history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

عارف فكري

هنّ النساءُ - وإن أخفين مايبدو
فعلُ الجمالِ لفعل الحبّ يسعدها
تدنو.. ويدنو مع الخطواتِ وقعُ دمي
إذ يستعيدُ شذى الذكرى.. فيذكرها

من قصيدة "ضع قبلة فى الريح"، من ديوان "تعوّد أن تموت"

فى البدء: كان الحزن!

فى البداية، سيشدّك العنوان الغامض، الجذّاب، حيث يدعوك الكاتب للموت.. كلا.. كلا.. ليست دعوة عادية بأن تترك أنفاسك تخرج بلا عودة. فى الواقع هو لم يحدد طريقة الموت منك. كل ما طلبه منك هو أن تتعود الموت! ولعمرى لهو مطلب غريب يحتل الصدارة على غلاف الديوان الشعرى الأول الذى صدر للشاعر الشاب وطبيب الأسنان: "عادل محمد" عن دار "اكتب".

وعندما تقلب صفحاته -يحتوي على ما يقرب من عشرين قصيدة- سيدهشك هذا الزخم الغريب من أصناف الحب، والحزن. فهناك حزن مرح، وهناك حزن ثقيل كشتاء ليل طويل لا ينقضي. وهناك حزن قلق، متوتر كالسهم يشدّ على القوس انتظاراً لإطلاقه. وهناك حزن شفاف، ناعم، مؤسي. وبالرغم من هذا فأنت ترى فيه الحياة، الحب. وحقيقة تزداد دهشتك لأقصاها للموضوعات التي اختارها الشاعر لديوانه. فبينما هناك موضوعات تقليدية –مثل موضوع قصيدة الغلاف مثلاً– ستجد هنا أن البطل الحقيقي هو المعالجة، والنظرة المدققة الفاحصة ذات الذكاء المتميز في التعبير. وسنعرف أن الأفكار موجودة على قارعة الطريق فعلاً، لكن يظلّ المحكّ هو لعبة الكريات الزجاجية، واختلاق طرق تعبير جديدة بقدر الإمكان.

حسناً.. لو كانت الحكم، والأمثال، وقيم الحياة المجردة تصلح للوعظ المباشر فقط في توصيلها إلينا، ما قام الفن بكل صنوفه بإعادة صياغة الفكرة من جديد في قالب ممتع، بالصورة الجمالية التي كافح الأدباء والشعراء كثيراً في الحديث عنها حتى بحّت أصواتهم.

سحر اللغة، وموسيقى اللفظ!

البطل الأول في عالم الشعر: اللغة.. اللغة عندما تتميع، وتتخذ شكل السهل الممتنع، تغدو مهمة الشاعر في إمتاعنا سهلة وميسورة. إن التكلف، والإغراق في الحداثة -وكم من الجرائم ارتكبت تحت عباءتها- تدخلنا في متاهات اللفظ، والتقعر.
في الديوان ستجد عناية فائقة من الشاعر باللغة. إنه يحنو عليها، ويهمس كثيراً في أذنها. أو الأدق: أنها تهمس هي في أذنيه، وتعطيه الكثير من هباتها، ويستجديها لكي تعبر عن مكنونات النفس. كما قلت من قبل إن معظم موضوعات الديوان تم طرق أبوابها من قبل، وللشاعر ميزة الزاوية التي طرق منها.

فى قصيدة "تعوّد أن تموت" لدينا حالة الانعتاق عن الآخر.. الانفصال عن الحبيب.. الشاعر يحترم تلكم التجربة، لكنه يطلب من بطله في حسم أن يتعوّد الموت من غيرها، بدلاً من أن يطلب منه الحياة والاستمرار!

انظر.. إنه يقول:
غداً إذما تقابلها
تمالكْ قلبكَ المهزوز
ورعشة صوتك الباكي
ونزفة حبّكَ الموخوز
توهّم أنّها أخرى
إذا معها الخيال يجوز
ستعرف من حلى يدها
الذي بالأمنيات يفوز

وبرغم تلك القسوة الحانية لو جاز التعبير، فإنه يواصل الضغط على روح بطله بقصد إيقاظه وتبصيره بالأمر:

بعمرك كن حيادياً مع الذكرى
مع ما كان..
ما قد كان سوف يكون..
ما لم –بينكم– يكنِ
ومرّ على رسائلها مرور الغافل الفطنِ
وسلها عنه في شغفٍ ويوم زفافها غنِّ
تنكّر وجهها المنثور فوق قصيدة الوطن
ويأتي أروع بيت في القصيدة من وجهة نظري
تعوّد لا تقل "نحن"
وعُدْ بضميرك المفرد

هكذا تدرك أن الشاعر يطلب الحياة من بطله، لكن بطريقته الخاصة.. إن الدعوة للموت هنا، هي دعوة للحياة، والبدء من جديد.

رومانسية الحزن، وصقيع الشتاء!

بجانب الموضوعات التقليدية، هناك موضوعات مبتكرة لا أظن أنني قد قرأتها من قبل. وإذا كانت قصيدة "لا تكذبي" للشاعر "كامل الشناوي" تتحدث عن الخيانة، فإن الشاعر هنا يتخذ الخيانة كملعب أوسع، وأكثر دلالة من القصيدة السابق ذكرها. فقد قام بكتابة عدة قصائد بعناوين: دعني أخونك – دعني أخنك- دعني أخونُك!
وأزعم أن المعالجة هنا تكاد تخلق الموضوع من بدايته، فمن الخيانة الغليظة الحسية للرجل، ينتقل الشاعر بمرور شفاف إلى خيانة المشاعر راصداً التقلبات والتطورات بدقة مدهشة، وكأنما هو طبيب نفسي وليس شاعراً.

من وجهة نظري أن القصيدة الأروع والأجمل هي قصيدة "ستنجب وردة صفراء". هذا الاسم الذي حيرّنى كثيراً، واعترف بأنني ظللت وقتاً حتى فهمت مقصد الشاعر. ليس لغموض الحالة، بل لأن التكنيك المتبع مربك، وممتع في نفس الوقت. هنا تنساق أنت مع تيار القصيدة الرقراق، الآسر. الموضوع هنا يتلخص في جملة واحدة: مأساة امرأة لا تنجب، يلجأ زوجها لأخرى لتحقيق حلمه.. يا لروعة الوصف، والحالة النفسية الدقيقة، والحزن العميق الذي يجعل البطلة تستسلم للقضاء.

بوجه عام يغزل الشاعر خيوطه تيمة الحزن. والحزن هنا يغزل –بدوره- خيوطه في عاطفة الحب. وبرغم القتامة التي يبعثها عالم الشاعر، إلا أنك تحسّ بأنه يتحدث عن الحزن كمفردة من مفردات الحياة.. إنه لا يلغيها بجرة قلم، بل يطلب التعامل معها بحكمة.
ونهمس في أذن الشاعر بأننا نلمح في ديوانه اتجاهاً قوياً للحداثة والتجريب. وهو أمر جميل للكاتب أن يفعله، بعد أن يستوي سوقه، ويكون قادراً على خلق عوالم جديدة في الفضاء، شريطة أن يصنع أرضاً صلبة يقف عليها. لست ضد الحداثة عموماً، لكني أعتبرها فخّا مهلكاً لو لم يحسن الأديب عموماً، والشاعر خصوصاً التعامل معها. فمع إبهار التجريب، وتكنيك الكتابة قد يضيع المضمون خلف تهويمات تضرّ العمل، ولا تنفعه.

الديوان الأول للشاعر الموهوب حقاً "عادل محمد" كان موفقاً في خلق حالة من الإمتاع عجزت دواوين أخرى عن عملها. ونرجو أن نسمع مستقبلاً عن اسمه مقترناً بأسماء عظام الشعراء..

مقتطفات من الديوان


بعضُ الرّجال ذئابٌ إن يتملكوا،
كلّ النساء إذا غُدرْنَ.. فلا نذير
أنا لا أردّ الطعن طعناً
غير أنّك لن تنام الّليل – بعد الّليل –
مستلق قرير

من قصيدة "دعنى أخونك/ رؤية أولى"

والآن إذ تمشين نحوي
أستبيح دم القصيدة
كي أثور على قوافيَّ الضعاف
فلنتفق.. لا نفترق
لا نستسيغ الآن بعداً
ما زاد عري شعورنا إلاّ انكشاف

من قصيدة "عبث"

أرجوك لا..
أرجوك لا تسمع ندائي
فهي الحياة.. هو القدر
هو الابتلاء المرّ أبداً لا يمرُّ.. ولا مفرّ
إن كلّنا رُمْنا التماسَ نهارنا
مَنْ في سبيل الشمس يغتالُ القمر
خوفي علينا
إن رحت تنشد حلمنا في رحمها
ولم تلد رحم القدر

من قصيدة "ستنجب وردةً صفراء"

 


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني