الإثنين...
مديرية أمن القاهرة...
السادسة صباحاً...
-أنت تقول ضرباً من خيالات الصحفيين، وتريد مني أن أصدقك..
-صدقني؛ لأن ما أقوله لك هو الحقيقة..
كان الحوار بيني وبين "عماد" قد وصل ذروته.. ساعات عديدة بلا نوم.. مئات من أقداح القهوة حتى تشعر أن ذبابة لو حطت على أنفك سوف تطلق الرصاص عليها بلا رحمة..
قلت وقد استبد بي الأمر:
-"عماد".. دع لعقلك الخيال بعض الشيء.. قاتل متسلسل شديد البراعة... يقتل كل يوم ضحية بلا سبب منطقي سوى أنه يحب روايات "منصور يس".. ترك لنا في البداية طرف خيط صغير، وعرف أننا لن نفهمه إلا بعد حين... هو يريد منا أن نلعب معه.. وأعتقد أنه يريد أن يقودنا إلى نهاية الخيط؛ حتى يستمتع بما يفعله.. ألم تدرس علم نفس الجريمة من قبل؟؟!!
-بل أنت تخرِّف ولا شك.. القاتل قد يترك خيطاً على سبيل الغرور.. لكنه على الأغلب ما يكون خيطاً مزيفاً؛ حتى يشغل تفكيرك عن تحركاته الحقيقية.. وليس؛ ليقودك إليه أو إلى جريمته..
ثم نهض؛ ليعدل قليلاً من وضع ثيابه الرثة -التي لم أره بغيرها منذ أسبوع- قائلاً:
-ثم إن التحريات عن تلك الفتاة المدعوة "مي" قد اكتملت، وقد وضعت حراسة مشددة على ثلاث فتيات ليل.. ودون أن يشعرن تماماً بأي شيء..
ثم ربّت على كتفي متابعاً:
-اذهب الآن إلى شقتك ونمْ نوماً هنيئاً.. سيقع هذا الوغد في قبضتنا قريباً.
-كنت أتمنى أن أكون متفائلاً مثلك.. لكن شيئاً ما في رأسي يقول: إنني على صواب.. سمِّهِ حاسة الصحفي أو شيئاً ما.. لا أدري..

كنت أستعد للخروج، حينما دخل ذلك الباب المدعو "بسيوني".. وهو مخبر مباحث مثالي.. ضخم الجثة إلى حد مرعب، وقال:
-"عماد باشا".. هناك فتاة تريد مقابلتك..
-دعها تدخل..
هنا أكلني الفضول، فجلست قليلاً.. إلا أن "عماد" نظر نحوي بنظرة معناها: أيها المراهق.. جلستَ بمجرد أن سمعت أنها فتاة.. إلا أن الأمر كان مختلفاً تماماً.. شيء ما أمرني بالجلوس.. أمرني بأن أجلس حتى أرى تلك الفتاة رقيقة الملامح.. بسيطة الثياب تدخل إلى الغرفة، وتقول:
-"الرائد عماد"..
-كيف يمكنني أن أخدمك يا آنسة؟.. يمكنك الجلوس.
بدت متوترة جدًّا، وهي تتابع:
-منذ ساعة كنت خارج البيت أحضر الإفطار لإخوتي الخمسة، حتى يذهبوا إلى مدارسهم.. وعندما عدت إلى البيت وجدت مظروفاً أبيض اللون غريب الشكل..
-هل كنتِ تعملين فتاةَ ليل يا آنسة؟؟؟
كانت هذه الجملة مني أنا، فالتفتت نحوي مندهشة، وقالت:
-كنت يا سيدي.. لكن الله تاب عليّ.. والحمد لله أنا أعمل خياطة في المنزل.. ولكن كيف عرفت ذلك؟
ارتسمت على وجهي علامات الانتصار، فالتفت "عماد" نحوي، وقال:
-لا عليك.. الأستاذ مكشوف عنه الحجاب.. تابعي.. ماذا وجدتي في هذا المظروف؟
مدّت الفتاة أصابعها إلى حقيبة يدها الممزقة، وتناولت منها مظروفاً ناصع البياض ناولته إلى "عماد" الذي فض المظروف بفاتحة الخطابات، وأخرج منه بطاقة بلاستيكية صغيرة.. مرر نظره على محتوياتها، ثم نظر نحو الفتاة قائلاً:
-ماذا يمثل لك غداً.. الثلاثاء؟
-إنه عيد ميلادي يا سيدي.. لماذا تسأل؟؟
-ما الذي دعاكِ لكي تأتي إليّ أنا بالذات..؟؟
-الإعلان الذي نشرته المديرية في الجريدة.. وطلبت فيه الإبلاغ عن أي معلومات تخص ذلك القاتل.. كما أن إحدى صحف الحوادث نشرت تفاصيل جريمة الوزير، وجريمة ذلك الرجل الذي أكلته الأسود..
نهضت وقد أكلني الفضول.. وانتزعت البطاقة من بين يدي "عماد"، ثم ارتسمت على شفتي ابتسامة انتصار، وانا اقرأ ما كتب بها:
غداً سيظل يوماً هامّاً في حياتك.. "مــــــــــــي"
بدت الفتاة قلقة ومتوترة بشدة.. بينما بدا "عماد" أكثر توتراً وهو يجري العديد من المكالمات التليفونية، ويصطحب الفتاة معه إلى العميد "لطفي" محاولاً إيضاح الموقف لها.. وبدأ يعد استحكاماته في منزلها؛ استعداداً لاستقبال ذلك القاتل الغامض.
-ولكن يا "عماد" ما الذي يدعوك للتأكد من أن القاتل لا بد وأن ينفذ جريمته غداً.
-أنت من أوحى لي بهذه الفكرة... هو لن يقبل أن يفسد أحد عليه يومه.. هو يريد تنفيذ جريمته في ميعادها.. أما نحن فسنرابط داخل منزل الفتاة دون أن يشعر هو.. ونكون في استقباله بالورود والأكاليل...
وسحب مشط مسدسه، وكأنه قاتل محترف متابعاً:
-سيقع ذلك الوغد.. وحقِّ كل روح أزهقها سيقع..
أما أنا فلم أكن موقناً مثل "عماد".. شيء ما يقول لي أن الأمر لن يسير على ما يرام..
شيء ما راح يكبر في عقلي ويخبرني أن الأمر ليس بهذه البساطة...
ولكن.. إذا لم يكن كذلك.. فكيف يكون؟
فليخبرني أحدكم قبل أن أجنّ...
******
الاثنين..
شقتي بحي الدقي..
الحادية عشرة والنصف مساء..
جلست أمسك بورقي وأقلامي العديدة في إحباط شديد محاولاً أن أكتب مقالي الأسبوعي اللعين؛ حتى لا يلقي بي رئيس التحرير من نافذته في الطابق السابع عشر..
لا أدري متى أفقت من حالة التوهان التي كنت فيها.. لأجد نفسي قد ملأت الأوراق بالشخبطة.
نظرت نحو الأوراق لأجد وسط الشخبطة تلك الحروف مزينة بأشكال غريبة:
(ب.... س... ا.... م.... ق.... م...)

ما هذا الذي كتبته؟؟!!... يبدو أن هذه الجرائم ستصيبني بالجنون..
لم تمضِ سوى لحظات حتى اكتشفت أن هذه الحروف هي الحروف الأولى من أسماء الروايات الست التي ورد ذكرها في الجرائم..
صحيح أن الجريمة السادسة لم تحدث بعد -وإن كنت أتوقع حدوثها قريباً- إلا أني لا أعرف لماذا كتبت تلك الحروف الآن..
شيء ما في نفسي أمرني أن أفكر فيها وأكتبها..
شيء ما يخبرني بأن غرور هذا الوغد جعله يترك لنا لغزاً حله هو مفتاح كل هذه الجرائم..
فربما كان ترتيب هذه الحروف يعطي كلمة ما أو جملة ما أو عدة كلمات..
ولكن ما هو الترتيب الصحيح؟
ولكن لحظة..
ماذا لو كان هذا الأمر عادياً؟.. وهو يقوم بجرائمه من دافع القتل والانتقام بصورة تجعله مشهوراً؟..
ولكن أي صدفة سيئة تجعل رجلاً يريد الانتقام من هذه الشريحة المتباينة من الناس..
وهنا وجدت نفسي أرسم ملايين من علامات الاستفهام فوق الورق حتى غطته كله..
قديماً قال علماء النفس إنه عندما يمسك إنسان بالقلم، ويترك لنفسه العنان على الورق.. فإن كل ما يخطه أو يكتبه هو مرآة تعكس ما بداخله..
أعتقد أن هذه النظرية تنطبق عليّ بشكل يفوق الوصف..
فداخلي تكونت علامة استفهام كبيرة بداخلها مصباح قوي يريد إخباري بأن شيئاً ما في نظريتي صحيح..
هذا الوغد يريد أن يخبرنا بشيء ما..
يريد اللعب واللهو معنا؛ لكي يبعد أعيننا عن حقيقة ما..
ولكن ما هي أغراضه..؟؟؟
وما هي اللعبة التي يريد أن يلعبها..؟؟
غرقت في تأملاتي وتساؤلاتي فقط، لأجد أن الساعة الآن هي الثانية عشرة والربع.. وأن جرس هاتفي المحمول يستغيث بي لأخفف عنه عذاب الكلمات..
نظرت نحو الهاتف.. منتوياً عدم الإجابة لولا أني وجدت اسم "عماد".. فمددت يدي وأجبت لأجد صوت "عماد" الغاضب يصرخ حتى أوشك على تحطيم أذني الداخلية:
-لماذا تأخرت أيها الوغد؟؟..
-كف عن سلاطة لسانك الآن.. أخبرني ماذا حدث.. هل ماتت الفتاة..؟؟
-عليك اللعنة.. لا وقت لأسئلتك.. أريدك الآن في مكتبي في المديرية، وأحضر كل شيء يمكنك به أن توضح نظريتك اللعينة عن ذلك الوغد..
ثم صمت قليلاً، وقال وقد انخفض صوته إلى حد كبير:
-أرجوك يا "أكرم".. أسرع؛ فالوضع في غاية الخطورة.. والجريمة حدثت من أسفل أنوفنا هذه المرة.
أغلقت الخط وقد تيبَّست يدي حول الهاتف.. وبدأت الرؤيا تتشوش أمامي.. فخلعت نظارتي الطبية، ورحت أفرك عيني... هذا الوغد في غاية البراعة ولا شك.. فكيف استطاع أن يقتل الفتاة.. ويرتكب جريمته من تحت أنف ذلك الديناصور "عماد"، ومساعده "بسيوني" الشبيه بقطار الصعيد..
الواقع أن اليأس قد بدأ فعلاً يغزو روحي وقلبي.. الأمر جد خطير.. وأنا لست بطلاً ولست حفيداً لـ "شيرلوك هولمز"..
ولكن إذا كانت نظريتي صحيحة..
فأين مفتاح اللغز؟..
فليجبني أحدكم..
******
الثلاثاء..
مديرية أمن القاهرة..
الثانية صباحاً..
"عماد" يجلس على مكتبه، وبيده كوب من الفوار.. يبدو أن معدته لم تعد تحتمل وأطلقت كل أحماضها المفيدة منها والضارة؛ لتغزو جسده الضخم..
الواقع أنني ابتسمت رغماً عني.. فقد كان منظره المبتئس وتلك الكأس.. ولفافة التبغ في يده الأخرى.. يذكرني بأحد روّاد خمارة "يني" الشهيرة التي تملأ أفلامنا القديمة في مصر..
استقبلني بابتسامة عبوس -لا أدري كيف تكون الابتسامة عبوساً- وقال:
-والآن.. أعد عليّ نظريتك بخصوص الأحرف والكود السري..
-لن أخبرك بشيء قبل أن تخبرني بما حدث.. كيف ماتت الفتاة؟؟..
مال عليّ بجسده إلى الأمام، وتعمّد إخفاض صوته، قائلاً:
-استمع إليّ جيداً.. ولا تفوّت كلمة مما سأقول.. فربما نفعتك بشيء.
-كلي آذان مصغية يا سيادة الرائد.
وبدأ يحكي لي ما حدث.
******
(ملحوظة من "أكرم": اضطررت لتصحيح العديد من الأخطاء الإملائية في رواية عماد والتي تنمّ عن معرفة واسعة باللغة العربية...!!!)
اعتدل "عماد" في جلسته، وقال:
كنت جالساً أنا و"بسيوني" واثنان من الرجال في صالة الشقة المتواضعة... كنا ندخن، ونتسلى بالحديث عن عمليات سابقة لنا.. عندما دخل علينا أحد إخوة الفتاة الصغار، وبيده صينية عليها خمسة أكواب من الشاي، فقلت في لطف وأنا أحاول أن ألاعبه في خده المتورد:
-لمن الخامسة يا حبيبي؟؟
نفض يدي من فوق خده، وقال في سخافة لا أحسده عليها:
-إنها لأبلة "ميّ".. قالت إنها سوف تستحم، ثم تخرج للجلوس معكم..
ثم نظر نحو "بسيوني"، وقال في براءة:
-وقالت إن عمو الضخم قد أحضر معه مصاصة وشيكولاتة لي..
ابتسم "بسيوني" في حرج، بينما انفجرنا نضحك في سخرية على "بسيوني"، وهو يقلب جيوبه بحثاً عما ذكره الفتى، ثم رفع كتفيه علامة على الاستسلام، فضحك الصبي، وقال:
-وضحكت عليك يا عمو.. أنا أذكى منك..
-يا ابن الشياطين..
ثم نهض "بسيوني" محاولاً الإمساك به، بينما الصبي يتملص منه، وهو يخرج لسانه له وسط ضحكاتنا المجلجلة، ثم قلت محاولاً ادّعاء الحزم:
-كفى يا "بسيوني".. هيا يا حبيبي.. قل لأبلة "ميّ" إننا في انتظارها؛ لتشرب الشاي معنا.
تركنا الصبي، وعدنا لحديثنا من جديد، فبصق "بسيوني"، ومسح بصقته بقدمه غير مبالٍ بنظرات التقزز، وقال:
-ولكن يا جناب الباشا.. لم أصدق أبداً أن هذه الفتاة كانت في يوم من الأيام تقف على النواصي تتصيد الزبائن..
-إنها رحمة الله ومغفرته يا رجل.. ثم إن ظروفها كانت بالتأكيد أسوأ منا جميعاً..
ثم نفثت دخان لفافتي، وقلت:
-مجتمعنا يا "بسيوني" لا يرحم.. قد يمد لك يد المساعدة إذا سقطت مرة.. لكنك لو سقطت ثانية... سيمدها؛ ليمنعك من القيام..

انتهت كلماتي.. وأعقبتها صرخة طفل صغير جعلتنا ننتفض واقفين.. ولا أدري لم نظرت في ساعة الحائط المتهالكة، لأجد الساعة قد عبرت الثانية عشرة وعشر دقائق.. واتجهت بسرعة البرق نحو الحمام لأجد كومة من الأطفال تبكي وتصرخ في رعب..
أما هناك داخل حوض الاستحمام الذي أكلت البارومة أغلب أطرافه فقد كانت ترقد "مي"..
ترقد بلا حراك..
وهنا خرجتُ مسرعاً إلى باب الشقة -لا أدري ما الذي دفعني إلى ذلك- لأجد أنه لا أحد بالباب، ووجدت ورقة صغيرة..
ورقة كتبت عليها كلمة من حرفين فقط، لكنها كانت آخر كلمة أتمنى أن أقرأها الآن..
"مــــــــــــــــــي"..
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"حكاية سبعة حروف "
:: مــــاو.. (3)
:: آدم في القفص.. (2)
:: بلا عظام.. (1)
* * *


