الرئيسية > تنمية ذاتية > برمج عقلك > أنا والآخر .. طريقك إلى الذكاء الاجتماعي (1)

أنا والآخر .. طريقك إلى الذكاء الاجتماعي (1)

أنت والآخرين

لماذا الذكاء الاجتماعي؟
لا تألو جهدا مدارس علم النفس في طرق أبواب جديدة تيسر فهم وتفسير السلوك الإنساني، وتحليل مرتكزاته ودوافعه، وما زلنا كل يوم نتعلم الكثير، ونعرف أكثر عن الطرق التي يمكننا من خلالها معرفة أنفسنا والآخرين؛ مما يضمن للبشر جوا أهدأ وأكثر استقرارا.

وقد يعيب علينا البعض ذلك الاهتمام الكبير الذي أوليناه للعلوم الاجتماعية في الفترة الأخيرة، والاتجاه بشغف نحو ما يرفع من الكفاءة الشخصية للمرء منا؛ ضاربا وجها للمقارنة بين زمنين؛ زمن فات وراح لم يكن به هذا الشغف بعلوم تنمية وتطوير الشخصية، وزمن حالي زاد الالتفاف فيه حول هذه العلوم بدرجة يراها الكثيرون مبالغا فيها.

والمتأمل بتدبر سيرى جليا أننا نعيش في زمن مادي محموم، طغت المادة فيه على كثير من المعاني الإنسانية؛ فصارت ثقافة الصفقات هي الأعلى صوتا والأعمق أثرا.

وصار الإنسان اليوم بحاجة إلى من يأخذ بيده، كي يعيده إلى أصل طبيعته، ويعطيه الأدوات التي تمكّنه من فهم نفسه والمحيط الذي يعيش فيه!.

 صار المرء بحاجة لمن يذكره أن الإنسان للإنسان، والحياة تكامل وتعاون، وأن الأنانية وسحق الآخر في سبيل المكسب الشخصي ليست بالشيء الرشيد.

يحتاج المرء في زمننا هذا أن يقرأ ذاته جيدا، كي يستطيع صنع سلام نفسي بين منظومته الأخلاقية وصورته الذهنية عن نفسه من جهة وبين سلوكه وصورته الظاهرة للناس من جهة آخرين.

ولقد تعددت المدارس التي تحاول فض الاشتباك بين المرء وذاته، وكذلك بينه وبين الآخرين، وخرجت نظريات كثيرة من نوعية ” الذكاء الاجتماعي” والذكاء العاطفي” والأنماط الشخصية” وغيرها، والتي تدور حول فهم الذات والآخرين، وحاولت كل مدرسة التأكيد على أهميتها في زمننا الحالي، وقوة طرحها في مواجهة حالة التنافس الشرس الذي طغى على حال البشر؛ مما حدا بالكاتب الأمريكي ” كارل ألبريخت” للقول في كتابه “الذكاء الاجتماعي”: “إن أمر التواصل مع الآخر لم يعد فنا أو شيئا هامشيا، إنه -إن شئت الدقة- قد يكون المحاولة الأخيرة لمنع انقراض الجنس البشري!”.

ولأنها عادة بشرية أصيلة تعامل البعض مع هذه المفاهيم وكأنها دين جديد، وفيه تفسير لكل شيء، ورأينا من يقول تزوج هذه لأنها تتوافق مع النمط هذا، وابتعد عن تلك لأنها تعارض نمطك، وحاول آخرون تغليب نظرية دانيال جولمان الخاصة بالذكاء العاطفي على كافة مسارات الحياة، وغيرهم تعصبوا لنظرية جاردنر “الذكاءات المتعددة”، وقالوا بأنها الرؤية الكاملة للحياة والمنقذة للطموحات والأحلام.

والاعتدال يكمن في أن نشاهد الأمر بنظارة الواقعية، وأن نتعامل مع تلك النظريات على أنها شيء هام ومفيد لفهم وتفسير العديد من الأمور التي تتوافق مع تطور السلوك الإنساني.

الحنكة أن نطرح الأمر على طاولة البحث والنقاش، ونأخذ ما يتوافق مع رؤانا ومعتقداتنا، دون شطط أو تعصب سواء بالرفض المطلق أو القبول المطلق.

وخلال هذا المقال ـ ومقالات آخرين قادمة بمشيئة الله ـ سنحاول أن نقتحم أسوار أحد أهم المدارس التي تعمل على تطوير السلوك الشخصي، وتنمية قدراته في التعامل مع الآخر، سنتحدث عن مدرسة “الذكاء الاجتماعي”، ونجتهد في وضع أطر ورؤى تُناسب واقعنا؛ مما يجعل من أمر الاستفادة من هذه المدرسة شيئا ممكنا وفعالا.

ما هو الذكاء الاجتماعي؟

هو ببساطة القدرة على التواصل السلس مع الآخرين وكسب تعاطفهم. أو لنقل بشكل أكثر دقة، هو قدرتك على تكوين رؤية اجتماعية صحيحة للموقف، مع مهارة بالغة في التأثير في الآخرين؛ مضافا إليها قراءة واعية لذاتك، وقدرة على التعاطف والتعاضد.

أي أن الشخص الذكي اجتماعيا يجب أن تتوفر فيه عدة عوامل هامة:

1.    تحليل جيد للموقف الاجتماعي:

وقراءة واعية للمشهد؛ فحديثه وسكونه، ومزاجه وجموده، وحركته وسكنته، وجميع سلوكه متوقف على ما يمليه عليه المشهد من خلال قراءة واعية؛ لذا تجده قريبا جدا من القلوب، مشهورا بحسن تقديره وتدبيره، معهود له بالحكمة والاتزان.

2.    التأثير:

حضور نفسي وجسدي كبير، والتأثير يبدأ من المظهر العام وينتهي بالروح المنفتحة والابتسامة الجذابة، والقدرة على الاستماع والتعاطي بصورة إيجابية مع حديث الآخر.

3.    قراءة الذات:

وهي ببساطة قدرتك على صياغة أفكارك وآراءك بشكل واضح وسليم وسلس وفوق هذا مقبول من الآخر، والوضع في الاعتبار؛ الفروق الشخصية التي توجد بين البشر أثناء عرض أفكارك وانطباعاتك.

4.    التعاطف والتعاضد:

ومعنى التعاطف هنا يتجاوز -إلى حد كبير- الشعور بالشفقة، ويتعداه إلى الإحساس الصادق بالآخر، وتقدير دوافعه، ودعمه روحيا.

هذه ببساطة هي العناصر الجوهرية للشخصية ذات الذكاء الاجتماعي، والتي من دونها يفتقد المرء كثيرا جدا من تأثيره، وتقلل إلى حد كبير من تعامله الإيجابي مع الآخرين.

الخبر الجميل هنا أن “الذكاء الاجتماعي” يمكن تنميته وتطويره بالنسبة لأي واحد منا، ولا يمكن لأحد الادعاء بأنه قد خلق هكذا ولا يستطيع تقويم عيوبه الاجتماعية، أو تنمية ذاته وشحذ قدراته.

وأختم حديثي معك بالتأكيد على أننا نستطيع أن نكون أفضل اجتماعيا، ونتواصل بشكل فعال؛ شريطة أن نهتم بتغيير قناعاتنا والانتباه إلى سلوكنا، وتعلم المهارات التي تيسر لنا الاندماج الحضاري المتزن مع الآخرين..

< >