الأحد...
شقتي العامرة بحي الدقي...
العاشرة مساء...
إحدى عشرة ساعة كاملة بلا نوم... أقداح القهوة وعلب التبغ مختلفة الأنواع.. ومازلنا نحاول أنا و"عماد" الوصول إلى أي حل لمعضلة ذلك القاتل الذي يهوى روايات وقصص "منصور يس"..
وبعد إحدى عشرة ساعة لخّصت ما وصلنا إليه في عدة نقاط، وكانت في غاية الوضوح..!!

1-هذا القاتل يهوى أعمال "منصور يس"، وفي الأغلب كان يتمنى رؤيتها في فيلم أو مسلسل، فاتخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة الجليلة.
2-هذا القاتل مخبول أو مريض نفسيّاً.
3-يختار الجرائم بشكل عشوائي برغم تخطيطه السابق لها.
4-سريع الحركة بشكل مقلق.
وبعدها وصلنا إلى استنتاج بليغ، وأنه قد تشيب شعورنا قبل الوصول إلى جريمته المقبلة.
اعتدلت بعد أن خططت ذلك الاستنتاج بخط واضح كبير، وقلت:
-الغريب في الأمر أن ذلك الوغد يختار القصص بعشوائية شديدة.. فمثلاً (آدم في القفص) من أقدم قصص "منصور يس"، و(ماو) من أحدثها... لكن
-لكن ماذا؟؟ تحدّث..
قلت محاولاً تصديق ما أقوله:
-أغلب قصصه بها نوع من العدالة الشعرية.. فكلّ من ماتوا كانوا ظلمة وجبارين.. الموظف المهمل، والمسئول الكاذب، والزوج الذي خدع زوجته..
-هذا جيد.. يمكن اعتباره رابطاً بين جرائمه.. لقد قابلت العديد من القتلة ممن يظنون أنفسهم حماة المجتمع.
نظرت له في شرود، وقلت في إحباط:
-لكن الخادم في قصة (ماو) كان طيباً وكريماً معه.
-على الأقل كان شريراً كالباقين من وجهة نظر "ماو"..
نظرت نحوه وقد انتبهت للمرة الأولى لذلك.. هذا الرجل يقتل من وجهة نظر أبطال القصة، وليس من وجهة نظر المجتمع.. يمكن اعتبار هذا خيطاً.
-إذن فيمكننا تضييق البحث على أربعة قصص على الأرجح.
نظر نحوي، وقال:
-وما هي هذه القصص؟؟؟
رفعت يدي أعد على أصابعي:
-(قطار)... (سيدة القبور).. (مي)... (لاعب البلياردو).
-رائع.. إذن فنحن أمام أربع جرائم يمكن تنفيذها.. إني في غاية البهجة..
ثم زفر زفرة كادت تحرق وجهي.. وأشعل لفافة تبغ راح ينفث دخانها في غل.. وقتها أشفقت على هذا السفاح إذا وقع في يد "عماد".. أعتقد أنه سيتمنى لو مزقته عجلات قطار مسرع قبلها..
قطع جرسُ الباب تلك الأفكار.. وذهبت لأفتح لأجد "منصور يس" على الباب، وبجانبه شاب نحيل أسمر البشرة.. يوحي منظره بالطيبة، لكن شيئا ما في ابتسامته لم يعجبني، فرحبت بهما، ودعوتهما للجلوس معتذراً عن قذارة المكان بأنها شقة (عازب)، فابتسم "منصور" معقباً:
-عندما كنت في سنك كانت شقتي أشبه بعرين فرس النهر.. نسيت أن أعرفكم بمساعدي.. إنه الأستاذ "سيد محمود".. شاب مكافح وطموح.. ويبدو أنه وهب حياته لي منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره.
-كلنا تلاميذك يا أستاذ..
قالها بلا أي شبهة نفاق أو رياء.. الواقع أنني قلما أجد تلميذا يحب أستاذه بهذا الشكل.. نظرات الفتى وكلماته عن أعمال أستاذه طوال جلستنا توحي بذلك.. ذكرني هذا الموقف بأديبنا العظيم "نجيب محفوظ" وتلميذه الأديب المتميز أيضاً "محمد سلماوي"..
راح "منصور" يستمع لنا في اهتمام شديد هو ومساعده، ولاقى استنتاجي قبولاً شديداً لديه، ثم قال:
-الواقع أن الأستاذ "أكرم" وسّع دائرة البحث قليلا.. إنها تنحصر في قصتين فقط.
اعتدل "عماد" وارتدى عويناته، وقال:
-ما هما بالله عليك يا أستاذ؟؟
-(قطار).. و(مي).. فـ(سيدة القبور) قصة تنتمي إلى أدب الميتافيزيقا.. وليست قابلة للتطبيق.. و(لاعب البلياردو) مات فيها بطل القصة، وهو يقود سيارته أثناء مطاردة الشرطة له..
نظر "عماد" نحوي بنظرة انتصار، وطلب من الأستاذ "منصور" أن يقص عليه ملخصاً لتلك القصتين، فتطوع "سيد" بحكايتهما.. ولا بد من أن أقول هنا أن الفتى يملك موهبة أدبية بلا شك، كما أنه سريع البديهة إلى حد غريب.. ومنظم الأفكار والكلمات إلى حد مرعب..
ـ (قطار) تحكي عن نصّاب محترف هوايته النصب على القرويين القادمين إلى القاهرة، وبالذات من الصعيد.. وفي أحد الأيام سينصب على فتاة فقيرة معدمة يتيمة هاربة من بطش عمها، ثم يغويها؛ لكي تساعده في اجتذاب الزبائن.. وفي أحد الأيام ستقابل الفتاة رجلاً يحاول هدايتها إلى الطريق الصحيح.. لكن ذلك النصاب سيتربص به ويقتله.. فتنوي الفتاة الانتقام منه.. فتخدره، وتذبحه، ثم تقيده أسفل فتحة خروج الفضلات في باطن القطار حتى يقضي الناس حاجتهم عليه.
نظرت نحو "عماد" لأجد وجهه ملأه التقزز.. الواقع أن "عماد" طفل صغير برغم همجيته وعمله كضابط شرطة..
ولاحظت أيضا أن الفتى يحكي القصص باستمتاع مبالغ فيه.. من الواضح أنه يعشق أستاذه إلى درجة الجنون بكل ما يكتبه..

-أما (مي) فهي قصة قصيرة تحكي عن فتاة ليل نذرت نفسها للانتقام من كل نساء الأرض ممثلين في زوجة أبيها التي فرّقت بين أبيها وأمها وعذبتها.. فصارت مهمتها التفرقة بين النساء وأزواجهن؛ حتى يهيم الأزواج بها حباً ثم تترك هذا إلى غيره.. وهكذا.. حتى يقتلها أحد هؤلاء الأزواج بعد أن تخلى عن أولاده وزوجته في سبيلها، ويغرقها في حوض الاستحمام.
التقط الفتى أنفاسه اللاهثة، ثم جرع كوباً كبيراً من الماء؛ حتى يبل ريقه على حسب ما قال، ثم نهض "منصور" والفتى، وأعلنا أنهما ينويان الرحيل؛ لأنهما مدعوّان لصالون أحد أعضاء نادي القصة، وأن المناقشة ستكون عن.. التطور الطبيعي للأدب التجريبي من خلال وجهة نظر نفسية وأيديولوجية... إلى ذلك القبيل من ندوات أصحاب مدرسة تجريبية القصة، والذي قرر الرجل وهو على مشارف الستين أن يخوض تجربتها..
عُدْت بعد أن ودّعتهما لأجد "عماد" يُجري بعض المكالمات من هاتفي، فما إن رآني حتى رفع رأسه قائلاً:
-سأجري بعض المكالمات بعد إذنك.
-لا عليك.. لا عليك..
كدت أقول له إنه ليس مركز اتصالات (الأمانة) حتى يستخدم هاتفي في مكالماته.. لكن واجب الصداقة جعلني أصمت، وجرعت جرعة من الماء حتى أبتلع صمتي.. وما إن أنهى المكالمة حتى نظر نحوي، وقال:
-لقد أصدرت تعليمات بمراقبة كل المسجلين خطر نصب لدينا.. وبالذات نصّابي محطات القطار، كما طلبت من زميلٍ لي في مباحث الآداب بالبحث عن فتاة ليل تدعى "مي" بأي شكل.
-أعتقد أنك لن تجدها.. فكلهن يهوين أن يناديهم الناس بأسمائهن المستعارة على سبيل "شوشو"، و"شيري"، و"سوسو"... إلخ
-لسنا في أحد مواقع الدردشة هنا.. فضباط الآداب لديهم سجلات كاملة عن هؤلاء الساقطات.
ثم ربّت على كتفي، ووضع مسدسه في جرابه أسفل إبطه، وقال:
-اذهب أنت للنوم الآن.. وسأوقظك في المساء لأشرب معك القهوة.
-سوف ألقي بالبن من النافذة بعد خروجك.
ابتسم وقد أخذ كلامي على سبيل الدعابة.. وراح يتعجب من ذلك الصحفي الذي لا يشعر بالفضول ناحية جريمة كهذه.. فكدت أخبره بأن من يصادقه يمكنه معرفة كل التفاصيل أفضل من أن يكون في موقع الحادث نفسه.. ثم إنني في الواقع أشعر بفضول أكثر نحو النوم.. إلا أن جرس الهاتف منعني من جعل خواطري علناً.. فرفعت السماعة، لأجد صوتاً يقول من الناحية الأخرى:
-سيادة الرائد.. أنا "بسيوني"..
احمرت أذناي من الغيظ.. لقد تحوّل بيتي إلى (سنترال) وأنا (عامل سويتش).. ناولته السماعة، فراح يتحدث بنفس لهجته المليئة بالهمهمة.. ثم ظهر عليه الغضب، وألقى بالسماعة حتى كاد يحطمها، فسألته عن السبب الذي يدعوه لتحطيم هاتفي، فقال:
-لقد سبقنا الوغد..
-القطار أم..
-لقد عثر أحد عمال ورشة القطارات على جثة معلقة في باطن القطار أثناء صيانته لدورة المياه.. والجثة ممتلئة بالــ... ليس هذا هو موضوعنا الآن.. وهي لرجل يدعى "صبحي فتوح" الشهير بـ"صبحي الهلفوت".. من المسجلين لدينا بقضايا النصب.. هارب من أحكام قدرها خمسون عاماً.. وقد وجدوا نفس البطاقة المشئومة في ثيابه، وبها كلمة واحدة..
قـــــطار

-أعتقد أنه من العدالة قتل هذا الوغد.. ولكن منذ متى والجثة معلقة.. الساعة الآن الثانية عشرة والنصف فقط.. يعني هذا أنه نفذ عمليته مع دقات الساعات الأولى من اليوم.. اليوم الخامس..
ثم نظرت نحو سقف الغرفة في شرود.. خمسة أيام مرّت منذ أول جريمة.. راح ذهني يسترجع تلك البطاقة التي عثر عليها عماد أول يوم..
وراحت العبارات التي كتبت عليها تعود إلى ذهني من جديد..
بلا عظام.. كل يوم حرف
ماذا يعني هذا الوغد؟؟؟
وهنا أضاءت الحقيقة في رأسي كمصباح...
كل يوم حرف..!!!!
يا لي من غبي...
كيف لم ألاحظ ذلك..؟؟؟
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"حكاية سبعة حروف "
:: آدم في القفص.. (2)
:: بلا عظام.. (1)
* * *


