزى الإشارة إلى أن الدنيا أصبحت كالسيرك لكن كانت هناك مبالغة نسبية في كثرة وجودهم على خشبة المسرح خاصة مشهد فتاة النيشان..
وكذلك استعان د. "عادل" ببعض من نجوم فرقة الآلات الشعبية؛ ليعبر عن أحد اللوحات الاستعراضية، فأضفوا على العرض متعة لا بأس بها مطلقاً..
عيوب ومميزات العرض
أشد ما عاب هذا العرض هو كثرة الإيحاءات والإفيهات التي تحمل إشارات ومدلولات جنسية مغزاها واضح من سيطرة أهل القوة على الضعاف..
لكن ما ميز العرض فكان أيضا في الأفيهات الساخرة من الحكومة ومن الفساد وحتى من أمريكا بما في ذلك "بوش"، و"كونداليزا رايس"، بل حمل العرض عبارات ناقدة مباشرة، وليس مجرد إسقاطات سياسية فيما يعد جرأة كبيرة وإعلاناً واضحاً عن انتقال نقد الفساد من السينما والأعمال الدرامية إلى خشبة المسرح أيضا، وهذا مما يحسب لقطاع الفنون الشعبية والاستعراضية ومدير مسرح البالون "خالد جلال"..


