history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

السبت...
مديرية أمن القاهرة...
الخامسة عصراً...

هالني ذلك المنظر الضخم المتمثل في كميات مهولة من النجوم والنسور القابعة فوق أكتاف هؤلاء الرجال خلال ذلك الاجتماع الذي حضرْته بناءً على دعوة خصيصاً من إدارة المباحث الجنائية..

كنت أجلس في طرف الطاولة على مقعد صغير أشاهد ذلك العرض بالشرائح المصورة الذي يقدمه ذلك الأرعن "عماد"، وهو يحاول أن يبدو متحضراً في تحدّثه عن ذلك السفاح وعلاقته بـ"منصور يس".. وما إن انتهى من شرحه.. حتى دعاه العميد "لطفي" للجلوس بجواري، ثم بدأ يتحدث عن الأمر.. وتوقعاته و..
-أستاذ "أكرم".
-نعم سيادة العميد..
-هل لك أن تخبرني كم مؤلفاً كتب ذلك الرجل "منصور يس".

تنحنحت محاولاً إعطاء أهمية ما لكلامي، ثم تابعت:
-في الواقع.. الأستاذ "منصور" له ما يزيد على ألفي مؤلف ما بين قصص قصيرة، وروايات، ومقالات.. إلخ
-إذن فنحن في أزمة حقيقية..

ثم راح يدقّ على الطاولة بأصابعه للحظات مرت كأنها أعوام، وقال:
-إذن.. فقد قرّرت تكليفك يا رائد "عماد" بهذه المهمة.. ولتوضع تحت يدك كل إمكانيات الإدارة.. ولا مانع من أن يعاونك الأستاذ "أكرم" بشرط أن يتعهد بعدم نشر أية تفاصيل حتى ينتهي الأمر.

كدت أخبره بأن حرية الصحافة تكفل لي أن أنشر ما أريد، إلا أني ابتلعت كلامي حتى لا يطلق الرصاص عليّ دون رحمة.. ونهضت مع "عماد" الذي اصطحبني إلى مكتبه.. ووجدت هناك سبّورة صغيرة من النوع الذي يكتب عليه بأقلام اليوكن السميكة.. فدعاني للجلوس، وأمر لنا بقدحين من القهوة، وراح يخط على السبورة بالقلم بضع كلمات، ثم قال:

-الأمر معقد فعلاً.. فلا علاقة بين الجرائم الثلاث إلا أنها مقتبسة بالحرف من قصص ذلك الـ"منصور يس"، حتى إن ذلك المدعو "آدم" تم تخديره وحقنه بمادة منوّمة شديدة الذوبان في الدم حتى يظهر أن الحادث جاء انتحاراً.. ولولا تحليل الحامض النووي المضاعف لما عرفنا بوجود تلك المادة.. تماماً كما كتب هذا اللعين قصته.

-ولولا البطاقة الأنيقة لما عرفنا أنها جريمة قتل...

-أعتقد أن رأسي أوشك على الانفجار..

ثم سقط على أقرب مقعد وهو يدفن وجهه بين كفيه.. الحقيقة أن "عماد" رغم كل مساوئه إلا أنه ضابط شرطة مخلص لعمله.. والأمر فعلاً يتبعه؛ لقلة حيلته.. وتهيّأ لي أنه لا يستخدم تلك الأساليب الهمجية التي شاهدته يستخدمها مراراً إلا مع من يستحقونها فعلاً..

أرحْت ساقي من ألم الحذاء.. يا لها من رائحة كريهة.. يبدو أنني نسيت وضع بودرة الأقدام.. فلتذهب أصول الإتيكيت إلى الجحيم.. إنني متعب ومرهق ومصاب بالــ...

فليخبرني أحدكم.. لِمَ يأتي النعاس بهذه السرعة؟!..

******

الأحد..
مكتب رئيس التحرير بجريدة (.....)
الثامنة صباحاً..

أوشك رأسي على السقوط من فوق جسدي من كثرة التعب.. وأنا أسترجع طريقة "عماد" الهمجية في إيقاظي من النوم بعد أن صبّ دورقاً من الماء المثلج فوق رأسي.. ورئيس التحرير يرغي ويزبد متوعداً كل من يخرج عن السياسة العامة للجريدة بالرفد وخراب البيت.. وتابعته بنصف عين ملأها النعاس يقول:
-أعتقد أنه أيضاً من الاحترام لرئيسك أن تغلق هاتفك المحمول أو على الأقل تغلق جرسه حتى لا تقطع الاجتماع... هل رأيك يخالف رأيي يا أستاذ "أكرم"؟؟؟

-بالتأكيد يا ريس.. أعني بالتأكيد لا يخالف رأيك.

لم أكد أتم عبارتي حتى دوّى رنين هاتفي المحمول يرجّ القاعة.. فاحمرّت أذناي خجلاً، والكل ينظر نحوي بابتسامة ساخرة.. فنهضت مسرعاً غير عابئ بأحد، وأجبت لأجد صوت "عماد" يدوّي من جديد:
-فعلها الوغد.. ابن الساقطة..

-من هو؟؟

-ومن غيره.. ذلك الوغد الذي يهوى كتابات "منصور يس".

بدأت أشعر بالاهتمام، وقد انتصب شعر رأسي، وقلت متسائلاً:
-ماذا فعل هذه المرة؟... أغرق شابة تدعى "مي"، أم قتل سيدة في بهو المتحف؟

-لا هذا ولا ذاك.. هل تعرف دار أيتام (...) للمعاقين المصابين بالعته المغولي؟

-تقصد (العته المنغولي)..

-تبّاً لك.. هل تعرفه؟؟؟

-بالتأكيد أنه قريب من بيتي بالدقي..

ثم انعقد حاجباي فجأة، وبدأت أفهم ما حدث، وقلت متردداً متمنياً ألا يكون صحيحاً:
-لا تقل لي أنه فعل مثلما فعل "ماو"؟

-لا أدري من هو "ماو" هذا، لكن ما أعرفه أن خمسة أطفال ماتوا بحالة تسمم حادّة.. وأن هناك خادمة قد فصلت رقبتها عن جسدها، ووجدنا بطاقة صغيرة فوق لوحة الإعلانات..

قلت مقاطاً:
-هذه قصة "ماو".. إنه شابٌّ مصاب بالعته المنغولي.. كان يكره إصابته، ومعاملة الناس له إلا خادم الملجأ الذي عاش فيه، والذي سماه "ماو" نسبة إلى "ماو تسي تونج".. وأعتقد أن السبب في ذلك هم الأطفال الذين يشبهونه، وأنه لو بقي هو فقط في هذا العالم بشكله هذا، فسوف تنصلح معاملة الناس له.. فوضع سم الفئران لكل زملائه في الطعام، وعندما عرف الخادم ووبخه.. قطع رأسه، ثم انتحر.

-يا لها من قصة شاعرية رقيقة.. الحقيقة أنني كل يوم عن الآخر أشعر بالتقزز من ذلك الرجل المدعو "منصور يس".. بالمناسبة الورقة كتبت عليها عبارة واحدة..
"مـــــــــــاو"...

-وبالطبع لم ينفذ الوغد القصة بحذافيرها ولم ينتحر.
-وكيف يكون وغداً إذن... المهم أني أريد رؤيتك الآن.
-بالتأكيد.. قابلني أمام منزلي بعد خمس دقائق فقط..


وهنا خرج الأستاذ "سعد" وهو صحفي عجوز في جريدتي من الغرفة، فقلت له:
-أستاذ سعد.. سأذهب الآن.. وإذا سأل عليّ رئيس التحرير، فقل له إنني أغطي حادث تصادم قطار المنوفية.

-ولكن يا "أكرم" لا يوجد حادث تصادم في المنوفية.

-فعلاً.. إذن فهو في الشرقية.. إلى اللقاء يا أستاذ "سعد".

وتركته يضرب كفاً بكف، ويلعن شباب هذه الأيام، وما وصل إليه حال مهنة الصحافة على أيديهم والتساؤلات تعصف برأسي..

إن ذلك الوغد يتحرك بسرعة كبيرة.. تدعو للقلق والحيرة معاً.. فمن الواضح أنه جهز لضرباته منذ فترة طويلة، وأنه ليس عشوائيّاً..
ولكن أين يضرب ضربته القادمة..
وهنا لمعت تلك الفكرة في رأسي..

وراحت تأكل خلايا مخي كما يأكل الفأر قطعة جبن.. حتى احتلت كل تفكيري..

يبدو أنني سأنال منك قريباً أيها الوغد..
قريبا جدّاً..

* * *


الحلقات السابقة من
"حكاية سبعة حروف "

:: آدم في القفص.. (2)
:: بلا عظام.. (1)

* * *



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني