history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

الجمعة...
مديرية أمن القاهرة...
الحادية عشرة مساء..


فرك "عماد" عينيه في تعب شديد.. ثم تناول علبة تبغه؛ ليشعل لفافة منها.. ليكتشف فقط أن العلبة خاوية كمقبرة.. فنظر نحو ذلك الشاب طويل القامة الذي يشاركه تلك الجلسة، ويضع غليونًا في طرف فمه الأيسر وقال متسائلاً:
- لقد نفد الدخان يا "أكرم".. هل معك تبغ لذلك الشيء الذي تضعه في فمك؟؟
- لدي الكثير منه.. لكنه لن يعجبك..
- الواقع.. أنا أرى تدخين (الجوزة) أكثر فائدة من هذا الشيء...

كنت أنا ذلك الشاب الذي يدخن ذلك الغليون على سبيل التحذلق ليس إلا.. فأنا أحس أنه يمنح مدخِّنه هيبة لا يمكن إخفاؤها.. وليست صورة الرئيس "السادات" -رحمه الله- ببعيدة عن مخيلتنا..

يسألني أحدكم: ماذا جاء بك إلى هنا؟؟؟!!..
فله أقول: هذا ليس من شأنك.. لماذا تشغل نفسك بهذه الأسئلة السخيفة؟؟؟!!..

ابتسم "عماد" برُكن فمه الأيسر، ثم ارتدى عويناته الطبية الأنيقة -التي يضعها للقراءة فقط- وقال:
- لا أدري ما الذي يجعلني أطيق صحبتك أيها الصحفي المزعج...

كنت أقول له إنه يطيق صحبتي؛ لأنه لن يجد معتوهًا سواي يطيق صحبته وغرابة أطواره، إلا أني ابتلعت لساني، وقلتُ مجاملاً:
- ربما هي سعة صدرك، وكرمك الزائد يا حضرة الرائد..
- إن كنت لا تسخر مني -وهذا ما أشك فيه- فشكرًا لك، أما إن كنت تسخر فاذهب إلى الجحيم..


ثم خلع العوينات للمرة الألف تقريبًا في تلك الليلة، ونظر نحوي متحدثاً:
- دعنا نراجع الأمر من بدايته.. جريمتا قتل في أقل من أربع وعشرين ساعة.. الجريمتان مختلفتان.. إحداهما سحق القاتل ضحيته تحت مصعد مجمع التحرير، والأخرى مزّق القاتل أطرافه الأربعة، وغطى جسده بالصحف التي تحمل تصريحاته..

اعتدلت في جلستي قليلاً، ونفثت البقية الباقية في غليوني، ثم ألقيت به على الطاولة في إهمال:
- والغريبة أن كلاً من القاتلين وضع بطاقة صغيرة تحمل كلمة أو جملة اعتراضية غريبة.. ألا ينبهك هذا الأمر إلى شيء؟
- هذا ما فكرت فيه منذ اكتشافي لتلك البطاقة في مجمع التحرير... أننا أمام قاتل متسلسل سريع التحرك.. ولو استمر على منواله هذا لمزّق رقبتك مطلع الأسبوع القادم..


تحسست رقبتي، ثم اكتشفت أنه يبتسم ساخرًا.. ثم حوّل ابتسامته إلى ضحكة ساخرة عالية.. لماذا يعاملني على أني معتوه حقيقي.. لا بد أنه قرر (مزاولتي) كما يقولون باللغة الدارجة الآن..

وهنا اندلعت تلك الشرارة في عقلي التي طالما تنبئني بحدوث مصيبة ما.. أو بأن عقلي الخامل بدأ يعمل أخيرًا، فنهضت أجوب الغرفة كالنمر الحبيس -وهو تشبيه مبالغ فيه نوعًا- ثم قلتُ:
- البطاقتان تحملان كلامًا لا معنى له.. واحدة حملت جملة "بلا عظام.. كل يوم حرف"، وهو ما يدل على أنه قاتل متسلسل كما استنتجت سابقًا، لكن البطاقة الثانية حملت كلمة "سنين".. وهي كلمة بلا معنى تقريبًا.. إلا إذا...
- إلا إذا ماذا؟.. تحدث عليك اللعنة!


كنت في الواقع أحاول التسلي به قليلاًَ، وعقلي يعمل محاولا استنتاج أي شيء:
- غرور ذلك القاتل.. واتباعه لسيرة زملاء مهنته من القتلة المتسلسلين يوحي لي بشيء هام.. هذا القاتل أراد أن يلعب معنا لعبة صغيرة، ويتحدانا بأنه أذكى منا جميعًا.. فترك لنا طرف خيط غامض.. وكأننا فئران يتسلى هو بمشاهدتها وهو يمارس باقي مهمته بنجاح..
- وماذا سيستفيد هو؟؟
- إنه سؤال غريب يا حضرة الرائد.. أولاً: سيعتبرنا نوعًا من التسلية بدلا من قزقزة اللب.. ثانيا: الشهرة بالطبع.. تخيل عند نشر هذه الحوادث المتسلسلة.. سيصبح هو أشهر رجل في مصر.. ونصبح نحن المعاتيه الذين فشلوا في القبض عليه..


اعتدل "عماد" قليلاً، وقد ظننته التصق بالمقعد من كثرة الجلوس، ثم قال معقبًا:
- ولكن أين طرف الخيط فيما يقول؟؟
- مشكلتك يا "عماد" أنك لا تحب القراءة.. ولم تستطع يوما أن تحبها.. لذا فقد غاب طرف الخيط عنك.


زمجر حتى أوشك أن يفترسني، وقال غاضبًا:
- كف عن نصائح "أبلة فضيلة".. وأخبرني بنظريتك اللعينة قبل أن أطلق عليك الرصاص بلا رحمة.
- الأمر في غاية البساطة يا "عماد".. هذا القاتل ترك لنا جملة اعتراضية وهي (بلا عظام).. وكلمة ليست ذات مدلول وهي (سنين ).. والكلمتان تربط بينهما علاقة بسيطة..
- وما هي أيها المتحذلق؟؟
- هل سمعت يوما عن "منصور يس"؟؟
- "منصور يس"... نعم أليس ذلك المعتوه مؤلف القصص البوليسية.. أعتقد أنني سمعت اسمه مرة أو مرتين.. ولكن ما علاقته بهذا الأمر؟!!


هنا فقط توقفت عن الدوران كالنحلة الخشبية، واستندت براحتي على مكتبه، وأنا أصوب عيني نحوه من خلف العوينات قائلاً:
- "بلا عظام"... و"سنين"... من أشهر روايات "منصور يس"، وأكثرها مبيعًا على مستوى مصر.. في رواية "بلا عظام" يقتل ذلك الشاب -الذي حُرِم من صرف معاش أبيه بسبب خطأ من موظف المجمع- ذلك الموظف، ثم تركه أسفل المصعد.. وفي رواية "سنين" يقتل بائعُ الصحف المسئولَ الكبير اعتقادًا منه بأن ذلك عقاب سماوي على تصريحاته الخادعة للناس على مدار سنين عديدة، ثم يغطيه بالصحف التي تحمل تصريحاته في مشهد دراماتيكي هائل أثار إعجاب الكثيرين.. والجريمتين نُفذتا بنفس الأسلوب تقريبًا..
- عليك اللعنة.. ولم لم تقل هذا من البداية بدلاً من تلك المقدمة المملة السخيفة؟..

 

ثم نهض، ووضع مسدسه في ذلك الحزام تحت إبطه، وقال متناولاً سترته من على مقعده:
- هل تعرف بيت ذلك الوغد "منصور"؟؟؟
- نعم.. لقد التقيت به من أسبوعين، وحاورته لمدة طويلة.. إنه شخص لطيف، ودود، هادئ الطباع كالقطب الجنوبي..
- إذاً فأعتقد أنك مدعوّ معي لزيارة إلى القطب الجنوبي الآن..


نظرت نحو ساعة يدي لأجدها متوقفة كالعادة، ورفعت رأسي لأجده يسحبني، فقلت:
- الوقت متأخر، وأنا أريد النوم.. لديّ عدد أسبوعي غدًا..
- تبًّا لك ولعددك الأسبوعي.. كل يوم سيموت شخص آخر.. وذلك الوغد يقرأ الآن قصة أخرى من قصص ذلك المعتوه على استعداد لتنفيذها.. فما قيمة الوقت إذن؟..


الحقّ أن منطقه صحيح.. ما قيمة الوقت مع شخص يسابق الوقت..
وقد يسبقه..

***

السبت..
حي مصر الجديدة..
الواحدة صباحا..


قرع "عماد" أجراس منزل الكاتب المعروف "منصور يس" بطريقة غوغائية تليق بضابط شرطة يحترم نفسه.. وبعد لحظات أضيئت الشقة، وفتح الباب، ليظهر على عتبته شخص قصير القامة.. حليق الوجه، ينم وجهه عن طيبة محببة إلى القلب.. بينما تنم عيناه المنتفختان عن نوم عميق مستقر.. وقال في هدوء محبب إلى النفس:
- هل من خدمة أؤديها لك يا حضرت؟؟..
- الرائد "عماد حسين".. المباحث الجنائية.
- اعتقدت أن عصر زوار الفجر قد انتهى منذ زمن..


ثم أفسح الطريق لنا، وقال في هدوء:
- أعتقد أن قهوتك سادة يا باشا.. سأعدّها لك حتى تنهي ما تريد فعله.. اطمئنَّ؛ لن تجد هنا منشورات ولا ممنوعات؛ البيت خاوٍ كرأس فأر..

وجدت هنا أن الوقت مناسب؛ كي أتدخل، فقلت:
- مساء الخير يا أستاذ "منصور".. أعتقد أنك قد لا تذكرني.. أنا "أكرم فكري" الصحفي بجريدة...
- أعرف يا أستاذ "أكرم".. لقد كنت ضيفي منذ أسبوعين.. لكني لم أعرف أنك تعمل مع الشرطة..


تدخل عماد في الحوار قائلاً:
- أنا آسف يا أستاذ "منصور".. الوضع ليس كما تتصور، لذا فلا تنزعج.. نحن هنا بصفة ودية لا أكثر.

ثم ابتسم متابعا:
- وقهوتي زيادة وليست سادة..

ابتسم "منصور" في هدوء، واقتادنا إلى غرفة صالون بسيطة، ثم غاب لدقائق، وعاد حاملاً ثلاثة أكواب من القهوة الساخنة، ثم جلس، وقال في هدوء:
- هل من خدمة أؤديها لكما؟؟

نظر "عماد" نحوي، وأشار بيده على سبيل أنه يمكنني التحدث بدلاً منه، فقلت في هدوء:
- الواقع يا سيدي أن الأمر خطير، ويتعلق بحياة أناس عديدين لا يعلم أحد إلا الله -سبحانه وتعالى- عددهم.. لذا فأرجو أن تستمع لي جيدًا.
- كلي آذان مصغية يا أستاذ "أكرم"..


وبدأت أقص عليه تلك القصة الغريبة.. وهو يستمع إليّ باهتمام شديد.. وما إن انتهيت حتى اعتدل في جلسته، وقال بهدوء:
- ما تقوله يا أستاذ "أكرم" نظرية قد تحتمل الصواب أو الخطأ..
- إذن.. فمع كامل احترامي لسيادتك.. فإنني أريد أن أسمع نظريتك أنت.. فما الذي يدعو مخبولاً ما أن يتخذ من قصصك مرجعية لقتل ضحاياه؟..


تنحنح "عماد"، ثم قال:
- لا تؤاخذني يا أستاذ "منصور".. ولكن هل لك عدوٌّ معين يسعى إلى تشويه صورتك.. كاتب منافس مثلاً؟
- يا بُنيّ أنا -ولله الحمد- شخص محبوب في وسط الأدباء... ولا أصطنع عداوات مع أحد.. ثم هل يصل الأمر بعدوي هذا لقتل أناس أبرياء؛ لكي يشوه صورتي..
- إذن فنحن في طريق مسدود يا سيدي..


كانت هذه الجملة الأخيرة مني.. ولم أتمها حتى رنّ جرس الهاتف المحمول الخاص بـ"عماد" الذي أجاب المتصل، وراح يردد جمل وكلمات على سبيل الهمهمة والتعميم، ثم انعقد حاجباه فجأة، وأغلق الخط، ونهض قائلاً:
- أعتقد أن نظرية هذا المخبول سوف تلقى قبولاً لديك أيضا يا أستاذ "منصور"..
- تحدث يا بنيّ.. هل هذه المكالمة...؟؟؟
- منذ خمس عشرة دقيقة استيقظ المناوب الليلي بحديقة الحيوان؛ ليمر على أقفاص الأسود، وهناك وجد جثة لرجل في أواخر أربعينياته يُدعى "آدم عبد المعين"، وقد مزّق الأسد جثته تمامًا.. ألا يذكرك هذا الامر بشيء؟..

امتقع وجه منصور، واختفى الدم منه، وكأن مصّاص دماء قد زاره هذا المساء، بينما نهضت قائلا:
- لا تقل لي إنه...
- نعم.. وجدوا بطاقة صغيرة بجوار القفص كُتب عليها عبارة كبيرة واضحة.. أتدري ما هي العبارة يا سيدي؟..


أومأ الرجل برأسه بينما قلت، وقد وصلني الأمر أخيرًا:
- لا تقل إنها...
- نعم.. لقد قرأت تلك القصة، وأنا بعد طالب في المدرسة الثانوية.. إنها من أقدم قصص الأستاذ وأكثرها شناعة..

وبعين الخيال نظرت نحو تلك البطاقة التي وجدوها، وكتب عليها بخط أنيق عبارة واحدة فقط:
"آدم" في القفص..

 

* * *


الحلقات السابقة من
"حكاية سبعة حروف "

:: بلا عظام.. (1)

* * *



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني