history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

دعاء سمير

بينما كان "إسماعيل ياسين" أو "أسطى حسونة" جالساً في مستشفى المجانين رأى الخواجة وهو يقطّع الورق ويكومه حتى صار هرماً.. فقام من مكانه، وسأله عن سبب ارتباكه، فرد عليه:


إستمع إلى نغير الجواب

الخواجة: موسيييباه... كلمة واخد مش عارف نكتبه.. معسلج معايا ومش قادر نخلص الجواب..
إسماعيل: عشان خاطر كلمة تمزّع الورق ده كله؟! هات وأنا أكتب لك الجواب.
ويبدأ الخواجة يملي على "إسماعيل ياسين":
أخويا العزيز.. بعد التخية.. أنا سعلان علسان مس جيتو امبارخ.. الخمار بتاع الأنا جيتو في نص السكة وبرك. وكل ما أنا يقول له (ــــــــــــــــــــــ)... ويصدر الصوت الذي يدفع الحمار للتحرك..
إسماعيل: ودي عايز تكتبها في الجواب يا خواجة؟!
الخواجة: أمااال.. ما هي دي الكلمة اللي معسلجة معايا م الصوبخ.. هاااااه مس عارف تكتبها إنت كمان؟
إسماعيل: إزاااي؟.. ده أنا ياما باكتب كلام فارغ كتير.. بس أترجاك تقولها خرف خرف..
الخواجة: وكل ما نقول له الخمار بتاع الأنا: (ويصدر الصوت)، يهز الراس بتاع الهوّه ومس يرضى يلف...
إسماعيل مصدراً الصوت الذي يوقف الحمار: يااااااااااااااااااااس... هارجع وحياة والدك من ناحية الحمار.. اعمل معروف قولها لي واخدة واخدة.. عشان الخاطر بتاع الأنا.. كتالافينيسي؟!
ويكرر الخواجة نفس الصوت بتأنٍّ..
إسماعيل: يعني ما نقدرش نحط بدالها "حاه"، أو "شي" مثلاً؟؟
الخواجة: لا يا خبيبي أنا لازم نكتب اللي خصل بالمظبوووت.. أنا مش ممكن أغير الذمة بتاع الأنا أبداً!!
إسماعيل: يعني ذمتك ما حبكتش إلا مع الحمار؟!
الخواجة: ماليس دعوة.. لا يا خبيبي لا... إهئ إهئ إهئ إهئ إهئ إهئ إهئ إهئ....
إسماعيل: لا.. لا.. ما تعيّطش.. نغير الجواب.

كان هذا الحوار الركيك من الخواجة؛ لأنه خواجة.. لكن في السنة الثالثة من دراستي الجامعية، وفي محاضرة العربي فوجئت بصديقة لي تسألني: "هي كلمة (كلمات) كاف، لام، ياء، ميم، ألف، تاء؟ ولا كاف، ألف، لام، ياء، ميم، ألف، تاء؟"
يعني "كليمات"، أم "كاليمات"؟!!

بعدما تجرعت كل الهواء في المدرج؛ لأتغلب على غصة أصابتني، رددت عليها، ولم أؤنبها بحدة؛ لأني أعرف أنها تكره العربي وضعيفة جداً في النحو. وشفع لها وقتها -وكنت مخطئة- أنها كانت جيدة في اللغة الإنجليزية. وتعاملْتُ مع أي شيء يشبه هذا الموقف في هذا الوقت على أنه حالة فردية خاصة.. خصوصاً وأن الكثير من طلبة آداب قسم اللغة الإنجليزية جاؤوا من مدارس لغات حيث يتشربون اللغة الأجنبية -ولن أقول الثانية- حتى تكاد تكون هي لغتهم الأم البديلة. أما اللغة الأم -العربية- فيتم عصيانها وهجرها!

ولأنه لم يعد في مصر من الأشياء التي تكبر وتتكاثر إلا الصدمات، والبشر، والأسعار بعد ما صغرت الأحلام، ورغيف العيش، وضاق السكن، والفصول.. كبر الموضوع حتى أكاد أقول إنه ظاهرة، واكتشفت الهول الذي نعيشه؛ هول انحطاط وانحدار مستوى اللغة العربية. وأخيراً فهمت لماذا يؤخذ عليّ انفلات لساني بألفاظ "فصيحة".. وكثيراً ما ينخرط المستمعون في الدهشة وأحياناً في الضحك تعليقاً على ما خرج عفوياً؛ ليس لأن المقال لا يناسب مقتضى الحال، إنما لأنه أصبح نادراً أن نسمع مثل تلك الكلمات.

قد يبدو الاهتمام باللغة العربية والدعوة للرجوع إليها موضوعاً قديماً منذ عصر التنوير حينما بدأت أفواج العلم تعود لمصر بشهادات الحقوق والآداب من الجامعات الأوربية. وحينما شاع في الطبقة البرجوازية وأوساط المثقفين استخدام اللغات الأخرى كالفرنسية والإنجليزية، واقتصرت اللغة العربية على ذوي العمائم واللحى من علماء وطلبة الأزهر. لكن الدعوة وقتها كانت تدعو إلى التحدث باللغة العربية في حياتنا اليومية والأكل والشرب والنوم بها، ولم تتطرق أبداً إلى مبادئ اللغة وهل الجملة مفيدة أم غير مفيدة.

لكنني لا أقصد هنا إطلاقاً العربية الفصحى الفصيحة كتابةً أو كلاماً. ولا أقصد بالطبع أن يتحادث بها الناس لفظاً ونطقاً ورسماً. إنما أن يكونوا -كما هو المفروض والطبيعي- في حالة وئام وحب معها.. لا يؤذيهم وجودها، ولا يربكهم سماع كلمة واحدة منها، ولا تكبلهم قراءتها وتمنعهم التذوق والاستمتاع.. والوئام والحب لا يتأتى بدون المعرفة والفهم. كما هو الحال في لغات مثل الإنجليزية والفرنسية التي لا تتسع الفجوة فيهما بين المتحدثة أو المنطوقة وبين المكتوبة. طبعاً هناك فروق لكن لو ذهب أحد المثقفين إلى بائع خضار وتكلم باللغة المكتوبة سيفهمه البائع وسيعرف أنه ذو درجة علمية عالية. وذلك عكس ما هو حادث لدينا خصوصاً في اللهجة المصرية ولهجات المغاربة فهي بعيدة كثيراً عن العربية الفصحى مما يجعل من الصعب التحدث بها حتى على بعض المثقفين عكس ما أراه وألاحظه في أهل الشام والخليج.

وما يصلنا على المجلة من تعليقات القراء، وما يصلني من رسائل على الميل من بعض زملائي بعدما تخلَّوا عن لغة الدراسة، وما أسمعه في الأفلام والمسلسلات، وما أراه على الجداريّات المنتشرة في مصر وأسماء المحلات، وما نعرفه جميعاً عن حالة التعليم لدينا، ينفي وجود أي مما سبق.. لا الوئام ولا الحب، وقبلهما -بالطبع- لا المعرفة ولا الفهم!..

ولأن الموضوع يكاد يكون ظاهرة، فإليكم بعض الأمثلة التي ترد إلينا كتعليقات، وهي أمثلة شائعة جداً لدرجة أنني وبعض زملائي أوجدنا لها عُرفاً؛ من خلاله نستطيع فهمها والتعامل معها رغم ما فيها؛ فالقاف ألف، والتنوين نون، وتـُمارس عمليات الترقيق والتفخيم فتصبح الصاد سين والضاد دال والطاء تاء والعكس تماما متوفر أيضاً.. أخطاء يشيب لها الولدان،:

  • أنا ارتبت (ارتبطت) من تلت سنين وأضيتها (قضيتها) حب.. بس من فتره إتدايِئت (تضايقت) من كُتر المشاكل ومش طايئ (طايق) نفسي.. وهى بتئولي بابا بيدغد (يضغط) عليّ بس أنا كلمتها وهي اقطنعت بظروفي.. بس أحيانن ترجع المشاكل.. قولولي أعمل إيه.. وميرسي جدن على كلامك..

  • موبايل أحد الشباب يرن رنة طويلة تقول إنها تحمل رسالة وليس اتصال.. ويفتح ليجد الرسالة التالية: خليك جنبُو لَنّك صاحبو اللي هيشيل همّو وهتنسيه الأديم كلو..

  • ربنا يعطّرك (يعترك وأصلها من يعثر يعني يجد) فى الإنسان اللى يحبك زي ما عطّرني في حبيبي..

  • إنت ممكن تعمل حاجه مفيده مسلن (مثلاً) تلعب جِمْ...

  • مشكلة السرف السحي إنو...
  • أنا بحب واحد بجد هوَّاخُو صَحْبِتِي واول ما شَفْنِي أعجِبْ بيَّا على طول، وبعد التعارف جه عيد ميلادي وجاب لي هديه، وماما عرفت ومَمْتُوا، واخواتُوا عَرْفين ان احنا بنحبُّوا بعض.. وذَيْ أي اتنين لابُدّ من حُدُوسْ خلافات بِنَّا..

العربية وحدة لا تتجزأ، واللهجات والعامية ما هي إلا تنويعات عليها، وليست منفصلة عنها. وانحطاط مستوانا في فهمهما يعني انحطاط مستوى التفكير والتعامل والتواصل بها؛ لأنها قبل أن تكون رداءً لأفكارنا، فهي وسيلة تواصل بالمقام الأول. مما يعني أن اللغة المنطوقة هي الأساس وليست المكتوبة، وهذا هو التطور المعروف الذي يقتضيه نمو الطفل الطبيعي وتعلمه للغة. فأول احتكاك يحدث بينه وبين اللغة يكون عن طريق السمع. وبعدما يكوّن حصيلة من السماع، يبدأ في النطق والكلام. ثم تأتي الكتابة في مرحلة متأخرة، في السن المؤهلة لدخول المدرسة. وبالتالي فإن الانحراف والتحريف في نطقها وعدم تحري المخارج السليمة للحروف سيؤثر بالضرورة على كتابتها والدليل بدا واضحاً في النماذج السابقة.

والسؤال الذي يلّح هنا هو: كيف يتعامل الناس مع النصوص المكتوبة باللغة العربية الفصيحة والبليغة؟ وكيف تكون قراءتهم وفهمهم وتذوقهم لعبقريات نص رفيع المقام مثل القرآن الكريم مع وجود هذا القدر من البعد عنها؟! أم أنهم لا يقرأون أساساً؟؟!!

وبمناسبة ذكر القرآن وجوامع الكـَلِم في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ناقش د. "طـه حسين" أهمية اللغة العربية ومكانتها في المجتمع في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، ورفض الفكرة التي شاعت وقتها أن اللغة العربية حكر على العلوم الدينية. وتفنيداً لتلك الفكرة، كتب د. "طـه حسين" عن وظائف اللغة العربية بدءاً بأنها ناقل للتراث يحفظ لنا خصوصيتنا الفكرية والثقافية وتقاليدنا، ولولاها لفقدنا هويتنا العربية –التي بدأنا نفقدها بالفعل في مصر!- ثم ينطلق إلى وظيفة أخرى وهي التواصل كما سبق.. ويربط اللغة بالتفكير. وأتوقف عند نقطة اللغة والتفكير؛ لأنها شأن في منتهى الخطورة وهو ما أحاول أن أوضحه دائماً؛ إذ إن علاقة اللغة والتفكير علاقة مركبة وتبادلية، فالاهتمام باللغة من شأنه أن يرفع مستوى التفكير. وكذلك فإن مستوى التفكير العالي من شأنه أن يبحث عن إطار لائق وراقٍ يضع نفسه فيه. ومن هنا تنشأ فوارق اللغة والصياغة التي تميز فئة عن غيرها، بل وطبقة عن أخرى.

ومثلما ربط د. "طـه حسين" بين اللغة والمجتمع والتفكير، ربط الكاتب الإنجليزي "جورج أورويل" صاحب "مزرعة الحيوان" بين اللغة والحضارة والسياسة في مقالته* "Politics and the English Language"، "السياسة واللغة الإنجليزية". ومن أول المقالة يواجه قارئه بالحقيقة الصادمة قائلاً: "حضارتنا تنحطّ، ولغتنا حتماً تشارك في الانهيار العام".

ويكمل: "من الواضح أن لتدني أحوال اللغة أسباب اقتصادية وسياسية، وليس ببساطة بسبب التأثير السيئ لكاتب واحد. لكن الأثر من الممكن أن يصبح سبباً يزيد من قوة السبب الأصلي، وينتج نفس الأثر في شكل مكثف، وهكذا إلى ما لا نهاية، مثلما يشعر رجل بشيء من الفشل فيذهب للشرب، ثم يفشل تماماً؛ لأنه يشرب. ونفس الأمر يحدث بالنسبة للُّغة"!! ويربط "أورويل" بين الأفكار ومستوى اللغة قائلاً بأنه لو تخلص الإنسان من مشاكله اللغوية فإنه سيفكر بطريقة أوضح وهي الخطوة الأولى الضرورية نحو الإصلاح السياسي!

المفارقة أن "جورج أورويل" كتب ذلك عام 1946 قبل أن تنال الهند استقلالها وكانت بريطانيا لا تزال إمبراطورية عظمى ذات حضارة أعظم.

وقبل مقال "أورويل" انشغل بنفس الفكرة الكاتب المسرحي الأيرلندي "جورج برنارد شو". وعليها قامت أحداث مسرحية "Pygmalion" عام 1913 التي يعرفها الجمهور بـ"سيدتي الجميلة". وفيها يتحدى البروفيسور "هنري" الأستاذ في علم الصوتيات -إحدى العلوم اللغوية- صديقه بأنه قادر على جعل "إليزا" بائعة الزهور الفقيرة سيدة راقية من خلال تعليمها كيفية التكلم بلباقة تجعلها جديرة بدخول الطبقة الراقية.

لو ناقشتُ أسباب تدني لغتنا العربية لن تكفيني رؤية "أورويل"؛ إذ إنه توجد مسببات أخرى تفوق الأسباب الاقتصادية والسياسية التي ذكرها.. فلدينا التعليم، وهو وحده كفيل بوأد أي محاولة إبداعية، هذا غير عدم وعي عامة الناس بأهمية اللغة وتنقية ما يسمعون وما يقولون، وقلة الْتفات المثقفين لتلك الظاهرة، وانقراض (الكُتـّاب) الذي كان الأطفال يعتادون فيه على سماع وترديد آيات القرآن الكريم، علاوة على أن الإعلام لا يقوم بدوره، ولا تكفّ السينما والمسلسلات عن مسايرة الواقع اللغوي ببشاعته وقبحه.

ولكي لا تجعلني السيئة التي تعمّ أجحفُ حقَّ أناس أحبوا اللغة العربية وأحبتهم، سأستثني من اللائحة الإعلامية الأستاذ "فاروق شوشة" وبرنامجه "لغتنا الجميلة"، و"ساقية الصاوي" التي تخصص جزءاً من أنشطتها للغة العربية. وأطلقت الدعوة عام 2006، وجعلته عام اللغة العربية، وخصَّصت ورشاً لتعليمها وتعليم قواعد الخط العربي والتي لا تزال مستمرة حتى الآن. وفي العدد الأول من مجلتها الصادرة حديثاً أرفقتْ جدولاً كبيراً به قواعد النحو الأساسية. مما شجع بعض فريق تحرير "بص وطل" على شرائها لاقتناء هذا الجدول، ومنهم من علقه أمامه مع أنه كاتب ويتقن اللغة بدرجة جيدة جداً لكنه لا يرضى بالهنات.

وأعتقد أن من القراء من سيعارض الموضوع، ولا يرى أي أهمية للغة العربية تماشياً مع متطلبات السوق التي تشترط للتوظيف إجادة الإنجليزية، ولا تشير إلى اللغة العربية على الإطلاق. وأقول رداً على تلك النقطة: إن الإتقان ليس حكراً على اللغة الثانية، واللغة العربية لا تمنع وجود لغات أخرى بجانبها في العقل. بل إن إتقانها أولاً يساعد بصورة أكبر في تعلم لغة أخرى؛ لأن المهارات المتطلبة واحدة. بل إنها تحسّن ثقافة متقنها، وتوسّع أفقه، وتزيد من قدرته على التفكير بطرق مختلفة.

ولأن اللغة مظهر من مظاهر الحياة اليومية والاجتماعية وتتأثر بالمستوى الاقتصادي والتعليمي والسياسي، فهي بالتأكيد تتأثر بما طرأ على الحياة من تغيرات، نتيجة التطور التكنولوجي مما أوجد مسخاً اسمه العربي الفرانكو أو Franco-Arabic. وهي طريقة لكتابة اللغة العربية بحروف وأرقام إنجليزية تعتمد على الاقتصاد المُخلّ بالمعنى والاختزال المُعيق للفهم الطبيعي.

في بادئ الأمر كانت الكتابة بالفرانكو وسيلة لمن لا يكتب جهازه اللغة العربية ولا يقرأها. لكن الكارثة أنها انتقلت إلى رسائل الموبايل، واعتاد الشباب الكتابة بها حتى مع تطور النظم والبرامج بحيث أصبحت كل برامج التشغيل في الشرق الأوسط قارئة للعربية، وإن كانت هي نفسها بالإنجليزية، كما هو الحال في جهازي الذي كتبت منه هذا المقال. والكارثة الأكبر أن الكثيرين لم يعد في قدرتهم الكتابة بغيرها، وأغلبهم ليس لديه لغة ثانية.. وبهذا صار لدينا جيلٌ لا يعرف كيف يكتب العربية، ولا يستطيع أن يعبّر عن نفسه بها، ولا حتى بكتابة ما يتحدث به منها، كما هو الحال في الأمثلة التي أوردتها ولا يملك لغة أخرى!

المروِّع بحق أنه يساير انحطاطَ لغة التخاطب والتعبير مظاهرُ اجتماعية شاعت بل وأصبح بعضها محبباً ومحبذاً. وفيها اختلافات نوعية؛ فالشباب لديهم طرق تعبير لغوية خاصة بهم يتبارون في تخليقها، اعتماداً على ألفاظ خارجة، وثقافة عنف، وجنس. أما البنات فشاع بينهن التفنن في ليّ عنق الكلام، والترقيق المتعمد لمخارج الحروف بطريقة مُسفـّة من وجهة نظري. لكنها من وجهة نظرهن دليل على الأنوثة!! وهكذا ارتبطت الثأثأة والتعتعة والتلعثم -وهي عيوب كان الناس يتحرجون منها ويخفونها- باللطف والرقة والدلال. مما يعني تشوه منظومة القيم والمعاني، مما يعني أن ثقافتنا في انحدار، وأن اللغة تشارك حتماً في ذلك كما قال "جورج أورويل".

ولكن...

سأكسر حدة النقاش وأخرج منه لنقطة أكثر فاعلية؛ فلن أكتفي بمناقشة الكارثة، وأضع نقطة في آخر السطر وأرحل، بل سأسأل: وما العمل؟ وماذا بعد؟ ولا يُجِبْني أحد بأننا لا نملك فعل شيء؛ لأننا لا نملك الأسباب.. فنحن لا نتصرف في اقتصاد البلد، وليست لنا سدة الحكم؛ لنصلح التعليم، ونوجه الإعلام لما يفيد وينفع.. بل إننا نملك وفي أيدينا الكثير لنفعله.. وليكن هذا التحقيق انطلاقة لدعوة قد تكبر يوماً لتصير حملة.

ونبدأ بأن كل من يقرأ هذا التحقيق ويريد التعليق عليه يقرأ تعليقه أولاً، ويتأكد أن السين التي كتبها ليست ثاء، وأن الألف ليست قاف، وأن الهاء ليست تاء. ليس تعليقاً على هذا الموضوع فقط بل على أي موضوع تريد التعليق عليه في "بص وطل"..

ومن (يُدَرْدِش) ويكتب بالفرانكو، عليه أن يتوقف عن ذلك فوراً، ولا يقول إنه اعتاد على تلك اللغة، ولن يستطيع التخلي عنها، فمن عوّد أصابعه عليها -وهي كائن غريب وأؤكد على أنها مسخ يخلو من أي جمالية أو فن- يستطيع أن يعوّد نفس الأصابع على كتابة العربية بالحروف العربية..

نخصص نصف الوقت الذي نخصصه للتلفزيون والفرجة على الإعلانات العقيمة- للقراءة، ونتعامل مع ما نقرأه بفن، ومع اللغة على أنها جمال علينا اكتسابه والحفاظ عليه..

أن يمتلك كل واحد منا معجم عربي يعود إليه كلما شقّ عليه فهم كلمة أثناء القراءة سواء كان يقرأ رواية أو عملاً أدبياً أو يقرأ القرآن الكريم.

لا أتخيل أن يقف أي إنسان واعٍ مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة التي تحُول دون فهم الكثير من الحوارات التي تدور أمامي أو خلفي في المواصلات والأماكن العامة. حوارات تشبه الأسلوب المتبع في حوار مسرح العبث، حيث جمل غير مكتملة، وغير مفهومة بين الشخصيات ممثلة قمة العبث، كما في رائعة "توم ستوبارد" "Rosencrantz and Guildenstern are Dead"، "موت جلدنسترن وروزنكرانتز" 1990. و"جلدنسترن" و"روزنكرانتز" هما شخصيتان هامشيتان في مسرحية "شكسبير" (هاملت)، وهما صاحبا طفولة الأمير "هاملت"، وكان عليهما تسليمه لملك النرويج، ويحملان رسالة تأمر بقتله. وقد استخدمهما "توم ستوبارد" كشخصيتين رئيسيتين في مسرحيته، وفي الفصل الأول يقف البطلان يلعبان لعبة "ملك وكتابة" بالعملة المعدنية في انتظار دورهما. ويدور بينهما هذا الحوار**:
"جلدنسترن": لا يوجد ما يكتب عن الوطن.. الوطن.. ما هو أول شيء تتذكره؟
"روزنكرانتس": أووه.. لنرى... هل تعني أول شيء يرد في ذهني؟
"جلدن": لا.. بل أول شيء تتذكره.
"روزن": آآه.. (ثم يصمت) أوه.. لا.. هذا غير جيد.. لقد ذهبت.. كانت منذ فترة طويلة.
"جلدن" بصبر لكن بضيق: أنت لم تفهم قصدي. ما هو أول شيء بعد كل الأشياء التي نسيتها؟
"روزن": آآه.. فهمت.. (ثم يصمت).. لقد نسيت السؤال!

مظاهر تدني مستوانا في اللغة عديدة، وكلها من ناس أنهَوْا تعليمهم الجامعي، ومنهم طلبة كليات قمة يعني مفترض أنهم حصلوا على درجة عالية في اللغة العربية المظلومة -درجتها 30 فقط- مقارنة بمحتواها الضخم جداً. وهي أمثلة تدعو للأسف، وتذكرني كل يوم بقصيدة (اللغة العربية تنعي حظّها بين أهلها) التي كتبها "حافظ إبراهيم". ماذا لو كان حافظ حي يرزق بيننا؟! أعتقد أن عنوان القصيدة ومضمونها كان سيختلف كثيراً. فأولا لن تكون اللغة العربية هي المُتحدثة في القصيدة. ثانياً: سيكون العنوان "اللغة العربية رحمها الله ويرحمنا بعدها".

أقول ذلك أم أتشبث بما تبقى لي من أمل واهن، وأقول إن البعث محتمل؟!

* مترجم من المقال مباشرة
** الحوار ترجمته أيضاً من النص الأصلي


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني