الرئيسية > سياسة > مقالات رأي > بالصور: اتمشى معانا في شوارع واشنطن دي سي

بالصور: اتمشى معانا في شوارع واشنطن دي سي

الكونجرس أهم معالم العاصمة.. واشنطن "دي. سي"

وصلنا واشنطن.. بعد رحلة طويلة.. رأيت لافتات ترحيب بمختلف اللغات.. وصوراً لمختلف الشعوب، وكان من ضمنها صورة سيدة محجبة.. حسناً بداية مشجعة.. توجهت في دوري لضابط الجوازات للمرور..كان أمريكياً إفريقياً.. بسيطاً لطيفاً.. مثّل لي مشهد البداية في الفيلم الأجنبي الذي وجدت نفسي بداخله فجأة.. أخذ يمزح معي.. وسألني عن سبب الزيارة، والمدة التي سأقضيها في أمريكا، وعما إذا كنت أنوي “الهروب”.. قلت له: “لا تقلق فأنا أفتقد وطني بالفعل”!.

 

استكملنا الإجراءات وكانت أذني قد التقطت من هنا وهناك جملاً من زملائي من قبيل: “لسه بقى التفتيش.. شنطنا هتتعجن!”، بالإضافة إلى قصص كنت قد سمعتها من قبل.. لم نفتش.. وكان المرور من المطار أسهل من مرور السكين في الزبد كما يقولون.. “طب ما الحياة لطيفة أهو وزي الفل.. أمال الناس مخوّفانا ليه؟!”.. عرفت فيما بعد أن أحد الزملاء فقط قد تم تفتيشه وحقائبه.. وعرفت أيضاً أنه كان قد ضحك عليّ وزميلي الآخر عند تفتيشنا في مطار باريس.. كما تدين تدان!

 

استقبلنا في المطار المنظمون الأمريكيون.. وكانوا لطفاء.. اصطحبونا للفندق، وكانت الدنيا قد أظلمت، فلم نرَ شيئاً سوى الأمطار.. “عادي يعني.. مش حاسة إني في أمريكا ولا حاجة”.. أصِلُ للفندق منهكة القوى بعد هذه الرحلة الطويلة، وأُطَمْئن والدتي وأغلق هاتفي المحمول وأروح في سبات عميق.

 

أستيقظ بعد حوالي 12 ساعة بصداع متوقع يجعل العشرة دولارات التي دفعتها للفندق مقابل إبريق القهوة المنقذ أمراً هيناً.. كنت “غشيمة” ما زلت! فقد عرفت فيما بعد أن بإمكاني أن أطلب من الفندق ماكينة صنع القهوة بالإضافة للقهوة واللبن مجاناً.. ولكني كنت مستعدة وقتها لدفع 100 دولار؛ للتخلص من ذلك الصداع..

 

حسناً.. إنه اليوم الأول لي في اكتشاف الجانب الآخر من العالم..

 

قابلنا المنظمون لأخذنا في جولة لمعالم العاصمة.. واشنطن “دي. سي”.. والحرفان اختصار لكلمتي “District of Clombia” أو مقاطعة كولومبيا.. وذلك تمييزاً عن ولاية “واشنطن” في الشمال الغربي.. كانت أهم المعالم هي الكونجرس والبيت الأبيض.. الكونجرس في منطقة جميلة.. مليئة بالخضرة والبحيرات.. ومن أمامه يمكنك أن ترى على مد البصر النصب التذكاري لواشنطن.. وهو بناء ضخم على شكل مسلة مصرية.. ظللت لفترة طويلة أعتقد بأن هذه هي مسلتنا التي “استولى عليها الأمريكان”.. شعرت بالفخر وأنا أرى “المسلة المصرية” تحتلُّ مكاناً هاماً في قلب واشنطن، ويمكن رؤيتها من أماكن كثيرة، ومن على بعد مسافات طويلة، وبخلفيات متعددة قد تكون الخضرة أو المياه الزرقاء حسب الزاوية التي تنظر منها.. وشعرت بالاختناق وأنا أرى الأعلام الأمريكية تطوّق “مسلتنا” تماماً، كما تطوقنا أمريكا من جميع الاتجاهات..

 

اكتشفت فيما بعد جهلي الكبير؛ فالمسلة التي أقصدها ترقد في قلب باريس وليس قلب واشنطن.. اكتشفت أيضاً أني لم أكن الوحيدة التي لديها هذا الاعتقاد.. فالكثيرون قد اختلط الأمر عليهم مثلي تماماً!

 

أثناء التجول في منطقة الكونجرس وما حولها من متاحف أعطاني بعض الأطفال أوراقاً صغيرة مطبوعة، وجدت أنها رسائل تبشيرية مسيحية، فأعطيتها لماري زميلتي المصرية المسيحية.

 

وحين ذهبنا إلى البيت الأبيض كان أكثر ما لفت انتباهي هو وجوده في منطقة مفتوحة للجميع.. ليست منعزلة أو مطوّقة.. فقط البيت يحيط به سور أسود مفرّغ.. وقفت وزملائي أمامه والتقطنا بعض الصور.. المثير للدهشة أيضاً هو وجود خيمة صغيرة على الرصيف المقابل على بعد خطوات قليلة من سور البيت يقيم بها أحد المعارضين، ويملؤها وما حولها بلافتات مناهضة للحرب، وبعض السياسات الداخلية والخارجية.. تتحايل “نظرية المؤامرة”، وتقفز لتحتل ذهني.. “أيوه بقى.. سايبين الرجل المعارض قدام البيت الأبيض عشان يوّروا الناس إنهم ديمقراطيين.. يوووه.. بس عيب بقى.. بلاش ناخد كل حاجة بسوء نيّة.. اتفرجي وإنت ساكتة”.. اقتربت وزملائي من الرجل.. كان راسماً على وجهه بعض النقوش والشعارات.. تحدثنا معه، وعرفنا أنه يقيم هنا من فترة، وناقشنا معه بعض الأمور، وحين أخذ زميل صورة معه، وكان هذا الزميل رافعاً إصبعيه بعلامة النصر، واقترح على الرجل فعل هذا أيضاً قال الرجل: “العمل من أجل السلام يتطلب ما هو أكثر من رفع الأصابع”!!

 

استمتعت وزملائي بالجولة الأولى لنا في العاصمة واشنطن، وتنبهنا فجأة إلى أننا جميعاً لم نأكل شيئاً منذ وجبة الطائرة في اليوم السابق.. لا أدري لماذا، ولكننا جميعنا تقريباً دون استثناء كنا قد وقعنا في نفس الخطأ.. كنا نتضور جوعاً وإرهاقاً، ونحن نحاول الاتفاق على مكان لنأكل فيه، وخاصةً أننا ما زلنا في طور الاستكشاف.. حين بدأنا في البحث كنا بضعة أفراد.. ومن مطعم إلى مطعم بقيت مع زميلتي رانيا وحدنا حيث كنا نصر على العثور على مطعم يقدم طعاماً مذبوحاً وفقاً للشريعة الإسلامية “حلال” مما جعل مشكلتنا أكبر بكثير.. كنا نعرف أنه أمل ضعيف أو ربما حلم، ولكننا كنا على الاستعداد للاستعاضة عن ذلك بطعام نباتي أو أسماك..

 

مُنهكتَي القوى.. وبمعدة تصرخ طلباً لحقها الشرعي في الطعام، دخلنا في النهاية مطعماً صغيراً بجوار الفندق، وسألنا الشاب الذي استقبلنا بالإنجليزية بلا أمل وعلى سبيل أداء الواجب: “عندكم أكل حلال؟”.. أجاب ببساطة: “أيوه”.. لم أصدق وسألته ثانية باستغراب: “حلال”؟ أكد “أيوه”، وأشار إلى لافتة صغيرة كُتب عليها باللغة العربية وبوضوح “حلال”.. كدت ورانيا نقفز فرحاً، وقال الشاب شيئاً ما بالعربية فقلت له بحماسة شديدة: “إنت عربي؟”، بدأ في التحدث باللغة العربية لأقاطعه بحماس منقطع النظير ذكرني بشكل كبير برد فعل “عوكل” حين وجد “قهوة المصريين” في تركيا، وأخذ يصرخ بشكل مسرحي: “قهوة المصريين.. قهوة المصريين!!!!”، أما أنا فقد صرخت فيه: “يا عم كلمنا عربي يا عم.. كلمناااا عربي.. وكمان عندك أكل حلال.. ده إحنا بقالنا ساعتين هنموت م الجوع ودايخين”!!!

 

اتضح أن أصحاب المطعم والقائمين عليه سوريون.. عائلة لطيفة مكوّنة من رجل وأولاده يعملون جميعاً فيه.. أصبحوا فيما بعد أصدقاءنا.. وإن كنا قد استغربنا تقديم المطعم لبعض الكحوليات، إلا أننا استمتعنا عندهم كثيراً بوجبات عربية لم نكن نحلم بأن نجدها في الولايات المتحدة وصلت إلى حد “ورق العنب”.. حسناً حسناً يبدو أننا سنتمكن من البقاء على قيد الحياة بلا معاناة كبيرة فيكي يا “دي. سي.”!!!

 

أحببت وزملائي واشنطن.. لم أشعر فيها بغربة شديدة وعدم أمان كما توقعت، وهو أمر كان مثيراً لدهشتي واستعجابي.. ودعم هذا الشعور وجودي مع الرفاق المصريين.. فكان الأمر أفضل كثيراً مما توقعت قبل السفر.. ولكن أكثر ما يؤرقني أمران.. أبسطهما هو أني لعدة أيام لم أستطِع العثور على صابون للغسيل.. اشتريت شيئاً ما ثم اكتشفت لاحقاً أنه للحفاظ على نعومة الملابس وليس لتنظيفها!

 

أما أعظمهما فهو عدم وجود مياه في دورات المياه، وهو أمر شائع في الغرب ومثير للاستياء والتعجب أيضاً.. الأمر الذي عبّر عنه المستشار الدكتور/ عاصم عجيلة في كتابه “الذاتية الإسلامية في مواجهة التغريب”، والذي أقتبس منه بعض الجمل مثل: “فالفتى الغربي لامع الشعر والنعل، مظهره متألق ومتأنق، ولكن هل يعرف الاستنجاء أو الطهارة أو الاغتسال؟”، ثم يستنكر الكاتب كون الغربيين لا يعرفون الطهارة مع ما فيها من “فوائد جمة طيبة، وإفلات من الميكروبات والفيروسات”.. ويستطرد “يُحسد المسلمون على نعمة الوضوء، وإن كانوا عنها غافلين، وكم كانت معاناتنا في دورات المياه حين كنا في دراسة في أوروبا؛ بسبب غياب المياه من دورات المياه”.

 

 

المؤسف أن هذا الأمر ليس مقتصراً فقط على الغرب، بل إني واجهته أيضاً في بعض الدول العربية، بل وللأسف الشديد بدأ ينتشر في مصر في كثير من الفنادق ذات النجوم الخمس، وهو شيء مثير للغضب، ففي أي بلد من الطبيعي أن يتم تطبيق النظام المتوافق مع عادات أهلها وليس السائحين أو الزوار.

 

شوارع واشنطن نظيفة ومنظمة.. إشارات مرور للسيارات وللمشاة.. نادراً جداً ما تسمع آلات تنبيه السيارات.. حتى أني ضحكت على نفسي حين التفت فزعة لسماعي آلة تنبيه وكأني لا أعيش في مدينة هذا هو الطبيعي فيها.. المترو ليس مبهراً.. رغم تعدد الخطوط وتشعب الاتجاهات.. لكن مستواه عادي جداً.. كئيب بعض الشيء خاصةً إذا ركبته وحدي..

 

ممتلئة بالورود والخضرة بشكل مبهج ومريح للأعصاب.. وإن كانت لا تخلو من وجود مرضى نفسيين وأناس بلا مأوى تجدهم في المساء ينامون على الأرصفة وفي المداخل.. المباني قصيرة.. المارة يبتسمون في وجهي بدون سبب!! ربما على سبيل الترحيب..

 

طقس واشنطن متقلب جداً بشكل مثير للعجب؛ فقد يتغيّر من خمس دقائق إلى أخرى من شمس مشرقة إلى غيوم ورياح وربما إلى أمطار! وحين تسقط الأمطار فقد تهطل فجأة بغزارة وقد تستمر الإمطار طوال اليوم.. والحياة لا تتوقف.. فالمنظمون لا يتورعون عن اصطحابنا إلى ضالتنا سيراً على الأقدام تحت هذا “الدُش”.. “بصراحة الناس عملوا اللي عليهم، ونبّهونا أن يكون معانا شمسية!”.

 

ذهبت في يوم آخر لتناول الغداء مع ماري زميلتي المصرية المسيحية، و”مادلين” الأمريكية إحدى منظمات البرنامج.. ورغم أني لم أحب الجمبري الذي تناولته في المطعم المكسيكي.. فإن احترامهم لعاداتي الغذائية الإسلامية وحرصهم على الذهاب إلى مطعم يناسبني أسعدني كثيراً.. وخاصةً أنني حين رجعت للفندق وفتحت بريدي الإلكتروني بعدها بساعة أو أقل وجدت رسالة من “مادلين”.. رسالة بالإضافة إلى أنها جعلت حياتي أظرف كثيراً فقد أثرت فيَّ على مستوى التعاملات الإنسانية.. فقد كانت قائمة بكل المطاعم التي تقدم طعاماً حلالاً في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية!! “أيوه كده!”.

 


[nggallery id=377]