|
ارتبك مكتب أمن المطار في شدة، عندما أجرى رجل المخابرات "حسن"، ذلك التفتيش المفاجئ عليه، وطلب مراجعة قوائم السفر، والتأكُّد من صحة اسم وهوية أي مسافر، بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين..
وفي قلق شديد، سأله رئيس المكتب:
- هل ارتكبنا أية أخطاء؟!
هزَّ "حسن" رأسه نفياً، وهو منهمك في مراجعة القوائم، وقال:
- مطلقاً.
سأله رئيس المكتب، في دهشة أكثر:
- لماذا هذا الاهتمام المفاجئ إذن؟!
رفع "حسن" عينيه إليه، مجيباً:
- نبحث عن شاب، نعتقد أنه قد سافر، باسم مستعار، وجواز سفر زائف.
هتف الرجل بسرعة:
- مستحيل!
ثم أضاف، وهو يشير إلى صالة الجوازات:
- كل مواطن يغادر "مصر"، لابد وأن يتم التدقيق في أوراقه جيداً، ومراجعة اسمه على قوائم المطلوبين، والتيقن من أنه يحمل تصريحاً بالسفر، و..
قاطعه "حسن" في صرامة:
- وماذا لو لم يكن مصرياً؟!
صدم السؤال الرجل، فارتبك لحظة، قبل أن يجيب:
- في هذه الحالة، نتأكَّد من أنه يحمل تأشيرة دخول سليمة، ومن أنه لم يتجاوز مدة إقامته.
وتردَّد لحظة، قبل أن يضيف في خفوت:
- فقط.
التقط "حسن" نفساً عميقاً، وقال:
- وهنا تكمن المشكلة.
وعاد إلى القوائم، مردفاً:
- للأسف.
وقفزت دهشة رئيس مكتب الأمن إلى ذروتها..
فهو لم يفهم ما يعنيه هذا..
لم يفهم أبداً..
* * *
استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي ذلك الطلب، الذي تقدَّمت به النائبة "جولدا مائير" لزيارته، في دهشة حقيقية، وحذر بلا حدود، ولكنه وضع بطاقتها المهنية إلى جواره، وهو يقول لمدير مكتبه:
- دعها تدخل.

مضت لحظات، قبل أن تدخل "جولدا"، بجسدها المترهِّل، وملامحها القبيحة، وتقول:
- بوكورتوف.
رد تحيتها بهمهمة غير مفهومة، ثم سألها، في شيء من العصبية:
- ماذا تريدين يا "جولدا"؟!
أجابته في برود:
- أن نتفق.
سألها في سرعة:
- على أي شيء؟!
أجابت، وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
- على أن أنتزع منك مقعد رئاسة الوزراء.
عبارتها جعلت عينيه تتسعان في شدة، وجعلته يحدِّق فيها ذاهلاً، قبل أن يقول، في غضب حاد:
- هل جننت؟!
هزَّت كتفيها، قائلة:
- ربما.
ثم أخرجت الورقة، التي تحوي صورة قراره، بإنشاء قسم الاغتيالات، ووضعتها أمامه، قائلة:
- وربما تقنعك هذه.
ألقى نظرة مستهترة على الورقة، ولكنه لم يكد يدرك فحواها، حتى امتقع وجهه، وقال في شحوب، وهو يختطفها:
- من أين حصلت عليها؟!
ابتسمت، حينما رأته يمزِّقها، وأجابت:
- إنها واحدة من ألف نسخة، أحتفظ بها في خزانتي.
بدا شديد الشراسة، وهو يسألها:
- من أين حصلت عليها؟!
استرخت في مقعدها، وقد راق لها غضبه، وقالت لتستفزه أكثر:
- يمكنك أن تقول: إن لديّ جاسوسا وسطكم.
قال في حدة:
- في قلب "الموساد"؟!
أومأت برأسها إيجاباً، وهي تكرِّر:
- في قلب "الموساد".
تفجَّر الغضب من ملامحه وعينيه، وبدا لحظة وكأنه سينقض عليها، إلا أنه لم يلبث أن تراجع، وجلس على مقعده، قائلاً:
- وبمَ يمكن أن تفيدك هذه الورقة؟!
أجابته:
- تساعدني على ربح المعركة.
رمقها بنظرة صامتة طويلة، قبل أن يسأل:
- وماذا لو أنني رفضت التنازل، عن مقعد رئيس الوزراء؟!
أجابته في صرامة:
- سأعمل على نشرها.
رمقها بنظرة طويلة أخرى، ثم استغرق في التفكير بضع لحظات، قبل أن يشير بيده، قائلاً:
- أريد فرصة للتفكير.
نهضت، قائلة:
- سأعطيك يوما واحدا فقط.
قال في سرعة:
- بل يومين.
ابتسمت، وهي تنصرف، قائلة:
- هذا يكفي.
ظل ينظر إلى الباب، الذي أغلقته خلفها، في صمت وتفكير عميقين، ثم لم يلبث أن التقط سمَّاعة هاتفه، وقال:
- أرسل في طلب مدير "الموساد"... فوراً.
وأعاد السمَّاعة، وشبَّك أصابع كفيه أمام وجهه، وهو يعاود التفكير..
بمنتهى العمق..
* * *
بدا "أحمد صبري" شديد الشحوب، وهو يدور في صالة منزله، في توتر شديد، ويجيب "حسن"، قائلاً:
- لست أعرف بالتأكيد أين "أدهم".. لقد استيقظت هذا الصباح، فلم أجده في فراشه، ولا في أي مكان آخر بالمنزل.
وصمت لحظة، قبل أن يضيف في عصبية، وهو يخرج من جيبه ورقة صغيرة:
- لم أجد سوى هذه.

اختطف "حسن" الورقة من يده، متصوِّراً أنها ستحوي اسم المكان، الذي ذهب إليه "أدهم"، ولكنه فوجئ بأنها لا تحوي سوى كلمة واحدة..
اغفر لي..
وانعقد حاجبا "حسن" في شدة..
ما الذي تعنيه هذه الكلمة؟!..
ما الذي يقصده "أدهم"؟!..
لماذا ترك هذه الورقة خلفه؟!..
لماذا؟!..
لماذا؟!..
"هل تعتقد أنه أقدم على الانتحار؟!.."..
ألقى "أحمد" السؤال، في توتر بالغ، فانتزع "حسن" من أفكاره، وجعله يقول في سرعة وحزم:
- مستحيل!..
كاد يكتفي بهذا الجواب، إلا أنه لم يلبث أن أضاف:
- "أدهم" ليس من ذلك الطراز، الذي يواجه أزماته بالانتحار.. إنه شاب قوي.. أقوى مما تتصوَّر بكثير.
تطلَّع إليه "أحمد" لحظة في صمت، ثم غمغم:
- أعلم هذا.
طوى "حسن" الورقة، ودسَّها في جيبه، وهو يقول:
- أعتقد أنه قد تركها، لأنه أرادك بكل بساطة، أن تغفر له.
هتف "أحمد":
- أغفر له ماذا؟!
التقط "حسن" نفساً عميقاً، وتطلَّع إليه لحظة، قبل أن يجيب في حزم:
- رغبته في الانتقام.
اتسعت عينا "أحمد" عن آخرهما، وحفر الارتياع ملامحه على وجهه، وهو يغمغم:
- رباه!.. الانتقام.
أومأ "حسن" برأسه إيجاباً، واتجه نحو أقرب مقعد إليه، وهو يقول:
- هذا ما كنت أخشاه.
تمتم "أحمد" في شحوب:
- وأنا أيضاً.
جلس "حسن"، وهو يقول:
- ووفقاً لهذا، أظنني أعلم أين ذهب "أدهم" بالضبط.
سأله "أحمد"، وقد بلغ شحوبه منتهاه:
- أين؟!
كان يعلم الجواب مسبقاً، وعلى الرغم من هذا، فقد عجزت ساقاه عن حمله، عندما أجاب "حسن" في مرارة:
- "إسرائيل".
والمدهش أنه كان على حق..
تماماً.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"أنياب الأسد "
* * *
5 - الغائب4 - اغتيالات
3 - أصابع فنان
2 - انتقام..
1- مرارة..
* * *
سلسلة الجولة الباريسية
سلسلة البداية
12- الختام... |


