history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

 

لم يستطع "أحمد" شقيق "أدهم صبري"، كتمان دموعه الغزيرة، التي انهمرت على وجهه في حرارة، وهو يلقي جسده على أقرب مقعد إليه، بعد عودته مع "أدهم" من جنازة والدهما، الذي لقي مصرعه غدراً، عندما اغتاله رجال "الموساد" في "لندن.

كانت جنازة مهيبة بحق، بدأت فور وصول الجثمان الطاهر من "لندن"، على متن طائرة خاصة، تحمل شعار رئاسة الجمهورية، وتصدَّرها مندوب الرئيس، ومدير المخابرات شخصياً، وخلفهما عدد كبير من ضباط المخابرات ورجالها، والرعيل الأوَّل لها..

وعبر شوارع "القاهرة"، سارت الجنازة في صمت، عكس مهابتها على الجميع، فتوقَّف المارة على الجانبين في صمت وخشوع، مع رؤيتهم علم الجمهورية، الذي يلتفت حول النعش، وانضم بعضهم في تلقائية إليها، حتى راحت تكبر رويداً رويداً، فلم تصل إلى منطقة المقابر، حتى كان المكان كله يكتظ بالبشر، الذين رفعوا أيديهم بالدعاء للميت بالرحمة والمغفرة، دون أن يدرك معظمهم هويته..

ووسط كل هذا المشهد المهيب، سار "أدهم" وشقيقه الأكبر في صمت..

كانت الدموع تسيل من عيني "أحمد"، الذي راح الرجال يواسونه، ويربتون على كتفيه مهدئين، في حين ظل "أدهم" صامتاً جامداً، لم تذرف عيناه دمعة واحدة، وإن شفَّت كل خلجة من خلجاته عن حزن عميق، وألم بلا حدود..

وفي منطقة المقابر، كان "أحمد" يتلقَّى عزاء والده في شبه انهيار، في حين كان "أدهم" قوياً متماسكاً، يصافح المعزين في حزم وقوة، ويتمتم بكلمات خافتة، رداً على عبارات العزاء التقليدية، حتى أن زميل والده "حسن" شعر بالقلق عليه، فتحرَّك في خفة، حتى أصبح إلى جواره، وهمس:
- ابك يا "أدهم".. اترك لمشاعرك العنان.. إنه والدك، ولن يلومك أحد.

صمت "أدهم" لحظة، ثم التفت إليه، قائلاً في صوت عميق، لا يتناسب حتى مع سنوات عمره القليلة:
- لم يحن الوقت بعد..

لم يدر "حسن" لماذا انقبض قلبه، وهو يسمع هذا الجواب؟!..

ولا لماذا سرت في جسده قشعريرة باردة معه؟!..
ربما لأنه شعر أن الجواب المقتضب يخفي خلفه الكثير..
والكثير جداً..
جداً..

يخفي خلفه نيراناً تستعر، في أعماق "أدهم"..
في أعمق أعماقه..
نيران تلتهم كل خلية من خلاياه..
بلا توقف..
وبلا رحمة..
وبلا هوادة..

وبكل قلقه، تطلَّع "حسن" إلى "أدهم"، ولم ينبس ببنت شفة..

كل ما جال بخاطره لحظتها هو أن "أدهم" الشاب يخطِّط لشيء ما..
شيء لن يفصح عنه..
ليس الآن على الأقل..

وعلى الرغم من دقة الموقف وصعوبته، وكثرة المعزين والمواسين، لم يستطع "حسن" إلقاء هذا الموقف خلف ظهره..
لقد ظل يلتهم خلايا مخه..
وأيضاً، بلا رحمة..

وعندما انتهت الجنازة، كان يرغب في سؤال "أدهم" عما يدور في رأسه..
عما يخطِّط له..
وما يخفيه..
ولكنه لم يفعل..

لقد أشرف على أسلوب تربية "أدهم" يوماً بيوم، ويعرف جيداً كيف أنشأه والده، وكيف ربَّاه على الصبر..
والصمت..
والكتمان..

وكان واثقاً من أنه مهما قال أو فعل، أو حاول، فلن يحصل من "أدهم" على كلمة.. كلمة واحدة..
لذا، فمن الأفضل أن يدَّخر مجهوده، وأن يكتم تساؤلاته في أعماقه..
وينتظر..

وهذا ما فعله..
لقد صافح "أحمد" و"أدهم"، وربت على كتف كلٍ منهما، ولم يستطع منع دمعة حزن، فرَّت من عينيه لحظتها، وهو يستعيد، على الرغم منه، تلك الذكرى البغيضة..
ذكرى اغتيال "صبري" في قلب "لندن"..

كان يغادر السفارة، عندما حاصره قتلة "الموساد"، وأطلقوا النار عليه، في قلب العاصمة البريطانية..
وفي وضح النهار..
وفي سابقة تعد الأولى من نوعها، في تاريخ صراع المخابرات العالمية..
أو ربما هي الأولى والأخيرة..
و..

"عمي "حسن".. مَنْ قتل أبي؟!.."..
ألقى "أدهم" السؤال فجأة، في حزم وصرامة، امتزجا بمرارة لا حدود لها، على نحو جعل "حسن" ينظر إليه في دهشة، قبل أن يغمغم:
- هذا أمر غير شائع في عالمنا يا "أدهم"، و...

قاطعه "أدهم"، وقد تسلَّلت لمحة غاضبة إلى صوته:
- مَنْ قتله؟!

تطلَّع "حسن" إلى عينيه مباشرة..
وقرأ الكثير..

قرأ كل ما لقّنه إياه والده، منذ اعتبره مشروعه الخاص؛ لإنتاج رجل المخابرات المثالي، وهو بعد في الثالثة من عمره..

قرأ الصلابة..
والقوة..
والحزم..
والعزم..
والإرادة..
والإصرار..

قرأ ما أنبأه بأن "أدهم" لن يتراجع عن سؤاله، وعن رغبته في المعرفة، مهما حاول الكل إخفاء الأمر..
ومهما طال الأمر..
ومهما طال الزمن..

ولأنه يعتبر "أدهم" مثل ابنه تماماً، خاصة وأنه لم يتزوَّج أو ينجب، فقد قرَّر تخفيف آلامه، ومحو توتراته، وتوفير وقته، وأجابه في اقتضاب:
- "الموساد".

خُيِّل إليه أنه يلمح دمعة، تلمع في عيني "أدهم"، ثم تتوارى في سرعة، خلف حاجز من الصلابة والإرادة، وهو يسأله، وقد اختنق صوته قليلاً:
- هل تيقنتم من هذا؟!

أومأ "حسن" برأسه إيجاباً، فصمت "أدهم" لحظة، وكأنه يحاول ابتلاع غصة في حلقه، قبل أن يسأل:
- مَنْ فعلها؟!

هزَّ "حسن" رأسه نفياً، وأجاب في خفوت:
- لم ينجح أي مندوب لنا، ولم يصل عين من عيوننا، إلى معرفة هذه المعلومة، التي يحرص "الموساد" على إخفائها بشدة.. كل ما حدث هو أننا قد تعرَّفنا على أحد القتلة، الذين شاركوا في عملية الاغتيال، وتحرينا أمره، فأدركنا أنه يعمل لحساب "الموساد"، ولقد قمنا بتنشيط كل مندوبينا وعيوننا، في قلب "إسرائيل"، ولكننا لم نتوصل إلا إلى معلومة واحدة، تؤكِّد أن "الموساد" وراء عملية الاغتيال، وأنها قد تمت، دون الرجوع إلى القادة، وأن الذي أمر بتنفيذها يتعرَّض للمساءلة الآن.

غمغم "أدهم"، في لهجة اشتمّ منها "حسن" رائحة صارمة:
- المفترض أن تعرُّضَه للمساءلة وحده، يكفي لكشف هويته.

هزَّ "حسن" رأسه نفياً مرة أخرى، وأجاب:
- ليس بهذه البساطة.. "الموساد" ليس جهازاً هيناً أو بسيطاً، ولكنه، والحق يقال، أحد أقوى أجهزة المخابرات في المنطقة، وربما في العالم أجمع، وانتزاع سر من عمقه، يُعدُّ أشبه بالمستحيل، وخاصة إذا ما أرادوا بشدة إخفاءه.

وصمت لحظة، ثم سأل في قلق:
- ولكن لماذا تريد معرفة هوية المسئول عن العملية؟!

لم يجب "أدهم"، لكنّ عينيه حملتا بريقاً عجيباً، ضاعف القلق والتوتر في قلب "حسن" ألف مرة، فوضع يده على كتف "أدهم"، قائلاً:
- اسمعني جيداً يا "أدهم".. والدك -رحمه الله- كان زميلي وصديق عمري، منذ كنا في المرحلة الابتدائية، وحتى تخرَّجنا كضباط في الجيش، والتحقنا بجهاز المخابرات العامة، فور إنشائه، ولقد حضرت واقعة اغتياله بنفسي، وعشت أسوأ لحظات عمري كله، وهو يحتضر أمام عينيّ، ولكن مهما كانت الأسباب، ومهما كانت الوسيلة، فما حدث لم يكن بهدف شخصي.. كان تطرفاً في أداء العمل.. ولهذا فهم أيضاً يحاسبون من أصدر القرار، والمسئول عن تنفيذه، على الرغم من أن اغتيال "صبري" يفيدهم كثيراً، ويختصر عدد العقول التي تواجههم.. أتعلم لماذا يا "أدهم"؟!

واصل "أدهم" صمته، وهو يتطلَّع إليه، فأكمل في حزم:
- لأنه في عالمنا، لا وجود للثأر أو الانتقام الشخصي.. عالمنا عالم أشبه بعالم رجال الأعمال.. الكل يتنازع، ويتصارع، ويسعى للتفوق على الآخرين، والصعود فوقهم، وحماية نفسه منهم في الوقت ذاته، وفي سبيل هذا، قد يرتكب البعض أفعالاً مشينة، تدخل أحياناً في باب الجريمة المنظَّمة، وأحياناً حتى في باب الجريمة الحقيرة، ولكن هذا لا يدفعهم للثأر من بعضهم البعض، أو إضاعة الوقت في التخطيط لعمليات انتقامية، أو حتى تعريض عنصر مدرَّب للخطر؛ لتنفيذ عملية، لن يأتي من خلفها أي طائل.. هل تفهمني يا "أدهم"؟!

صمت "أدهم" لحظة، وهو يتطلَّع إليه، ثم أجاب في اقتضاب:
- إنني أحاول.

استعاد ذهن "أدهم" كل هذه الأحداث، وهو يقف عند باب منزله، يراقب شقيقه المنهمك في البكاء، قبل أن يقول فجأة في حزم:
- سأرحل.

التفت إليه "أحمد" في دهشة مذعورة، وهو يهتف:
- ترحل؟!.. الآن؟!

أجابه "أدهم" في حزم أكثر:
- سأسافر يا "أحمد".

نهض "أحمد"، وهو يسأله في قلق عارم، جفَّف معه دموعه:
- تسافر؟!.. إلى أين يا "أدهم"؟!

صمت "أدهم" لحظة، ثم أجاب بكل حزم وصرامة الدنيا:
- "إسرائيل".

واتسعت عينا "أحمد" عن آخرهما..
بمنتهى الرعب.

* * *

سلسلة الجولة الباريسية

17 - الختام..
16 - اغتيال..
15 - دماء..
14- إسرائيليات...
13- خطة...
12- لندن...
11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

سلسلة البداية


12- الختام...
11- دراجة..

10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني