الرئيسية > ثقافة > ثقافة وأدب > هذا عتاب الحب للأحباب.. قصيدة جديدة للشاعر فاروق جويدة

هذا عتاب الحب للأحباب.. قصيدة جديدة للشاعر فاروق جويدة

هذا عتاب الحب للأحباب.. قصيدة جديدة للشاعر فاروق جويدة

“تساءلوا: كيف تقول:

هذي بلاد لم تعد كبلادي؟!

فأجبت:

هذا عتاب الحب للأحباب”

لا تغْضَبـِي من ثـَوْرَتِي.. وعتــابـــي

مازالَ حُّبــــكِ محنتي وعــــــــذابي

مازالتِ في العين الحزينــــةِ قبلـــــة

للعاشقين بسحْـــركِ الخَـــــــــــلاَّبِ

أحببتُ فيكِ العمرَ طفــــلا باسمــــًا

جاءَ الحيــاة بأطهـر الأثـــــــــوابِ

أحببتُ فيكِ الليلَ حيــــن يضمنـــــــا

دفءُ القلــوبِ.. ورفـْقــَة الأصحابِ

 

أحببتُ فيـكِ الأم تـسْكـــن طفلهَــــــا

مهما نأى.. تلقــاهُ بالتــَّـــرْحَـــــابِ

أحببتُ فيكِ الشمسَ تغسلُ شَعْــــرها

عنـدَ الغروبِ بدمعها المُنـْسَــــــابِ

أحببتُ فيكِ النيلَ يجــري صَاخبــــًا

فـَيَهيمُ رَوْضٌ..في عنــــَـاق رَوَابِ

أحببتُ فيكِ شموخَ نهــر جامـــــــح

كم كان يُسكرنـي بــغيـر شَــــرَابِ

أحببتُ فيكِ النيلَ يسْجُــد خاشعِــــــا

لله ربــــًّــــا دون أي حســــــــابِ

أحببتُ فيكِ صلاة شعــبٍ مُؤْمــــن

رسمَ الوجـودَ على هُدَى مِحْـــرَابِ

 

أحببتُ فيكِ زمانَ مجـــدٍ غَابـــــــــر

ضيَّـعتــِـهِ سفهـــــًا على الأذنـــَـابِ

أحببتُ فِي الشرفـــاء عهدًا باقيــــــًا

وكرهـتُ كلَّ مُقـــــامر كـــــــذابِ

إني أحبــــكِ رغــــــم أَني عاشــــقٌ

سَئِم الطوافَ.. وضـاق بالأعْـتـابِ

كم طاف قلبي في رحابـــِـكِ خاشعًا

لم تعرفي الأنـْقـى.. من النـصـــَّابِ

أسرفتُ في حبــــي.. وأنت بخيلـــــة

ضيعتِ عمري.. واسْتـَبَحْتِ شَبَابي

شاخت على عينيكِ أحلامُ الصبـــــا

وتناثرت دمعـــا على الأهــــــــدابِ

 

 

من كان أولـَى بالوفاء؟!.. عصابة

نهبتكِ بالتدليـــــس.. والإرهـــــابِ؟

أم قلبُ طفـل ذاب فيــــك صبابـــــة

ورميتهِ لحمًـــا على الأبــــــــوابِ؟!

عمر من الأحزان يمـرح بيننــــــــا..

شبحُ يطوف بوجهـــهِ المُرْتــــــــَابِ

لا النيلُ نيلـُكِ.. لا الضفافُ ضفافهُ

حتى نخيلـُك تاهَ في الأعشـــــــابِ!

باعُوكِ في صخبِ المزادِ.. ولم أجد

في صدركِ المهجور غيرَ عـــذابي

قد روَّضُوا النهرَ المكابـِرَ فانحنــــــَى

للغاصبيـــــــن.. وَلاذ بالأغْــــرَابِ

 

كم جئتُ يحملني حَنِينٌ جــــــــــارفٌ

فأراكِ.. والجلادُ خلـفَ البَــــــــابِ

تـَتـَرَاقـَصين علـَى الموائـــــد فرحة

ودَمِي المراقُ يسيل في الأنخــــابِ

وأراكِ في صخب المزاد وليمــــــة

يلهو بها الأفـَّاقُ.. والمُتصـــــــابي

قد كنتُ أولى بالحنان.. ولم أجـــــدْ

في ليلِ صدرك غيرَ ضـوءٍ خــابِ

في قِمة الهَرَم الحزين عصابـــــة

ما بين سيفٍ عاجز.. ومُـــــــرَابِ

يتعَبَّدُون لكــــل نجــــــــم سَاطِــــع

فإذا هَوَى صاحُوا: “نذيرَ خَرَابِ”

 

هرمُ بلون الموت.. نيلٌ ساكــــــنٌ

أسْدٌ محنطـــــــــــة بلا أنـْيَــــــــابِ

سافرتُ عنكِ وفي الجوانح وحشــــة

فالحزنُ كأسِي.. والحَنِينُ شَــرَابي

صوتُ البلابـِل غابَ عن أوكــــــاره

لم تعبئي بتشــــــردي.. وغيــــابي

كلُّ الرفاق رأيتـُهـــم في غربتــــــي

أطلالَ حُلم.. في تـِلال تـــــُرَابِ

قد هاجروا حُزْنـًا.. وماتوا لوعـــــة

بين الحنين.. وفـُرقةِ الأصحــابِ

بيني وبينك ألفُ ميــــــل.. بينمـــــــا

أحضانـُك الخضراءُ للأغْــــرَابِ!

 

تبنين للسفهــــــــاء عشـًّـــــا هادئـــــا

وأنا أموتُ على صقيع شبابــــي!

في عتمةِ الليل الطويـــل يشــــــدني

قلبي إليكِ.. أحِنُّ رغم عــــــذابي

أهفو إليك.. وفي عُيُونِكِ أحتمـــــــي

من سجن طاغيةٍ وقصفِ رقــابِ

هل كان عدلا أن حبَّـكِ قاتـــلـــــــي

كيف استبحتِ القتلَ للأحبــــــابِ؟!

ما بين جلادٍ.. وذئـــب حاقــــــدٍ

وعصابةٍ نهبتْ بغير حســــــــابِ

وقوافلٍ للبُؤس ترتـــــــــعُ حولنــــــا

وأنين طفلٍ غاص في أعصــابي

 

وحكايةٍ عن قلبِ شيــخ عاجــــــــــٍز

قد مات مصلوبًا على المحـــــرابِ

قد كان يصرخ: “لي إلـــــهٌ واحــدٌ

هو خالق الدنيـا.. وأعلـــمُ ما بي”

يا ربِّ سطـَّرْت الخلائـــقَ كلهَّـــــــا

وبكل سطـر أمــــــة بكتــــــــابِ

الجالسونَ على العروش توحَّشُــوا

ولكل طاغيـةٍ قطيــــــــعُ ذئـــــابِ

قــد قلـــــــتُ: إن الله ربٌّ واحـــــدٌ

صاحوا: “ونحن؟!” كفرتَ بالأرْبَابِ

قد مزَّقوا جسدي.. وداسُوا أعظـُمي

ورأيتُ أشلائي على الأبــــــــوابِ

 

 

ما عدتُ أعرفُ أيْنَ تهدأ رحلـتـــي

وبأي أرض تستريـــح ركـــــَابي

غابت وجوهٌ.. كيفَ أخفتْ سرَّها؟

هرَبَ السؤالُ.. وعز فيه جوابي

لو أن طيفـَا عاد بعـــد غيــــابــــه

لأرى حقيقة رحلتـــــي ومآبــــي

لكنه طيفٌ بعيــــــدٌ.. غامـــــضٌ

يأتي إلينــــــا من وراء حجـــــــابِ

رحل الربيعُ.. وسافرت أطيــــارُه

ما عاد يُجدي في الخريفِ عتــابي

في آخر المشوار تبدُو صورتـــي

وسْط الذئاب بمحنتي وعــــــذابي

 

ويطل وجهُك خلْفَ أمواج الأسى

شمسًا تـُلـَوِّحُ في وداع سحــــــابِ

هذا زمانٌ خانني في غفـــــلــــــةٍ

مني.. وأدْمى بالجحــودِ شبـــــابي

شيَّعتُ أوهامـــي.. وقلتُ لـَعَلـَّنـي

يوما أعودُ لحكمــتـي وصـــــــوابي

كيف ارْتضـــيتُ ضلالَ عَهْدٍ فاجر

وفسادَ طاغيةٍ.. وغـــــــدرَ كِلابِ؟!

ما بين أحـــــلام تـَوارى سحْــرُها

وبريق عُمر صارَ طيـــفَ سَرَابِ

شاختْ ليالي العُمر منـــي فجـــــأة

في زيف حلم خــادع كـــــــــذابِ

 

لم يبق غيرُ الفقر يسْتـُر عَوْرَتـــــي

والفقرُ ملعونٌ بكـــل كِتــــــــــــــابِ

سِربُ النخيل على الشواطئ ينـْحَني

وتسيلُ في فــزع دِمـــــــاءُ رقاب

ما كان ظني أن تكونَ نهايتــــــــــي

فى آخر المشـــوار دَمْعَ عتــــــابِ!

ويضيعُ عمري في دروبَ مدينتـــي

ما بين نار القهر.. والإرْهـــــابِ

ويكون آخرَ ما يُطلُّ على المــــدى

شعبٌ يُهــــرْولُ في سوادِ نقـــــابِ

وطنٌ بعَرض الكون يبـــــدو لعبـــة

للوارثين العرشَ بالأنســـــــــــابِ

 

قـَتـْــــــلاكِ يـــا أمَّ البلادِ تفرقـُــــــوا

وتشردُوا شِيَعًا على الأبْــــــــــوَابِ

رَسَمُوكِ حُلما.. ثم ماتـوا وَحشـــــة

ما بين ظـُلـْم الأهل.. والأصْحَابِ

لا تخجلي إن جئتُ بابَكِ عاريـــــًا

ورأيتِني شَبَحــــًا بغيــــــر ثيــــــابِ

يَخْبُو ضياءُ الشمس.. يَصغُر بيننا

ويصيرُ في عَيْني.. كعُودِ ثقـــــــــابِ

والريحُ تزأرُ.. والنجومُ شحيحـــــة

وأنا وراءَ الأفق ضوءُ شهــــــــابِ

غضبٌ بلون العشق.. سخـط يائسٌ

ونزيفُ عمر.. في سُطـُور كتـابِ

 

رغْمَ انطفاءِ الحُلِم بين عيـــــــــــوننا

سيعودُ فجرُكِ بعدَ طول غيـــــــابِ

فـَلـْترحمي ضعْفِي.. وقلـَّةَ حيلتي

هذا عِتابُ الحُبِّ.. للأَحْبـــــــــــابِ

 

 نقلا عن جريدة الشروق