تامر عفيفي

اتجاه بعض المدونين مؤخراً لفكرة الكتاب المطبوع وتنفيذه بالاتفاق مع دور النشر أمر فرض نفسه على ساحة الكتاب بشكل ملحوظ، بل إن هناك من هذه الكتب ما حقّق رواجاً في المبيعات متفوقة على مبيعات كبار الكُتّاب.
ولن أتحدث هنا في قضية النشر من عدمها أو أسباب هذا النجاح إذا كان متحققاً بالفعل، ولكن الأهم والذي لم ينتبه له أحد هو هذا الخلط البيّن في المسميات والذي يجعل متعتنا بالأشياء متعة ناقصة ويجعل الكاتب لا يعرف "ما الذي يكتبه"، ويجعل القارئ بدوره لا يعرف "ما الذي يقرأه".. فالمدوّن هو هذا الشخص الذي لم يحدد لنفسه قالباً يحاسبه عليه أحد.. يمتلك صفحة خاصة على الإنترنت يستمتع فيها بما يكتبه.. ليس لأن هناك "قارئا" معيناً؛ ولكن لأنه يريد أن يكتب هذا الكلام في هذه اللحظة.. فهو يكتب ماشاء إذا كان تعليقاً على حدث بعينه أو تسجيلاً لحدث يومي عادي أو البوح بما في داخله من ضيق أو فرح أو ألم، أو محاولة لكتابة نص أدبي، أو نصاً أدبياً لأحد الكتاب بالفعل، ولكن في كل الأحوال فهو يستمتع بهذه الكتابة الذاتية الحرة التي تتسم بالانطلاق والتعبير عن النفس دون الشعور بأن هناك رقيباً يقف له متربصاً ليحكم على كتابته هذه أو يحاسبه عليها، فالشعور باللحظة من أهم سمات المدون ومن أهم سماته أيضاً أن يكون متكلماً يحب التعليق والتسجيل وحماسياً في قراءاته وردوده على تدوينات رفاقه، والمدون أيضاً يجيد الثورة ويجيد الانطواء، ويعتز بأفكاره حتى لو كانت تفتقر للخبرة والحكمة والنضج على المستوى الحياتي.
وكل هذه الصفات التي يتمتع بها المدون، تعطي للمدونة الإلكترونية بريقها ولذتها وجعلت الكثير من الشباب يتجهون لهذه اللعبة المثيرة ـلعبة التدوين الإلكتروني ـ وأود أن أؤكد أن كل هذا مرتبطا بـ"الإنترنت"، أي ليس له علاقة بتدويناتك في دفتر صغير تضعه في درج مكتبك، فالأمر هنا يختلف تماماً، هذا باختصار كان في معنى أن تكون "مدوناً"، النتيجة الطبيعية لهذا المعنى أنني أدخل صفحتك الإلكترونية لكي أقرأ تدويناتك وأستمتع بها، وقد أكون غير قارئ لكتاب أو مجلة قد أكون غير قارئ لأدب، ولكني أحب قراءة المدونات الإلكترونية على صفحات الإنترنت.
وعندما دخلت المدونات إلى قائمة الطباعة والنشر بات علينا لزاماً أن ننوه إلى أن ما ستقرءونه يا سادة لا يجوز أن نطلق عليه "مدونة" وذلك لأمر بسيط؛ لأنه خرج من دائرته الإلكترونية ليصبح كتاباً قادراً على التحاور مع القارئ، هذا القارئ الآخر بدوره قد لا يعرف ماهو هذا التدوين الإلكتروني وقد يتسم بالجدية والصرامة أكثر من القارئ الإلكتروني، وهنا نجد أنه قد أصبح هناك "كاتبا"، و"كتابا" الأمر هنا يختلف تماماً لقد خرجت إذن من انطلاقاتك وعبثك، لقد خرجت من تحررك الإلكتروني، لقد أصبحت "كاتبا"، وأستطيع أن أؤكد أن كل المدونين الذين أصدروا كتباً لم يقتربوا من التدوين بعدها إلا من فعل هذا من قبيل "رد الجميل" للتدوين ولا أدري لماذا؟ إذن فماذا نسمي هذا الكتاب الذي أصدره المدون وكتب فيه تدويناته الإلكترونية؟ إنصافاً لن نسميه "أدبا"، ولن نطلق عليه كما ردد البعض "نوعا جديدا من الكتابة"؛ لأن "النوع" يحتاج إلى خصائص تميزه عن غيره من "الأنواع"، ويمكننا أن نقول فقط إنه "كتابة"، ويبقى القرار لصاحب هذه الكتابة إما أن يتجه لإنماء كتابته في المرحلة القادمة، ويصبح "كاتباً" له نوعه، أو أن يكتشف لحظة أنه لم يكن يقصد النشر وأنه كان يحب "كتابة اللحظة".
وكلامي هذا ليس دعوة للمدون أن يدع الكتابة المطبوعة، وليس دعوة للكاتب أيضاًً أن يدع التدوين، ولكنه دعوة للرفق بنا من هذا اللبس العظيم الذي يوقع بنا في دوائر ومصطلحات ليست عادلة بالمرة، فأنا لايمكن أن أعرف "كاتباً" لا يمسك الورقة والقلم ولا يمكنني أيضا أن أعرف "مدوناً" يمسك الورقة والقلم، فلنتفق على هذا ثم نفعل مانشاء، فلنتفق على أن "الكتابة" تحتاج إلى قدر كبير من الجدية والتروي والتفكير والقرار، ولنتفق على أن "التدوين" لعبة مثيرة تعتمد على التوهج والانطلاق والتسجيل، ولنتفق أيضاً على أن متعة القراءة في "كتاب" تختلف كثيراً عن متعة القراءة في "المدونة" فلكل منهما حالة وروح ومعنى وموقف ولكل منهما قارئ ومتفهم، في وقت أصبح فيه مقتنو الكتب لايذكرون، بل كادوا ينقرضون أمام جاذبية شبكة الإنترنت وإغواءاتها الدائمة والمتجددة، هذه الشبكة التي انطلق منها ما يمكن أن نسميه "ثورة" على كل ما لا يروق لنا في مجتمعاتنا ونسجل رأينا فيه بكل وضوح وصراحة، وهذه "الثورة" مقترنة بالفعل بالمدونات والمواقع الأخرى.
دعونا إذن نستمتع بما يحلو لنا بمسماه الطبيعي، فتحديد الأشياء بمسمياتها الطبيعية شيء نعاني منه في مجتمعنا، دعونا نستمتع بـ"المدون" قبل أن يفقد متعته والقدرة على الإمتاع، ودعونا نستمتع بـ"الكاتب" قبل أن ينقرض!


