بابا اتحرش بيّ

قولي لنفسك بعد الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: لقد نِلتُ كفايتي من العذاب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا فتاة، عندي مشكلة مؤثرة عليّ نفسياً..

إحنا كنا بنعمل تعديلات في الشقة عندنا، وكنا بننام على الأرض؛ لكن والدي كان بيرفض ينام مع ماما، وكان بييجي ينام معايا أنا وأختي على الأرض، ولما كانت ماما بتقول له: تعالى نام في أوضتك، كان يثور ويتخانق، ويقول لها: مش عاوز أنام جنبك.

ولأن المكان مش هيكفيني أنا وبابا وأختي، كانت أختي بتروح تنام مع ماما، وأنا بانام مع بابا، وبعد كام يوم لقيته بيلمسني وبيحسّس على جسمي.. في الأول قلت يمكن بيحلم ومفكّرني ماما، وكنت باشيل إيده، وكل يوم كان يكرر ده مع الزيادة في التصرفات؛ لكن نومي تقيل؛ فلما باحسّ بيه وأشيل إيده كان بيقول لي: ما إنت حاسة بيّ من ساعتها؛ برغم إني كنت نايمة، وكنت أقوم وأسيبه وأخرج من الأوضة، كان يمسكني ويقول لي: خلاص، فأقول له: أنا داخلة الحمام مش رايحة عند ماما.. معنى كده إنه مدرك اللي بيعمله.

 وكان بيحاول يفتح شفايفي ويبوسني، مش عاوزة أقول لكم على التصرفات اللي بيعملها معايا؛ مع العلم إننا كنا في رمضان.

وفيه مرة كنت صاحية من النوم، لقيت لبسي مبلول، وكنت خارجة، وقال لي ادخلي استحمي قبل ما تنزلي، أنا مافهمتش هو قال لي كده ليه، ولا المية دي إيه غير بعد ما حكيت لأختي وهي فهّمتني، قالت لي: روحي لخالتك واحكي لها وشوفي هتقول لك إيه.

فعلاً رحت وحكيت لها، في الوقت ده كنت بانام على الأرض في الصالة لوحدي، وباتأكد إنه واعي لتصرفاته؛ حتى كان بيحاول يقرب مني الصبح وأنا قدامه.. المهم خالتي قالت لي: نامي تاني جنبه، ولما يلمسك صوّتي عشان لو قلتِ لمامتك مش هتصدق.

المهم فعلاً عملت زي ما خالتي قالت لي، ولما بدأ يلمسني صوّتّ وجات ماما وأختي وشافوه.. المهم إنه أنكر ذلك وقال لي إنتي بتتوهمي، ومنع عني الفلوس؛ غير الإهانة والضرب.

أنا بقالي 5 سنين مش باكلمه؛ غير إني باكرهه.. أنا خايفة ربنا يحاسبني عليه، ده غير إني مش باثق في حد، وطول الوقت مهزوزة.. بالله عليكم أفيدوني دينياً وريّحوني نفسياً.

gege

لا يكفي التأكيد أن رسالتك أوجعتني كثيراً؛ فقد فعلَت بي أكثر من الوجع الشديد؛ فكرهت جريمة والدك وهو المطالب شرعياً وأخلاقياً بحمايتك، واستوعبت صدمتك القاسية، ودعوْت لكِ من كل قلبي باتخاذ القرار؛ بعدم السماح لما حدث بإفساد حياتك، وكفى معاناة خمس سنوات.

لذا لا بد من التوقّف بأمانة لعلاج آثار ما حدث، قبل إغلاق الجروح ظاهرياً؛ حتى لا تتسبب -لا قدر الله- بالطبع في مشكلات في المستقبل.

وأبشّرك وأطمئنك أنك -بمشيئة الرحمن بالطبع- ستتمكنين من اجتياز هذه الأزمة بنجاح تامّ، واكتساب خبرات في الدين والدنيا.

ولعل أهم درس يجب تعلّمه هو تعلّم أن تجاهل ما يضايقنا لن يجعله يختفي من تلقاء نفسه؛ بل سيكبر رغماً عنا، وسنبذل مجهوداً مضاعفاً في حماية أنفسنا من الخسائر.

فكما أن الحرائق تبدأ بشرارة صغيرة إذا تنبهنا إليها؛ فبإمكاننا المسارعة بإخمادها للنجاة منها؛ فإن التحرش الجنسي يبدأ تدريجياً، ومن الحكمة التعامل بحزم مع المتحرش؛ حتى لو كان والدك، والحزم يختلف تماماً عن العدوانية أو الصراخ.

وصدقيني فأنا لا ألومك بالطبع، وألتمس لك العذر لصِغَر سنك أولاً، ولصدمتك في بشاعة جريمة والدك، وربما رفضك تصديق ما يفعله.

ومع كل الاحترام لذلك والتفهم الكامل أيضاً؛ كنت أتمنى أن تسارعي بالابتعاد عنه فور تنبّهك لتعمّده التحرش، ويكفي قوله لك إنك كنت تشعرين به ومع ذلك تركته يواصل.

وأصدّقك تماماً بأنك لم تُوافقي على ذلك؛ ولكن أهمس لك بكل الحب والاحترام لمعاناتك، لتتعلمي من التجربة أن المتحرش عندما لا يجد ابتعاداً واضحاً وحازماً من فريسته؛ فإنه يتعامل مع ذلك على أنها موافقة غير معلنة؛ لذا كنت أتمنى أن تتركي له المكان تماماً فور سماعك لهذه الكلمة؛ حتى لو كان المكان ضيقاً بجوار والدتك وأختك؛ فلا شك أن هذا كان أفضل من ترك الأمور تتفاقم بهذه الصورة.

وأحترم لجوءك إلى أختك لإخبارها؛ فهذا أمر طبيعي؛ ولكني توقّفت طويلاً عند النصيحة القاتلة التي نصحتك بها خالتك، ولا أفهم كيف فكّرت فيها؛ فهل توقّعت عند قيامك بفضح والدك عند محاولته ارتكاب جريمة الـتحرش أنه سيسارع بالاعتراف، وسينظر إلى الأرض ويبكي ندماً، ويقبّل يديك لتقبلي اعتذاره، ثم يتجه لوالدتك وأختك بطلب المسامحة والعفو، ويعيش باقي حياته ذليلاً أمامكم؟!!

وبالطبع أكرّر كراهيتي واشمئزازي من جريمة والدك؛ ولكن القيام بفضحه لن يحلّ المشكلة؛ ولكنه سيجعل البيت في حالة انهيار حقيقي؛ حتى لو استمرّ متماسكاً أمام الناس.

فلا شك أن علاقة والدتك بوالدك أصابها كسور فادحة، وأن والدتك لا تريد الانفصال؛ إما لأسباب مادية أو اجتماعية أو غير ذلك.. ولا أرحّب بأن تعيش مع زوج تعرف أنه تركها واختار التحرش بابنتها؛ فضلاً عن احتقارها له لارتكابه زنا المحارم؛ حتى لو ادّعت تصديقها له.

وبالطبع لا ألومك؛ فكل اللوم موجّه لخالتك ولنصيحتها الغريبة؛ فكيف تنصحك بنصب كمين لوالدك لإثبات تحرّشه بك، وهل سيغيب عنه تعمّدك النوم بجواره لوضعه في حالة التلبس؟!

ولا شيء في الكون يمكن أن يخفف من بشاعة تحرّش والدك بك؛ ولكن ليس من الذكاء التعامل معه بهذه الصورة التي تنسف ما تبقّى من مشاعره كأب نحوك.

لذا أكرر أنني كنت أتمنى الاكتفاء بالابتعاد التام عن والدك، وعدم الجلوس أمامه بملابس تُظهر مفاتنك، وعدم الانفراد به في البيت، والاتفاق مع أختك على ذلك وتنفيذها هي أيضاً لهذه التعليمات؛ حتى لا يحاول التحرّش بها عند يأسه منكِ.

وأثق أن والدك كان واعياً لما يفعل، وأدعو له بالهداية والتوبة الصادقة، قبل أن يلاقي ربه، وأرجو أن تشاركيني وأختك هذا الدعاء؛ ليس لأنه يستحق؛ ولكن لأنك تستحقين ذلك.. فبهذا الدعاء ستتحررين من الشعور بالغضب العنيف من والدك، الذي أرجو أن تتخلصي منه لأنه يؤذيك وحدك، وقولي لنفسك كلما تذكّرت هذه الجريمة: ما فَعَلَه والدي بشع؛ ولكنني لن أسمح لإبليس اللعين بتزيين إيذاء نفسي، باستمراري في الاحتفاظ بالتألم مما حدث؛ فنحن جميعاً مطالبون شرعاً بحماية أنفسنا من الأذى؛ ففي الآية الكريمة {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

ولا شكّ أن من الهلاك النفسي الذي يقود إلى الخسائر الصحية -لا قدّر الله بالطبع- وإلى الخسائر في التعامل مع الجنس الآخر، أن تستسلمي للغضب مما حدث، وأن ينزرع الاهتزاز وعدم الثقة بداخلك.

ولا أهوّن بالطبع من هذه الجريمة؛ ولكن لا بد من التصرّف العملي؛ فلن نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء لمنع والدك مما ارتكبه، ولا لتغيير ردود فعلك، ولا لعدم تنفيذ نصيحة خالتك؛ ولكن بإمكانك تغيير نظرتك الحالية لما حدث بأن تقولي لنفسك: أنا لست شيئاً قابلاً للكسر؛ فأنا إنسان كرّمه ربي، ولن أسمح بأي خدش -وليس كسر- بالاقتراب مني، وأقسم لك بصحة القول الرائع “ما لا يحطمني يقويني”.

فاجعليه شعارك وصديقك المخلص، وتنفّسي الثقة بالنفس والاعتزاز بها؛ فما حدث لم يكن بإرادتك، ولست مسئولة عنه؛ حتى تنفيذك لنصيحة خالتك جاء بسبب انفعالك الزائد بعد التحرش، وكان يجب عليها نصحك بالابتعاد عنه دون فضائح.

وتعلّمي أيضا ألا تتخذي أي قرار وأنت في حالة انفعال شديد؛ لأن نسبة الأدرينالين في الجسم تكون عالية وتُفسد علينا التفكير، وتعلّمي ألا تنفّذي أية نصيحة قبل التأكد من جدواها على المدى البعيد، وألا تتخذي أي موقف من قِبَل الانتقام؛ فالانتقام سلاح ذو حدين، والمثل الصيني الرائع “إذا أردت الانتقام؛ فاحفر قبراً لعدوك وآخر لنفسك”.

وتعلّمي أيضاً ألا تتأخري في البحث عن مخرج لمعاناتك؛ فقد تألّمت كثيراً لاحتفاظك بألمك طيلة خمس سنوات.

وتعلّمي عندما تتعرضين لمشكلة مع أحد ألا تسارعي بفضحه؛ وكأنك تصفعينه على وجهه؛ لأنك بذلك تغلقين أبواب التراجع لديه، أو الندم؛ وخاصة إذا كان والدك، وتذكّري أن مَن سَتَر مسلماً ستره الله.

وهذا بالطبع لا يعني الاستسلام له؛ فالصراخ مطلوب فقط إذا لم تتمكني من الفرار منه، وإذا أصرّ على جريمته.. وليس مقبولاً عمل كمين له لإقناع والدتك بجريمته.. وأتساءل عن الفائدة من إقناعها، سوى جرح مشاعرها كزوجة، ووضعها في موقف بشع للغاية أمام ابنتها وزوجها.

وأدعو لك من كل قلبي بأن تبدئي حياة جديدة، وأن تُسارعي بالحديث مع والدك، وأن تقومي بتهنئته بالعيد وأن تُلقي بالسلام عليه؛ حتى لو لم يقم بالردّ؛ حتى لا تقومي بارتكاب كبيرة عقوق الوالدين، وأكاد أسمعك تقولين: ولكنه فعل كذا وكذا.. وأردّ بكل الحب والاحترام: لقد أمَرَنَا الخالق الرحيم بنا والعليم بكل ما بداخلنا، بالإحسان إلى الوالدين ولو كانا من الكفار، ووالدك برغم جريمته ليس كافراً.

وهناك دائماً حدود وسط، بين الاستسلام لرغباته وبين مقاطعته.

وصدقيني ستهدئين نفسياً بصورة رائعة فور اتخاذك للقرار بالحديث مع والدك، وبالطبع لا تنفردي به أبداً.

وتوقفي عن القول بأنك تعانين من عدم الثقة بالآخرين؛ حتى لا تتعاملي وفقاً لها؛ فالعقل يتصرف مع ما نردده لأنفسنا؛ وكأنها حقائق ينبغي عليه التعامل وفقاً لها.

وقولي بدلاً من ذلك: أنا حذرة في التعامل مع الجنس الآخر، وهذا أمر جيد بالتأكيد.

ولا تُخبري أحداً بما حدث؛ لا صديقاتك، ولا أقاربك، وأخبري أختك وخالتك بضرورة الامتناع عن إخبار أحد بذلك.. وبالطبع لا تحاولي الإشارة إلى ذلك مع من ستتزوّجينه مهما بلغ حبك واطمئنانك له.

واسمحي لذكرياتك عما حدث بالتراجع، ولا تقومي بتنشيطها، وتشاغلي عنها، وكلما ذكّرك إبليس بها ليفسد عليك حاضرك ومستقبلك، قولي لنفسك بصوت مسموع، بعد الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: لقد نِلت كفايتي من العذاب، وجاء الوقت لأستمتع بحياتي وبكل المباهج.. واقرئي أيّة سورة من القرآن لتغيظي إبليس، وسيتراجع عن وساوسه.

واهتمي بتحسين كل جوانب حياتك، وابتسمي للدنيا، ولا تنظري إليها من الزاوية المظلمة لجريمة والدك؛ ففي الحياة إشراقات جميلة بانتظارك؛ فلا تتأخري.

وتابعينا بأخبارك لنطمئن عليك، وتقبّلي دعاءنا بأن يعوّضك الرحمن خيراً عما لقيتيه، وردّدي الدعاء التالي “إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لني خيراً منها”.

واغتسلي بنيّة التوبة، وصلي ركعتي التوبة لمقاطعتك لوالدك طيلة 5 أعوام سابقة، وصلي ركعتي الحاجة ليرزقك ربي الطمأنينة وحياة تنبض بالفرح والنجاح، وأن يبدّل همّك راحة بأسرع وأفضل مما تحلمين.

وفّقك ربي وأسعدك دائماً.

 

لو عايز تفضفض لنا دوس هنا

 

< >