الرئيسية > دين ودنيا > كتاب دخل قلبي > “عبقرية عمر”.. رحلة مع العقاد في صحبة الفاروق

"عبقرية عمر".. رحلة مع العقاد في صحبة الفاروق

ماذا يفعل العقاد مع رجل بحجم عمر بن الخطاب؟

عبقرية عمر..  رحلة مع العقاد في صحبة الفاروق

وتلك قصة تُكْبِر عمر مرة، وتُكْبِر النبي مرات؛ فلا يسمعها السامع فيخطر له أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقبل باطلاً يأباه عمر؛ وإنما هو الإمام يطيق ما لا يطيقه المُريد، ويتّسع صدره لما تضيق به صدور تابعيه، الفارق بين نبي وخليفة، وبين إنسان عظيم ورجل عظيم؛ فالنبي لا يكون رجلاً عظيما وكفى؛ بل إنسان عظيم، أكبر من أن يلقى الضعف البشري لقاء الأنداد، وأعذر من أن يلقاه لقاء القضاة، يصبر عليه كما يصبر الرجل الناضج على هذر الصغار، كما وصفه الله تعالى: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}.

ولأن مساحة المقال أوشكت على النفاذ اكتفى بعرض نظريته عن مفتاح الشخصية، يقول العقاد: إن لكل شخصية إنسانية مفتاحاً يسهّل -أو يصعب- الوصول إليه حسب اختلاف الشخصيات، مثل مفتاح البيت، إذا لم يكن معك صار البيت كالحصن المغلق؛ فإن كان معك تفتّحت لك أبوابه؛ هكذا النفس الإنسانية في أحوالها المختلفة، إذا عرفت مفتاحها نفذت إلى دخائلها، وعرفت أسرارها، وفهمت دوافعها، وكانت “طبيعة الجندي” هي مفتاح الشخصية العمرية بكل أبعادها.

صفاتها الشجاعة، والحزم والخشونة، والغيرة على الشرف، والنجدة والنخوة، والطاعة والنظام، وحب الإنجاز في حدود التبعات.. انظر إلى هذه الخصائص جميعها، هل تحتاج إلى التنقيب عنها في نفس عمر؟ كلها خصائص عمرية، واضحة غاية الوضوح.

انظر إليه وهو يصلي فلا يكبر بالناس حتى يسوي الصفوف، ويرى الناس مجتمعين في المسجد متفرقين؛ فيأمرهم أن يجتمعوا خلف قارئ واحد. انظر إليه كيف يحمل الدرة لينبّه المخالفين في الطريق ويذكّرهم بهيبة القانون.. انظر إليه وهو يرعى المراتب فينزل درجة من سلالم المنبر بعد أبي بكر؛ لأن الخليفة الأول أحق منه بالتقديم.

ذلك هو السمت العسكري بالفطرة التي فُطر عليها، وليس بالأسوة والتعليم.. يأمر بتعلّم الرمي والسباحة والفروسية والمصارعة، وكل رياضة يتدرب عليها الجندي، ويحب ما يحسن للجندي في بدنه وطعامه، ويقول: “إياكم والسمنة؛ فإنها عقلة” (أي قيد وعقال)، ويأمر بالجد؛ لأن “من كثر ضحكه قلّت هيبته”، يمشي شديد الوطء على الأرض، جهوري الصوت كما يمشي الجنود.

وإذا ارتقينا إلى شئون الحكم؛ فهو الذي دوّن الدواوين، وأحصى كل نفس في الدولة الإسلامية أدق إحصاء؛ فما من رجل أو امرأة أو طفل إلا عرف اسمه وحصته من بيت مال المسلمين، وما من مجاهد إلا عرف رتبته من السبق والتقديم.. وحتى قضاؤه -وهو ليس من خصائص الجندية- كان أشبه بالقضاء العسكري في حسمه وسرعته، هتفت امرأة باسم شاب وسيم، وتمنّت أن تشرب الخمر معه؛ فأرسل إليه فوجده أصبح الناس وجهاً؛ فحلق شعره فازداد حسناً؛ فأمره أن يعتم فزادته العمامة غواية؛ فقال: لا يسكن معي رجل تهتف به العوائق في خدورها، وزوّده بمال وأرسله إلى البصرة في تجارة تشغله عن النساء وتشغل النساء عنه.

وكان له في قضائه ذلك الحزم الذي يقطع اللجاجة كلما اشتجر الخلاف، كتب إليه أبو عبيدة أن جماعة من دمشق شربوا الخمر وقالوا: “إنا خُيّرنا فاخترنا، قال: هل أنتم منتهون؟ ولم يزد، وكانوا يزعمون أن الله تعالى ترك لهم حرية الاختيار في شرب الخمر أو تحريمه، لم يكن الخليفة مستعداً للجدال العقيم؛ فطلب منه أن يدعوهم على رؤوس الأشهاد ويسألهم سؤالاً لا يزيد ولا ينقص: أحلال الخمر أم حرام؟ فإن قالوا حرام فليجلدهم، وإن قالوا حلال فليضرب أعناقهم؛ فقالوا: بل حرام؛ فجلدوا ثم تابوا.

هكذا القضاء العمري في حسمه وحزمه ودلالته على الطبيعة العسكرية.

وحتى فكاهاته كانت لها طابع الجندية: منها مزحته المرعبة التي أطار بها لب الحطيئة ليكفّ عن هجاء المسلمين؛ فدعا بمثقاب وشفرة، يوهمه أنه سيقطع لسانه؛ فضجّ الحطيئة وتشفّع الحاضرون فيه، ولم يطلقه إلا بعد أن اشترى أعراض المسلمين منه بثلاثة آلاف درهم، وأخذ عليه عهداً لا يهجوَنَّ أحداً بعدها؛ فما هجا أحداً وعمر على قيد الحياة.

فطبيعة الجندي في “الفاروق” تامة متكاملة بأصولها وفروعها، هي أقرب مفتاح لتلك الشخصية العظيمة، يعيش في دنياه عيشة المجاهد؛ فيؤثر الزهد وعيشة الكفاف، وفي دينه كان بين يدي الله كوقفة الجندي الذي سيؤدي الحساب؛ ذلك هو الجندي في طبيعته المثلى، الفاروق الذي لهجت بعدله الأجيال.

*********************

للتبحر في مزيد من جواهر التراث الإسلامي

اضغط هنا “كتاب دخل قلبي”

*********************