|

شعر ضابط مباحث الهرم بمنتهى التوتر، عندما شاهد تلك الدهشة العارمة، التي ارتسمت على وجه الدكتور "حجازي"، وهتف به في عصبية:
- ما الذي أدهشك إلى هذا الحد؟!
لم يجبه الدكتور "حجازي" على الفور، وإنما أخرج من جيبه ملقطاً صغيراً، التقط به شيئاً ما، انغرس في جزء متمزِّق، من ذراع الجثة، ورفعه إلى قرب عينيه، قبل أن يقول في دهشة حائرة:
- إنه ظفر.
غمغم الضابط، وهو يميل لرؤية ما يحمله الدكتور "حجازي":
- أتقصد مخلباً؟!
التفت إليه الدكتور "حجازي"، مجيباً:
- بل ظفر.. ظفر بشري.. وهو لذكر على الأرجح.
اعتدل الضابط بحركة حادة، وهو يردِّد، في دهشة بالغة:
- ظفر بشري؟!
أخرج الدكتور "حجازي" من جيبه الآخر كيساً ورقياً صغيراً، وضع داخله الظفر، وهو يقول:
- موقعه ومكانه يوحيان بأنه يخص القاتل، وأنه قد انكسر، أثناء تمزيقه لجثة القتيل.
شعر الضابط بغصة في حلقه، منعته من الحديث بضع لحظات، ثم لم يلبث أن غمغم في توتر، بصوت شديد الاختناق:
- هل مزَّقه بشري؟!
تردَّد الدكتور "حجازي" طويلاً، وهو يضع الكيس في جيبه في حرص:
- ما زال الوقت مبكراً على الجزم بهذا؟!
وصمت لحظة، وهو يكمل فحص الجثة، ثم تنهَّد، قائلاً، وكأنه يحدِّث نفسه:
- لو أن علوم الجينات، التي نقرأ عنها، قد تطوَّرت بما يكفي؛ لأمكننا أن نعرف كل ما نريد عن القاتل، من هذا الظفر المكسور.
لم يفهم الضابط ما يعنيه، فغمغم:
- ربما.
ثم تساءل، وقد استعاد توتره:
- هل من دلائل أخرى؟!
أجابه الدكتور "حجازي" بصوت شارد، وكأنه يحدِّث نفسه:
- الوفاة حديثة منذ يوم واحد، وربما لم تنكشف الجثة، إلا مع تلك العاصفة الرملية المحدودة، التي هبَّت مساء أمس، وهي أيضاً التي أخفت وأزالت كل الآثار الأخرى، التي يمكن أن ترشد إلى ما حدث.
صمت لحظات مفكراً، وصمت معه الضابط، في انتظار أن يقول شيئاً ما، ولكن الدكتور "حجازي" التفت إليه، وقال في حزم:
- أريد نقل الجثة إلى المشرحة، لاستكمال باقي الفحص.
أشار الضابط إلى رجاله؛ ليشتركوا مع الفنيين في نقل الجثة، ثم التفت إلى الدكتور "حجازي"، قائلاً:
- هل تتصوَّر أن المعمل الجنائي، يمكنه أن..
وقبل أن يتم سؤاله، انطلق رنين هاتفه المحمول، فالتقطه من جيبه في سرعة، وقال:
- ماذا هناك؟!
راقبه الدكتور "حجازي" في اهتمام، عندما اتسعت عيناه عن آخرهما، قبل أن يغمغم في عصبية:
- فليكن.. نحن في الطريق.
ثم أنهى المحادثة، والتفت إلى الدكتور "حجازي" قائلاً بكل توتره:
- عثروا على جثة أخرى... ممزَّقة.
وانعقد حاجبا الدكتور "حجازي" في دهشة وتوتر وحيرة..
فمن الواضح أنهم أمام لغز..
لغز غامض وكبير..
للغاية..
* * *
تثاءبت "سلوى" في تكاسل، وهي تلقي جسدها على الأريكة، إلى جوار "نور"، الذي ابتسم، وربّت عليها في حنان، قائلاً:
- هل أرهقك العمل إلى هذا الحد؟!
أشارت بيدها إشارة تعبر عن الإيجاب، وحاولت أن تبتسم وهي تجيب:
- ومتى لم يرهقني؟!
أراحت رأسها على صدره، وتركت جسدها يسترخي، وأسبلت جفنيها، وهي تضيف:
- عزائي الوحيد أنني سأعود إلى البيت في النهاية.
وابتسمت في حنان، مردفة:
- وسأجدك فيه.
طبع قبلة حانية على جبينها، وهمس في أذنها:
- هذا ما يجذبني إلى البيت أيضاً.
بدأ النعاس يداعب جفنيها، وهي تتمتم:
- إنه واحتنا.
شملهما الصمت بضع لحظات، وأحاطها "نور" بذراعه في حنان؛ ليمنحها نوماً هادئاً دافئاً، و...
فجأة، انطلق أزيز ساعته الخاصة، فارتجف جسده ارتجافة،
جعلت "سلوى" تفتح عينيها، وتعتدل، قائلة في توتر:
- لا.. ليس الآن.
ربَّت عليها مرة أخرى، وكأنه يعتذر عن استدعاء العمل المفاجئ، وهو يضغط زر ساعته بيده الأخرى، ثم قرأ الكلمات القليلة، التي تراصت عليها بحروف رقمية، وغمغم:
- معذرة يا عزيزتي.. القائد الأعلى يستدعيني، على نحو عاجل.
لم يَرُق لها هذا أبداً..
ولم يَرُق له أيضاً..
ولكنه، وفي كل الأحوال، كان يقف أمام القائد الأعلى شخصياً، الذي بادره قائلاً في توتر ملحوظ:
- نحن أمام لغز كبير أيها المقدم.. كبير وخطير، إلى أقصى حد.
شدَّ "نور" قامته بحركة غريزية، وهو يسأل:
- وما طبيعته يا سيِّدي؟!
أجابه القائد الأعلى في سرعة وصرامة:
- قتلة.
بدا الجواب مقتضباً للغاية، فتطلَّع إليه "نور" متسائلا، ليكمل، في مزيج من التوتر والصرامة:
- لقد تم العثور على ثلاث جثث، لرجلين وامرأة، في أماكن مختلفة، من مدينة (الإسكندرية)، وكلها ممزَّقة على نحو بشع، و..
صمت لحظة، وكأنه يحاول هضم الأمر، ثم استطرد:
- ولقد تم التهام أجزاء منها.
استعاد "نور" ذكرى قديمة مفزعة، وهو يغمغم:
- أهو حيوان مفترس ما؟!
أجابه القائد الأعلى:
- هذا ما تصوره رجال البحث الجنائي للوهلة الأولى، ولقد أصدروا بالفعل نشرة إلكترونية، عبر كل الشبكات، تحذر من وجود حيوان مفترس طليق، ومن ضرورة الإبلاغ عنه، أو عن أي أمر يثير الشك، في هذا الشأن، ولكن التقرير الأوَّلي للطب الشرعي، جاء ليقلب الأمر كله رأساً على عقب، ويضعنا أمام اللغز.
أراد "نور" أن يسأل عما حواه تقرير الطب الشرعي، ولكنه آثر الصمت، حتى أضاف القائد الأعلى، في توتر شديد:
- لقد ذكر التقرير أن فحص الأسنان، التي التهمت أجزاء من الضحايا، أثبت أنها..
صمت لحظة، ثم أضاف في عصبية:
- آدمية.
انتفض جسد "نور"، على الرغم منه، واتسعت عيناه، وهو يحدِّق في وجه القائد الأعلى، محاولاً استيعاب الأمر، الذي استوعبه في سرعة، ولكنه علَّق عليه في بطء حذر:
- أيعني هذا أننا أمام آكل لحوم بشر، في قلب المدينة؟!
أجابه القائد الأعلى، بنفس التوتر والصرامة:
- أكلة لحوم بشر يا "نور"..

مرة أخرى، أطل التساؤل من عيني "نور"، فاستطرد القائد الأعلى:
- تقرير الطب الشرعي يؤكِّد، أن الأسنان، التي التهمت كل ضحية، تختلف عن الأخرى.. باختصار.. نحن أمام ثلاث ضحايا، وثلاثة قتلة.. من آكلي لحوم البشر.
ردَّد "نور"، في شيء من الارتياع:
- ثلاثة؟!
أشار القائد الأعلى بذراعه، قائلاً:
- وربما هناك المزيد.
بدا لحظة، وكأنه سيكتفي بهذا التعليق، ولكنه لم يلبث أن تابع:
- الجثث الثلاث، تم العثور عليها مدفونة، في ثلاثة أماكن مختلفة، وربما هناك جثث أخرى، لم يتم العثور عليها بعد، وهذا يمكن أن يشير إلى أننا لا نواجه مجرَّد قاتل، أو عدد محدود من القتلة، بل من المحتمل أننا نواجه سلالة كاملة، من أكلة لحوم البشر، سلالة ربما تهاجم الجنس البشري الطبيعي، أو تحاول حتى إبادته، لتحل محله، على وجه الأرض.
بدا الاحتمال مفزعاً، إلى درجة تفوق الاحتمال، فغمغم "نور"، محاولاً أن يطمئن نفسه، في المقام الأوَّل:
- كلها ما زالت مجرَّد احتمالات.
أشار إليه القائد الأعلى، قائلاً:
- وهذه مهمة فريقك يا "نور".. أن تتحوَّل الاحتمالات إلى وقائع، وحقائق ملموسة.
شدَّ "نور" قامته مرة أخرى، وقال في حزم:
- سنبذل قصارى جهدنا يا سيدي.
وصمت لحظة، ثم أضاف:
- ولكن، هناك شخص واحد يمكنه أن يرشدنا إلى طرف الخيط، في أمر كهذا.
وهنا، انتقل التساؤل إلى عيني القائد الأعلى، فأضاف "نور" في حزم:
- الدكتور "حجازي".
وكانت البداية..
بداية مهمة جديدة..
ومثيرة..
وقاتلة.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجيل الثالث "
* * *
سلسلة كــائنات
* * *
سلسلة قلب الذرة
12- ختام.... |

