الرئيسية > سياسة > مقالات رأي > فوزية البرجوازية!

فوزية البرجوازية!

الصورة جميلة للغاية لكننا نأبى أن تستمر على جمالها

الحال الآن يذكّرني بشدة بالمشهد الأخير من فيلم “فوزية البرجوازية” حيث انتقلت المصطلحات إلى العامة مع عدم فهمهم لها، وتجد التاجر يسبّ عدوه بأنه شيوعي متعفّن.. والمثقف يسبّ صاحب البيت بأنه برجوازي انتهازي.. وهكذا ينطلق الجميع في العراك بهذه المصطلحات دون أن تصل إلى أي نتيجة في نهاية الفيلم!

فالمثقّف ازداد غربة على غربته، ورجال الحارة لم يأخذوا عنه سوى بعض الكلمات الجوفاء في معناها بالنسبة لهم، لكنها لها رنين محبب!

أجد سائق التاكسي وحارس العقار والكل يتعارك مع بعضه بنفس طريقة الفيلم..
- “أنت ليبرالي متحرر فاسق”!
- “بل أنت رجعي متطرف راديكالي”!

النهاية تصل دوماً في الخلاف بين الأفكار والتوجّهات إلى تخوين الطرفين لكن بمصطلحات “شيك”!

أثناء وقوفي بلجنة الانتخابات في المرة الأولى قبل الإعادة رأيت تزاحما غير طبيعي من المرشحين على الناخبين، وكأنهم فريسة من يغنم بالأكثر منها يفز بالنصيب الأكبر من الكعكة.. أكثر التجاوزات بطبيعة الحال كانت للإخوان والتيار السلفي الذين -مع الأسف- يتعاملون مع الأمر وكأنهم يخوضون “غزوة”..  للحظات انفصلت عن الحدث وفي كون الدعاية داخل اللجان تجاوز.. لكني ظللت أتأمل وجوه من يقومون بهذه الدعوة.. فتاة شابة تقدّمت مني للدعوة لحزب الحرية والعدالة، وتمد يدها لي بأسماء المرشحين وتخبرني بالرمز الذي أختاره.. أشحت لها بيدي رافضة؛ فإذ بالدهشة تظهر بادية على وجهها؛ دهشة حقيقية بالفعل من تصرفي الذي رأته غير مفهوم على الإطلاق.. ثم انتقلت لزميلتها متسائلة: “دي ما لها دي”؟!!

وكأن كوني أرتدي الحجاب بالضرورة يعني أنني سأقوم بانتخاب التيار الديني وإلا فالأمر مثير للدهشة والريبة! فلماذا أرتدي الحجاب إذن إذا كنت سأنتخب التيار “المعادي” الليبرالي الكافر العلماني!

حادثة أخرى لرجل هذه المرة في اللجنة المجاورة للمدرسة التي أنتخب بها حيث الرجال ينتخبون؛ يتقدم بخفة من كل الواقفين في الطابور، ويميل عليهم ليهمس في آذانهم باسم المرشحين ورموزهم.. رغماً عني ابتسمت لطريقته؛ فالهمس والميل على الآذان يشعرك بأن الأمر سري وخطير، وطريقته في التلفت كي لا يراه أحد من مندوبي المراقبة على الانتخابات يشعرك بالأسى بالفعل.. إذا كنت متأكدا أن ما تفعله خطأ فلماذا تقوم به؟!

أكثر ما يؤلم المرء بالفعل هو الاستقطاب والتصنيف الذي حدث في البلد؛ أنت تشجّع التيار الديني إذن أنت متطرف.. أنت تشجع التيار الليبرالي إذن أنت علماني زنديق تريد الهلس للبلاد!

لا يوجد وسط هنا، ولا يوجد لون رمادي.. إما معنا أو ضدنا.. فالأمر بالفعل صار معركة، وصار أبعد ما يكون عن السياسة بحال.

يحكي أحد الزملاء أنه في خطبة الجمعة الماضية بمسجد مجاور له أعلن الشيخ أن تفرّق المسلمين بين التيارات الدينية سلفي وإخوان أدى إلى الفرقة وتشتيت الأصوات، ومن ثم انتصار بعض العلمانيين والليبراليين والنصارى!! الكل في سلة واحدة!

فهذا الكلام حين يصدر من رجل دين فما الذي تتوقعه من البسطاء الذين يستمعون له ولا يستقون أي معلومات دينية أو دنيوية إلا منه ومن خطبة الجمعة؟ ما الذي تتوقعه حين يخرج ويقابل شخصاً آخر يختلف أيديولوجياً وفكرياً عنه، ولا يؤيد تدخل الدين في السياسة؟ بل فما بالك حين يرى مسيحياً، فماذا سيكون رد فعله؟

استخدام أساليب أقلّ ما توصف به أنها افتقار للنزاهة.. فحين تجد أحد المرشحين يدعو لنفسه بأن يذم من أمامه في الإعادة.. وبأن الآخر مرشح الكنيسة ومدعوم منها، وأنه هو يريد تطبيق الشريعة الإسلامية لذا تحاربه الكنيسة بدعم هذا المرشح المنافس.. لا تمتلك سوى أن تصاب بالاشمئزاز.. وهو نوع من الضعف؛ فحين تلجأ لأسلوب مخالف هذا لأنك لا تجد في نفسك القوة للنجاح إلا بتلك الطرقة الملتوية من الضرب على مشاعر البسطاء و”استعمالهم”.. على الجانب الآخر تجد المسيحيين يحشدون قواهم لتكوين حائط صد.. وهكذا سلسلة طويلة من استخدام الدين في السياسة لا تؤدي إلا لمزيد من مأساوية الصورة، ومزيد من الاتهامات المتبادلة.

المزيد من العداء والاستعداء نشنّه على بعضنا بهذه الطريقة الفجّة في الدعاية وفي استخدام الدين لأغراض هو بعيد عنها؛ لماذا نجعل الأمر طائفيا؟؟ لأنها الطريقة الأنجح في كسب المعركة وفرض الخصومة.. ولأنها الطريقة الأكثر فعالية في إثارة النفوس ودغدغة المشاعر.. فحين تستفزّ المشاعر الدينية لشخص ما وتشعره بأن الأمر معركة دينية بين ما يؤمن به وبين الآخر المختلف الذي يريد الشر لدينه ويريد هدمه.. توقّع أنه سيكون أسداً ضرغاما يقوم ليدمر هذا الآخر.

تحوّل الأمر من انتخابات إلى معركة مباح فيها جميع الأسلحة، مما أضاع جمال المشهد الديمقراطي الزاهي الذي أطل علينا ليفاجئنا جميعاً في قدرة هذا الشعب.. الذي مع الأسف يريد الكثيرون اختزاله في مجرد طائفية تقوده، وليس منطقا أو اعتقادا فكريا.

الصورة جميلة للغاية.. لكننا نأبى أن تستمر على جمالها.. نحن في مرحلة جديدة تماماً على هذا البلد.. لحظات لم تمر بنا منذ أكثر من 50 عاماً، فلا نترك الصورة لمن يريد العبث بها وتلطيخها بالشاذ من الألوان.

 

< >