د.أيمن محمد الجندي

لكل شيخ طريقة، وطريقة شيخنا الكبير "توفيق الحكيم" هي كتابة تأملاته على خلفية التحقيق في قضية قتل.. تبدأ الرواية ببلاغ ضرب نار وتنتهي الرواية بحفظ القضية..وما بين البداية والنهاية كل مميزات أدب "توفيق الحكيم".. أسلوبه الرشيق.. سخريته الناعمة وتأملاته المبثوثة كفصوص الأحجار الثمينة في خاتم ثمين.
الرواية صيغت في قالب ذكريات وكيل نيابة مصري في الأرياف يحقق في إصابة رجل يدعى "قمر الدولة" بطلق ناري من مجهول.. منذ البداية أدرك بخبرته أن القضية ميتة والوصول للجاني مستحيل.. وبمباشرة التحقيق سرعان ما تبين صدق المثل القائل: فتش عن المرأة.. والمرأة هنا هي ريم، غادة في السادسة عشرة لم ير لجمالها مثيلاً.
...........
هذا الكتاب (يوميات نائب في الأرياف) يصور فساد الأداة الحكومية وعجز النظم الإدارية عن تحقيق العدالة بين جموع الفلاحين.
برشاقة قلمه يصف لنا "الحكيم" خبايا النظام القضائي المصري.. حينما انتقل لمسرح الجريمة راح يحرر المحضر بعناية، فلقد تعلم أن المحضر هو كل شيء في نظر أولي الأمر.. وهو الشهادة الناطقة على الدقة والبراعة أما ضبط الجاني فلا يسأل عنه أحد!!! هكذا تعلم التحقيق كابراً عن كابر حتى أنه ترك جريحاً يعاني سكرات الموت وانشغل بوصف ملابسه وجروحه حتى مات الرجل دون أن يسأله عن اسم القاتل!!.. يجب ألا يقل المحضر أيضاً عن عشرين صفحة فما زال يذكر استنكار رئيس النيابة حينما سلمه محضراً في عشر صفحات استطاع الوصول فيه إلى الجاني.. ظل رئيسه يردد: من يصدق أن هذا محضر قتل رجل؟!!.. فقال له على الفور: سوف نراعي الوزن في المرة القادمة!!.
من الشخصيات المدهشة التي لا تنسى في هذا الكتاب الشيخ "عصفور".. ذلك الرجل العجيب الغامض الذي يهيم على وجهه آناء الليل وأطراف النهار، لا يكاد يتذوق النوم، يلفظ كلمات ويلقي نبوءات يصدقها الأهالي.. وتستعين به الشرطة كمصدر معلومات.. ذات مرة دلهم على بندقية مدفونة في قاع الترعة كان من المستحيل الوصول إليها.
...................
مضى التحقيق في شعاب مظلمة لا أمل في الوصول إلى شيء بسبب بلاهة الشهود وميلهم الفطري إلى الكذب وتضليل العدالة بلا فائدة تعود عليهم.. مفهوم أن يكذب المتهم؛ لأنه صاحب مصلحة أما الشاهد فلماذا يكذب؟.
المصاب لا أهل له سوى أم عجوز مريضة وزوجة توفيت منذ عامين تاركة طفلاً صغيراً لا يصلح للسؤال في مقام التحقيق.. وما من عداوة بين القتيل وبين إنسان على وجه البسيطة فهل هبط شيطان من الجحيم فأطلق العيار عليه؟.. بخبرته أدرك أن القضية ميتة ولا أمل في الوصول إلى الجاني لولا أن الشيخ "عصفور" أنشد فجأة:
فتش على النسوان
تعرف سبب الأحزان
أحس أن الشيخ يريد أن يلفت نظره لشيء يتعلق بالمرأة، رغم أنه ما من قضية خلت من النساء مثل هذه القضية.. فالرجل يحيا وحيداً بلا زوجة ولكن مهلاً!!. للمجني عليه طفل بالتأكيد ترعاه امرأة فمن هي؟ هكذا سأل العمدة.
- الولد في حضانة البنت.. أخت المرحومة امرأته.
وجاءت البنت، غادة في السادسة عشرة، لم تر عيناه أجمل منها ولا أرشق قداً.. ذلك الجمال الصاعق الذي كان وقعه عنيفاً على الجميع بما فيهم المأمور نفسه.. سألها بصوت مخنوق عن اسمها فهمست في صوت رقيق كاهتزاز الوتر "ريم".. قال لنفسه: حقاً إن للجمال هيبة!!.
ولم تكن البنت تعلم شيئاً عن الجريمة ولا لماذا أيقظوها لكنه عرف أن الخطاب يطرقون بابها وزوج أختها يرفضهم باستمرار، هل يغضبك ذلك ؟، هكذا سألها وكانت إجابتها بالنفي حارة وقاطعة.. هكذا بدأت قطع من النور تتساقط بين سطور المحضر.. هل توجد علاقة بين المصاب وشقيقة زوجته ترتب عليها أن أطلق عليه أحد الحاقدين النار عليه؟.
كان بحاجة إلى مزيد من التحقيق ولكن النهار أشرق، وهناك جلسة جنح في المحكمة ولا بد من العودة السريعة للمركز.
...........
اليوم موعد جلسة القاضي الموسوس الذي يقيم في الريف ويريد أن يسلي نفسه ويطيل الجلسة. الحاجب ينادي أسماء المتهمين بنغمة الباعة المتجولين والمخالفات تنهال على الفلاحين.. يتركونهم يعيشون كالبهائم ثم يحاسبونهم بقانون مستورد من الخارج.. يعاقبون الفلاح البائس على غسل ملابسه في الترعة وهو لا يملك أحواض الماء النقي!!.. لم ير واحداً يعتقد أنه قد ارتكب جرماً، وإنما هي مصيبة وقعت من السماء عليه.. كيف يسمي هذا القضاء رادعاً إذا كان المذنب لا يدرك أنه مذنب؟.. نفس الشيء يقال عن قضايا التبديد.. الفلاح يعرف بالفطرة أن الضرب جريمة والقتل جريمة والسرقة جريمة لأن فيهم اعتداء ظاهرا على الغير.. أما التبديد فكيف يفهم أركانه وحدوده؟
فلاح معترف بسرقة كوز ذرة؛ لأنه جائع ولا عمل له ولم تقع عيناه على صنف النقدية حتى أنه لا يدري هل ما زالت التعريفة مخرومة من منتصفها أم سدوها!! هذا المسكين يفرح جداً بقرار حبسه؛ لأنه سيضمن لقمته. هكذا تطول المحاكمة إلى ما لا نهاية بسبب غباء المتقاضين ووسوسة القاضي.. تهمل المتهمة القاضي وتتوجه بحديثها إلى الحاجب.. والشاهد يحلف اليمين ثم يقول: أنا يا حضرة القاضي، لا لي في الطور ولا الطحين.. القصة وما فيها أنني كنت واسطة خير.. ثم يسكت وكأنه قد أبان وأفصح عن سر القضية.. والقاضي يستيقظ وسواسه: هل حلف الشاهد اليمين أم لا؟.. ثم يطلب منه إعادة أقواله من جديد.. ثم يعاوده الوسواس فيصرخ وكيل النيابة الذي سهر طول الليل، وشعر أنه في كابوس لا ينتهي: نعم، سمعته يحلف اليمين، تحب أحلف لك أنه حلف !!؟.
..........
بعد جلسة مرهقة يجد نفسه محتاجاً للنوم، فيؤجل التحقيق لليوم التالي.. أشرق الصباح وجاءت إشارة بأن المصاب "قمر الدولة" قد أفاق من غيبوبته، فانتقل على الفور إلى المستشفى ليسأله عن الجاني، وكانت المفاجأة أنه فتح شفتيه وقال كلمة واحدة:
- ريم
وأسقط في يده، وفي دهشة بالغة قال:
- وضح غرضك يا قمر.. قصدك أن قمر هي نفسها..
فلم يبد حراكاً
- يا قمر قل كلمة واحدة، الضارب! من الضارب؟
ولكنه أغمض عينيه، وقد تفصد عرقاً فجذبه الطبيب قائلاً:
- كفاية
حينما عاد لمكتبه اكتشف أن "ريم" هربت مع الشيخ عصفور. ما الذي يدعوها إلى الهرب؟ من العسير أن يتصور الجمال مقترناً بالإجرام، هكذا نفكر كلنا ولكن "قمر الدولة" حينما سئل عن الضارب ذكر اسمها!!.. ولكنها صرخت في حرقة حينما عرفت بإصابته.. غادر مكتبه وهو يسير على غير هدى حتى وجد نفسه أمام المستشفى، فوجد الشيخ عصفور يجلس بجوار السور فعاد بسرعة ليرسل رجال الإدارة للقبض عليه.. إنه يعلم أسرار القضية واطلع على سر الفتاة.. عبثاً ما حاولوا استجوابه فقد لزم الصمت التام ولم يكن بوسعهم سجنه؛ لأنه لم يخالف القانون فأطلقوا سراحه واكتفى المأمور الحانق بصفعه على قفاه.. بعدها قبض عليه بتهمة التشرد!!.. هذه التهمة التي لم تعجبه رغم قانونيتها؛ لأن القبض عليه الآن مسألة انتقامية بلا ريب ولا يجب أن تكون نصوص القانون أسلحة في أيدينا نضرب بها من نشاء في الوقت الذي نختاره.. والمدهش أنهم استعانوا به –بعد أيام قليلة- في الدعاية لمرشح الحكومة في الانتخابات البرلمانية؛ لأن مواويله تؤثر على الفلاحين !!.
..............
في هذا الصباح جلسة القاضي السريع الذي يأتي من القاهرة ويريد العودة في قطار الحادية عشرة.. يشرب القهوة في جرعتين على الواقف ثم (يهجم) على قاعة الجلسة منطلقاً في الأحكام كالسهم لا يوقفه شيء، والمحضر ينادي مرة واحدة حتى يلاحق القاضي فمن لم يسمع النداء عد غائباً وحكم عليه غيابيا ومن سمع بالمصادفة حضر يجري.. فيبتدره القاضي قائلاً
- أنت يا راجل تركت غنمك ترعى في زراعة جارك؟
- أصل الحكاية يا سعادة البك
- ما عندناش وقت لسماع حكايات..غرامة خمسين قرشاً
وهكذا تنتهي المخالفات وتبدأ قضايا الجنح وبها شهود ومرافعة محامين.. يخرج القاضي ساعته ويضعها أمامه، ثم ينظر القاضي في الرول، ويصيح في المتهم
- ضربت الحرمة؟ كلمة واحدة، قل ما عندك
- يا سعادة البك فيه راجل يضرب حرمة؟
- ممنوع الفلسفة، كلمة ورد غطاها، ضربت؟ نعم أم لا؟
- لا
فصاح القاضي في المحضر
- أنكر التهمة، نادي الشاهد
حضرت الحرمة المضروبة، وهي تتعثر فلم ينتظر القاضي حتى تدخل الجلسة، وصرخ فيها:
- ضربك ؟
- أصل يا سعادة القاضي ربنا يخليك..
- مفيش أصل، ضرب ولا لا؟ هي كلمة لا غير
- ضرب
- كفاية، استغنت المحكمة عن بقية الشهود، كلامك يا متهم
وتنحنح المتهم، وجعل يدافع عن نفسه، والقاضي مشغول عن سماعه بكتابة الحيثيات، ثم نطق بالحكم دون أن ينتظر بقية دفاعه.
- شهر مع الشغل، غيره
- يا سعادة القاضي أنا عندي شهود.. الحكم ظلم يا ناس
- اخرس.. اسحبه يا عسكري!
على هذا المنوال تسير الجلسة حتى تنتهي، وقد تبقت سبع دقائق على قيام القطار، ولكن القاضي تعود الركوب في آخر لحظة دون أن يفقد ثباته واطمئنانه الداخلي.
.....................
خطاب من مجهول قلب موازين القضية رأساً على عقب.. يقول الخطاب إن زوجة قمر الدين ماتت مخنوقة وتستر عليها حلاق الصحة من أجل الرشوة والسبب علاقته بأختها ريم!! فتحوا المقبرة لاستخراج جثتها، وسرعان ما شعر بالدوار وهو يتأمل العظام النخرة.. أهذا كل ما بقي من الإنسان؟ فكرة الموت والمصير الآدمي المحتوم يتراءى له رأي العين بعد أن نزع السر المقدس.
يقرر الطبيب الشرعي أن العظم اللامي مكسور مما يعني فعلاً حدوث جريمة خنق.. هل قتلها زوجها وكانت ريم تعلم بذلك؟ كلها أسئلة لا إجابة لها ما دامت البنت هاربة والشيخ عصفور يرفض الكلام.
السبيل الوحيد هو محاولة العثور على الخاطب الذي تقدم لخطبة البنت.. تطوعت إحدى الجارات وقالت إن اسمه "حسين"..
- حسين إيه يا وليه؟.. فيه ألف حسين في البلد
- ما أعرفش نقبه يا بيه.. البنت قالت اسمه حسين وأنا مالي بقى اسأل عن أصله وفصله؟.. أنا حرمة غلبانة في حالي.. طول عمري ما أحشرش نفسي في كلام ولا سؤال، قالوا يا داخل بين البصلة وقشرتها..
ونادى الحاجب وأمره بإحضار كل من يدعى "حسين" في القرى المجاورة، وجلس يفكر في قيمة هذا العرض القانوني فهو لا يثق في فراسة هؤلاء النسوة فهؤلاء الفلاحين -بأعينهم التي أكلها الصديد ومداركهم التي تركت هملاً على حكم الولاة- لا يمكن أن يركن إليها في حكم أو تمييز.. وهل هناك أعجب من عرض قانوني وضع فيه المتهم بين أشخاص آخرين وطلب من الشاهد التعرف على الجاني فكان يمر عليهم مروراً سريعاً ويعود إليه –هو وكيل النيابة- متفرساً مرتاباً فيه حتى اضطر إلى إنهاء عملية العرض وقد تملكه الاضطراب.
........................
وبالفعل -وكما توقع- حضر المطلوبون وكلهم اسمهم حسين، وبدأ العرض القانوني، ودنت الجارة منهم تتفحصهم في حيرة.. ثم سألت واحداً:
- أنت منين يا جدع؟
- من امبابة يا ستي
قالت على الفور في لهجة الجد
- دي بلد الحمير يا جدعان، دا كان مرة ادلعدي جوزي اشترى منها حمار
وهنا لم يتمالك نفسه، وصاح فيها منتهراً؛ لأنها ضيعت وقته فيما لا طائل فيه
..........................
تتعرض الرواية أيضاً للعلاقة الأبدية الملتبسة بين وكيل النيابة وبين السلطة التنفيذية والتقاليد القضائية العتيدة التي تحتم على ممثل النائب العام العزلة إذا أراد أن يبجله الجميع.. وأيضا لعبة القط والفأر بين المأمور والعمدة فالكل واقع تحت ضغوط.. المأمور يخشى غضب رؤسائه فيذيق العمدة الويل.. هذه الذلة التي يذوقها في حضرة رجال الإدارة لن تذهب سدى فهو سيذيقها بعينها لأهالي القرية التي يحكمها.
وأخيرا تأتي النهاية المفاجئة بالعثور على ريم مقتولة هي الأخرى.. كان حزنه ثقيلاً وحقيقياً على انطفاء هذه الغادة التي هزت نفوسهم جميعاً ومنحتهم لحظات مشرقة ونسيماً عليلاً رطباً هب على صحراء حياتهم العاطفية المجدبة.. كان القاتل في هذه القضية مجهولاً وسيظل كذلك إلى الأبد.. مات الزوج والزوجة وريم نفسها وانتهت القضايا إدارياً بتلك الجملة التي أشر بها على الملف "تحفظ القضية لعدم معرفة الجاني ويكتب للمركز باستمرار البحث والتحري"..
صارح نفسه في لحظة صدق أنه كان في هذه القضية قمر مضيء ميزها عن غيرها وحبب إليه الجهد والعمل.. أما وقد اختفى هذا القمر زال عنها ذلك الاعتبار الخاص وصارت قضية عادية كمئات القضايا لا يعنيه منها شيء.


