دينا عادل

اختار الكاتب الساخر "أسامة غريب" أن يطلق على الكتاب الذي يضم مقالاته التي نشرها في جريدة "المصري اليوم" من سنة 2005 إلى 2007 اسم "مصر ليست أمي... دي مرات أبويا"، وربما يوافقه في هذا العنوان الكثيرون ممن يرون فيها زوجة الأب لا الأم الرءوم التي تحنو على جميع أبنائها بنفس القدر ولا تفضل أحدهم على الآخر. ولكن يبدو أن الكاتب قد عانى منها كثيرا حتى أنه يقول في إحدى المقالات إنها مرات أبيه التي عذبته وكوته بالنار.
وينقسم الكتاب إلى عدة فصول يضم كل منها عدة مقالات متجانسة من حيث الموضوع. فالجزء الأول المسمى بـ"أصدقائي" يتعرض فيه بسخرية شديدة لشخصيات تمثل الشرائح المختلفة للمجتمع المصري، وإن كانت تبدو في بعض الأحيان خيالية كما لو كان الكاتب قد أضاف إليها بعض لمساته للتخفيف من قتامة الواقع مثل شخصية "البشبوري" بائع المفتقة الذي كان يرسل نداءات إلى الزعماء والقادة العرب عبر كوز مخروم مربوط بدوبارة مصدقاً إنها تصل إليهم على غرار نداءات الزعماء العرب إلى صدام حسين لإثنائه عن غزوه للكويت!
ومن الشخصيات التي تثير الضحك والبكاء في آن واحد شخصية "ممدوح مونتجومري" الذي اكتسب اسمه لتمتعه بالذكاء والمهارة عندما كان زميل دراسة للكاتب!
وهو يعتبر فيما صادفه من عثرات وسوء حظ رمزاً للعديد من المصريين فبعد استصلاحه لأرض في الصحراء يستولى عليها الموظفون، وما أن يدخر بعض الأموال حتى تضيع في شركة لتوظيف الأموال، وينتهي به الحال لأن يصبح سائق توك توك!
أما في فصلي "سفر الوكسة" و"هولوكست لا يمكن إنكاره" نجد المقالات التي يتألم الكاتب من خلالها لما آل إليه حال البلد من فوضى.. ويتعرض بالتفصيل الدقيق لما يمر به الوطن من مآسٍ، ويتطوع بتقديم تحليلاته الساخرة لموقف الحكومة وأتباعها من المسئولين من الحال الجاري، وعدم مبالاتهم لما قد يفضي إليه، وإن كانت تبدو تحليلاته منطقية في ظل الواقع غير المنطقي الذي نحياه، فهو على سبيل المثال يعزو عدم مبالاة المسئولين بحال المصريين الذين ماتوا في محرقة مسرح بني سويف وغرقوا في العبارة لكونهم عولميين لا مصريين ليهتموا ويراعوا شئون المصريين.
أما من نهبوا ثروات مصر وكنزوا ثرواتهم من قوت المواطنين فقد جمعهم الكاتب في جزء أسماه "السحت" سواء أولئك الذين استطاعوا تهريبها وأتاحت لهم الحكومة الفرار من بوابة كبار الزوار في مطار القاهرة وأصبحوا يمتلكون قصور خارج مصر أو من لم يكتفوا بعد بكنز الأموال وظلوا ليملؤا خزائنهم.
وفي جزء شديد الإمتاع تناول الكاتب بالتهكم والسخرية الشديدة رؤساء تحرير الصحف القومية الذين باعوا القضية وسخروا أقلامهم لخدمة السلطة في مقابل تناول الفتات من مآدب الطعام التي تقام للرئيس عند زياراته خارج البلاد والوفد الصحفي المرافق له واختار أن يسمي هذا الجزء "ركن الطبيخ".
ولم ينس كذلك أن يخصص جزءاً للانتهاكات التي قام بها بعض رجال الأمن ممن يتسمون بطبيعة غير سوية وسادية في تعذيبهم لمواطنين من المفترض بهم العمل في خدمتهم وتناول هذه الحوادث مقدماً تفسيره الخاص لما دفع بهم إلى هذه الحالة من السادية التي تصل إلى حد القيام بتصوير وقائع التعذيب في جزء اختار له اسم "سكافوللي".
والكتاب يمتلئ بالتحليلات الطريفة، فالكاتب يتعمق في الجذور التاريخية للمشكلة حتى ينتهي إلى تحليل أسبابها وتطوراتها عل هذا يأتي بحل لها من أولي الأمر فتجده في جزء يرثي فقد التعليم الجامعي للمكانة التي كان يتمتع بها في الماضي، ويرى أن السبب في ذلك هو فقد الجامعات لدورها "كمركز لصيانة القفا"، فعلى حد قوله كانت الشهادة الجامعية في الماضي هي الحافظ الوحيد لكرامة المواطن المصري الذي طالما عانى من انتهاك آدميته على يد السلطة عندما كانت مصر تقدر العلم والعلماء، أما الآن فقد أصبح الجميع "قضاة ومحامين وأطباء ومهندسين يداسون بالأحذية وصار قفا الجميع مستباحاً".
ويستخدم الكاتب لغة تتسم بالرقي الشديد وإن كانت لا تخلو من مفردات جديدة ودخيلة على العربية بأسلوب يدل على سعة أفق واطلاع لمثقف لم يعزل نفسه في برج عاجي على غرار الكثير من المثقفين، وإنما نجده متلاحماً مع كافة أطياف المجتمع من مسئولين وأثرياء تسببوا في وكسة الوطن ومطحونين يعانون منها. ولا عجب أن هذا الكتاب الذي صدر في يناير من هذا العام قد صدر منه حتى الآن ثلاث طبعات فهو حقاً يستحق القراءة.


