

"لكل جَمال على ظهر الأرض، هناك عين في مكان ما تراه وتقدره، ولكل حقيقة صادقة هناك أذن في مكان ما على استعداد لسماعها، ولكل حب هناك قلب في مكان ما يسعده احتضانه."!!
وكان عالم الرياضيات الروسي "إيفان بانين" على حق تماما في مقولته تلك!!
العين.. ذلك العضو بالغ التعقيد شديد الحساسية، يختلف تماما عن جميع الأعضاء الأخرى التي حبانا بها الله، فالرؤية هي أكثر الطرق انتشارا التي يتبعها جميع مخلوقات البحار، والحيوانات البرية، والطيور، وكذلك الإنسان، لجمع المعلومات عن البيئة المحيطة بهم.
بل إن النظام البصري المدعم بكل تلك المخلوقات يعد من أعقد وأدق الأعضاء التي نعرفها على الإطلاق!!
ولكن السؤال هنا، لماذا العين تحديدا الوسيلة الأكثر انتشارا بين المخلوقات لاستيعاب الأشياء من حولها؟ ومتى وكيف تطورت إلى أن أصبحت من أكثر الأعضاء تعقيدا في الطبيعة؟!!
يؤمن المؤيدون لمدرسة الخلق Creationists أنه من المستحيل تفسير ظهور "العيون" بنظرية "التطور" Theory Of Evolution وحدها، بل إن "تشارلز داروين" نفسه مؤلف كتاب "أصل الأنواع" أقر بأنه من العسير تفسير "العيون" بنظرية التطور لأنها أعضاء بالغة الكمال والتعقيد!!
وطبقا لنظرية التطور في تفسيرها لظهور العيون، أن العين تطورت بسبب الصفات الثلاث اللازمة لكل كائن حي من أجل البقاء وهي المعروفة باسم "الصفات الثلاث الكبرى" وهي: تجنب الكائنات المفترسة،
والبحث عن الطعام، وأخيرا البحث عن شريك للتزاوج؛ فالأفراد التي نجحت في الهروب من الكائنات المفترسة ووجدت لنفسها طعاما ثم نجحت في التزاوج، هي أكثر الأفراد قدرة على البقاء، وبالتالي يورثون تلك الصفات التي ساعدتهم على البقاء إلى ذريتهم، ومن ثم تستمر الحياة وتتطور من جيل لآخر!!
كما أن أكثر العناصر التي من غيرها لا تكتمل الحياة على الأرض، هو الضوء.. فالضوء وما يمثله من دورة الليل والنهار يعد من أهم العوامل لجمع المعلومات عن البيئة المحيطة بالنسبة للكائنات الحية، لذلك لكي تنجح الكائنات في تحقيق "الصفات الثلاث الكبرى" اللازمة للعيش طبقا لنظرية النشوء والارتقاء والتطور لـ"داروين"، يجب عليها اختراق عالم الضوء، عبر استخدام أعينها!!
ظهور العين لأول مرة على كوكبنا!!

أحد أكثر الأمور جدلا التي حيرت العلماء هي ظهور العين المفاجئ على الأرض؛ فقبل حقبة العصر الكمبري، تحديدا منذ 542 إلى 530 مليون عام مضت، لم يكن هناك أي مخلوق له عيون على الإطلاق، وإنما خلايا حساسة مستقبلة للضوء يمكنها استشعار الضوء ولكن لا يمكنها تحديد اتجاهه. عندئذ ظهرت حقبة جديدة في تاريخ الكائنات...
حقبة ظهور أول حيوان بعيون على كوكب الأرض..
حيوان "التريلوبيت" البحري!!
حيوان "التريلوبيت" Trilobite هو حيوان بحري من ذوات الأرجل المفصلية، يعد الجد الأول للعناكب التي نراها الآن، كان يتغذى على العوالق بقاع البحر، كما أن العلماء "قتلوه بحثا" من خلال سجلات الحفريات التي وجدوها عنه. حبا الله ذلك المخلوق البحري بعدسات بصرية تشبه كثيرا عمل الكاميرات، تقوم بتجميع الضوء وتركيزه، تسمى بالعين المُركبة، كما أفصحت هياكل الحفريات التي وجدت لذلك الحيوان عن ثقوب دقيقة توضح مكان العدسات.
ومازالت العين المُركبة توجد ببعض الحشرات في وقتنا هذا، مثل "الذبابة الحوامة" Hoverfly؛ فكل جانب من جوانب العين المُركبة للـ"ذبابة الحوامة" عبارة عن جهاز مخروطي الشكل لالتقاط الصور مع عدسة تقوم بتركيز الضوء إلى مجموعة من الخلايا الحساسة المستقبلة له. وعلى الرغم من أن العين المُركبة لا تكفل صورة واضحة مقربة للأشياء، وإنما تجعلها قادرة على تحديد الحركة السريعة للأشياء وكذلك اتجاه شروق الشمس عبر تحديد اتجاه الضوء الصادر عنها.
شهدت الحقبة التي عاصرت ظهور أول عين مركبة بصورتها البدائية بحيوان الـ"تريلوبيت"، العديد من الأحداث والتطورات التي غيرت خريطة الحياة على الأرض..
ودون رجعة!!
عُرفت تلك الحقبة باسم "انفجار الكمبري"، لأنه خلال فترة زمنية قصيرة للغاية من الزمن الجيولوجي -ما بين 10 إلى 15 مليون عاما- ظهر عدد مهول من أشكال الحياة المتنوعة أكثر تعقدا عن التي سبقتها، ومع هذا "الانفجار" الحياتي ظهرت للمرة الأولى "الجلود الصلبة" و"الدروع" و"العمود الفقري" وغيرها من الأعضاء الصلبة لأجساد الكائنات بهدف حمايتها.
خلال العصر الكمبري تطورت العين بصورة سريعة للغاية؛ فهذه الخلايا الحساسة المستقبلة للضوء استحالت إلى أشكال متقدمة أكثر تعقدا، لقد تحولت إلى نظام بصري كامل قادر على تحديد الضوء والتقاط صور الأشياء، تشبه كثيرا عمل الكاميرات؛ حيث توجد عدسات قادرة على التقاط صور على طبقة شديدة الحساسية للصور تقبع خلف العين، تقوم تلك الطبقة بتحويل الضوء إلى إشارات كهربائية يمكن ترجمتها عبر الجهاز العصبي!! ويمكن لتلك العيون البدائية تحديد الحركة والاتجاه..
وعندئذ ظهرت الحيوانات آكلة اللحوم والكائنات المفترسة على مسرح الحياة!!
العيون.. وسيلة فعالة لاقتناص الفريسة!!
تغيرت خريطة الحياة على كوكب الأرض بعدما تطورت عيون الكائنات المفترسة خلال العصر الكمبري؛ حيث ساعدت "الرؤية" على تحديد الحيوانات الضعيفة من حولها التي بلا حماية، ومن ثم اقتناصها بسهولة، الأمر الذي جعل الطبيعة تطور لتلك الكائنات الضعيفة وسائل حماية تمثلت في أعضاء الجسد الصلبة مثل "الدروع" و"العمود الفقري" و"الجلود الصلبة" وغيرها.
الإجوانا.. والزووم إن!!

أما في زمننا الحالي، فقد تطورت "العيون" بدرجة كبيرة عما كانت عليه من قبل، وأصبحت وسيلة قنص لا غنى عنها للحيوانات المفترسة؛ فالحرباء الأمريكية الاستوائية التي تعرف باسم "الإجوانا" Iguana حباها الله بعيون على كل جانب من جوانب رأسها، مما يعطيها مجالاً واسعاً للرؤية، ولكن جاء على حساب استخدام العينين كليهما في الوقت نفسه. يأتي البشر على النقيض تماما؛ حيث تقع العينان في مقدمة الرأس مما يعوق مجال رؤيتنا، ولكن يعطينا رؤية واضحة باستخدام العينين معا، الأمر الذي يساعدنا على التحديد الدقيق للمسافة.
كما يمكن لعيون الـ"إجوانا" أن تقوم تلقائيا بتقريب شديد "زووم إن" لصورة الفريسة عند الحاجة، فيما يسمى بالرؤية المزدوجة.
أما عن الجهاز البصري لباقي الحيوانات المفترسة، فهو جد عجيب و..
ولهذا حديث آخر..
يتبع

