|
انعقد حاجبا "حسن" في شدة، وهو يراجع في ذهنه ما أخبره به الملحق العسكري للسفارة المصرية في باريس..
وللمرة الأولى، تثير براعة "أدهم" حنقه..
لقد كان دومًا شديد الإعجاب به، ومتابعًا جيدًا لتطوراته..
وكم أسعده أن يكتسب مهارات جديدة..
وعديدة..
وكثيرًا ما كان يشفق على شبابه من هذه الحياة القاسية..
من انشغاله الدائم بتطوير مهاراته وقدراته، وسعيه الدءوب؛ لامتلاك واكتساب مهارات جديدة..
حتى تلك التي لم يلقنها إياه والده..
لقد شغف باللعبة، وانغمس فيها حتى النخاع، ولم يعد يفكِّر في سواها..
صار يبحث عن مهارات جديدة..
مهارات مدهشة..
مختلفة..
ومتباينة..
وها هو ذا، في عمره هذا، يستخدم ما اكتسبه من مهارات؛ لخداع الجميع..
وبلا استثناء..

"لقد خدعتني"..
قالها "حسن" في غضب، وهو يواجه "قدري"، في منزل هذا الأخير، الذي حافظ على تماسك ملامحه، وهو يهز كتفيه المكتظين، قائلاً:
- لقد أجبْتُ أسئلتك بكل صدق.
قال "حسن" في غضب:
- أخبرتني أنك صنعت جواز سفر فرنسي واحد.
هزَّ "قدري" رأسه، قائلاً:
- مطلقًا.. لقد سألتني عن آخر ما صنعته، فأخبرتك أنه جواز سفر فرنسي، وهوّية إسرائيلية، ولكنك لم تسألني عما صنعته من أجل "أدهم" بالتحديد.
بدا الغضب على وجه "حسن"، وهو يقول:
- حسنًا.. وما الذي صنعته من أجل "أدهم".
ابتسم "قدري" في خبث، وهو يجيب:
- لقد أقسمت ألا أفشي السر.
سأله في حدة:
- كم جواز سفر فرنسي صنعته، في الآونة الأخيرة؟!
أجابه في هدوء:
- اثنان..
سأله في اهتمام غاضب:
- بأية أسماء؟
صمت "قدري" لحظة، ثم أجاب في حذر:
- "أدهم" اختار الاسمين.
ضمَّ "حسن" شفتيه في سخط شديد..
من الواضح أن "قدري" لن يفشي السر..
لن يخون "أدهم" قط..
مهما حدث..
ومهما كان ما يتعرَّض له..
وكمحاولة أخيرة، قال "حسن" في صرامة:
- أستطيع إيقاف التحاقك بالمخابرات.
هزَّ "قدري" كتفيه مرة أخرى، وقال:
- لا بأس.. أنا لم أسْعَ إليكم.
قال "حسن" في حدة:
- ألا يعنيك أن تلتحق بجهاز المخابرات؟!
قال "قدري" في هدوء:
- يعنيني كثيرًا بالتأكيد، ولكنه لا يساوي أن أخون صديقًا.
كاد "حسن" يصرخ في وجهه، مهددًا إياه بالفصل من المخابرات..
ولكن عقله أوقفه..
كم هو رائع هذا النموذج، الذي يراه أمامه..
إنه لم يتردَّد لحظة في التضحية بفرصة عمره، حتى لا يخون صديقه..
فماذا سيفعل من أجل وطنه؟!..
وعلى الرغم من غضبه وحنقه، أدرك أن هذا بالضبط هو النموذج الذي يبحثون عنه.
النموذج البارع..
الواثق..
العنيد..
والمخلص..
وفي لهجة مريرة، غمغم "حسن":
- أتدرك ما الذي يمكن أن يواجهه صديقك في حماقته هذه؟!
صمت "قدري" لحظات، قبل أن يجيب في بطء وخفوت:
- خطر الموت.
سأله "حسن":
- ألا ترغب في إنقاذه من هذا؟!
هتف "قدري" بسرعة في انفعال:
- وبشدة.
ثم تراجع، مستطردًا في أسىً:
- ولكنني لا أستطيع اعتراض طريقه.
غمغم "حسن":
- حتى لو...
قاطعه "قدري" في توتر:
- أيّا كانت النتائج.. أنا أومن به، وبقدرته على حسن تقييم الأمور، والتعامل معها، وما دام قد اتخذ قرارًا، فلا توجد قوة في الأرض يمكنها منعه من تنفيذه.
تطلَّع إليه "حسن" لحظة، ثم قال في حزم:
- أتعتقد هذا؟!
أجابه "قدري" دون تردُّد:
- بالتأكيد.
نهض "حسن"، قائلاً في صرامة:
- سنرى.
قالها، وانصرف كالعاصفة، تاركًا "قدري" خلفه، يتساءل في قلق شديد..
ترى هل يمكن أن يواجه "أدهم" وحده كل هذا؟!..
هل؟!..
* * *
في تلك الآونة، لم تكن أجهزة الفاكس معروفة، ولم تكن هناك شبكة إنترنت، سوى في الاستخدامات العسكرية السرية المحدودة، في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها"*"، لذا فقد تم إرسال الصورة بالراديو، وهي وسيلة نقطية قديمة، ترسل الصورة لاسلكيًّا، نقطة بنقطة، لذا فعندما تسلَّمها "جراهام" لم تكن بالدقة الكافية، إلا أنه نقلها إلى قسم خاص في "الموساد"، مهمته هي توضيح الصورة النقطية إلى أقصى حد ممكن.. وعندما عادت إليه الصور بعدها، استدعى خبيرًا خاصًّا إلى مكتبه، وراح معه يراجعان الصور بعدسة خاصة، ويقارنان بينها وبين الرسوم التي صنعها فريق مستعربي "الموساد" للشاب الذي أفسد عمليتهم سابقًا"*".
وبعد نصف ساعة من الفحص والتدقيق اعتدل الخبير قائلاً في حسم:
- إنه هو.
تألَّقت عينا "جراهام"، وهو يقول:
- عظيم.. لقد أثلجت صدري.
ثم التقط جهاز الهاتف، وقال عبره في حزم:
- تم تعرُّف العنصر المعادي.. اعملوا على تصفيته فورًا.
قالها، وهو يعلم أن أوامره ستصل إلى فريق الاغتيالات خلال دقائق معدودة، وبعدها ستنتهي العملية..
الليلة..
* * *
التمعت عينا قاتل "الموساد" المحترف عندما تلقى الأمر بتصفية "أدهم" فورًا، وربَّت على مسدسه، المختفي خلف سترته، وقال لزميله:
- عظيم.. تمنَّ لي حظًّا موفقًا.
همهم زميله بكلمات مبهمة، وأشاح بوجهه في توتر، فابتسم القاتل، وغادر السيارة، واتجه نحو بيت الشباب في هدوء، ودفع الباب في رفق، وهو يدخل إلى حجرة مسئول المكان، قائلاً:
- ليلة سعيدة.. أين يقطن "موريس ديلون"، ذلك الشاب الأشقر الذي وصل منذ ساعة تقريبًا.
سأله المسئول في شك:
- وما صلتك به؟!
أجابه في هدوء، وبابتسامة أنيقة:
- صلة وثيقة للغاية.
سأله الرجل، في شك صارم:
- هل يمكنك إثباتها؟!
أجابه بنفس الابتسامة الهادئة:
- بالتأكيد.
واستل مسدسه، وألصق فوهته بجبهة الرجل، مستطردًا:
- هل علمت صلتي به الآن؟!.. أنا قاتله.
ارتعدت أوصال الرجل، وكاد يسقط فاقد الوعي، وهو يقول:
- إنه.. إنه في الحجرة الرابعة.. الفراش السفلي الأيمن.
هزَّ القاتل رأسه، دون أن يفقد ابتسامته، وقال:
- لست أدري ماذا أقول.

وضغط زناد مسدسه المزوَّد بكاتم للصوت في هدوء شديد، فصدرت منه فرقعة مكتومة شديدة الخفوت، امتزجت بصوت اختراق الرصاصة لجمجمة الرجل، الذي سقط جثة هامدة، دون أن يصدر عنه أدنى صوت..
وفي هدوء عجيب، تراجع القاتل، قائلاً:
- شكرًا على أية حال.
ثم استدار، واتجه إلى الممر، الذي يضم حجرات الشباب، وهو يستعد بمسدسه، وتلك الابتسامة المقيتة على شفتيه..
وبدأت الليلة..
الرهيبة.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "
* * *
9- مسألة أمن..8 - تأشيرة..
7 - سؤال..
6 - إسرائيل..
5 - الغائب
4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..
* * *
سلسلة الجولة الباريسية
سلسلة البداية
12- الختام... |


