|
علت أبواق سيارة الإسعاف، في العاصمة البريطانية "لندن"، وهي تنطلق نحو المستشفى الرئيسي هناك، وبداخلها "صبري"، المصاب بعدة رصاصات، والذي تنزف منه الدماء في غزارة، و"حسن"، الذي يرافقه، والذي بدا شديد الارتياع واللوعة، وهو يمسك يده، الغارقة في الدماء، قائلاً:
- تماسك يا "صبري".. تماسك يا صديقي.. من أجل ابنيك.. من أجل "مصر".
كان يشعر بتأنيب ضمير شديد؛ لأنه لم يكشف محاولة الاغتيال..
لم يلحظها..
أو حتى يتوقَّعها..
ربما لأن هذا الأمر غير معتاد في عالم المخابرات..
رجال المخابرات لا يغتالون بعضهم البعض..
ليس لأي سبب أخلاقي، ولكن لأن الانتقام والاغتيال طريق ذو اتجاهين..
ولو بدأه جهاز ما، فلن ينتهى أبداً..
لن ينتهي، ولكن عمل المخابرات قد ينتهي..
فبدلاً من أن يمارس رجال المخابرات مهامهم الرئيسية، سينشغلون في تخطيط وتنفيذ عمليات الاغتيال، والاغتيال المضاد، والثأر، وغيرها..
عندئذ لن يصبحوا رجال مخابرات.. بل رجال عصابات..
لهذا لم يتوقَّع "حسن" ما حدث أبداً..
لقد كان يراجع بعض المعلومات، مع سكرتير السفارة، عندما فوجئ بدويّ سيل من الرصاصات، فاندفع إلى الخارج بأقصى سرعته، ورأى المشهد البشع..
رأى "صبري" ملقى أرضاً، والدماء تنزف من مواضع شتى في جسده، وسيارتين تنطلقان مبتعدتين، مع ستة من الرجال على الأقل..
وبينما راح رجال أمن السفارة يطلقون نيرانهم، خلف السيارتين، أسرع هو يفحص "صبري"، الذي نطق كلمة واحدة:
- الوثائق يا "حسن".
أمسك يده، مغمغماً:
- اطمئن.
عندئذ سقط جفناه على عينيه، وتضاعف نزيف الدماء..
ويا له من موقف رهيب، لا يمكن أن ينساه أبداً..
وداخل سيارة الإسعاف، شعر بيأس شديد..
ثقوب الرصاصات، في جسد "صبري"، توحي بأنه من المستحيل أن ينجو..
صحيح أن المسعف يحاول تعويض بعض الدماء التي فقدها..
ولكن هذا يبدو أشبه بمحاولة يائسة..
ويبدو أن "صبري" كان محقاً في مخاوفه..
وربما لن يرى "أدهم" ثانية..
أبداً..
* * *
كان المفتش "لوبان" يشعر بغضب شديد، مما فعله "أدهم" به وبمساعده، وكان مصراً على إلقاء القبض عليه، مهما كانت الأسباب..
لهذا، كان يصوِّب مسدسه إليه في تحفُّز، وينتظر حركة واحدة منه، ليطلق النار على رأسه مباشرة.
ولكن فجأة، قال الملحق العسكري في صرامة:
- لا يمكنك إلقاء القبض عليه.
عقد "لوبان" حاجبيه، وقال فى حدة:
- لا أحد يمكنه أن يحول، بيني وبين هذا.
قال الملحق العسكري:
- بل يوجد ما سيحول بينكما.
ثم أخرج جواز سفر أحمر من جيبه، وهو يضيف:
- هذا.
شعر "لوبان" بتوتر شديد، وهو يتطلَّع إلى جواز السفر، قبل أن يقول في عصبية:
- وما هذا؟!
أجابه الملحق العسكري:
- كما ترى تماماً.. جواز سفر ديبلوماسي.. هذا الشاب واحد منا..
ردَّد "لوبان"، فى عصبية شديدة:
- واحد منكم؟!
لم يفهم "أدهم" نفسه ما يعنيه هذا، ولكن الملحق العسكري بدا شديد الحزم، وهو يجيب:
- يمكنك أن تقول: إنه سلاحنا السري.
بدا الغضب الشديد على وجه "لوبان"، وهو يقول:
- ما حدث هنا ليس هيناً، وأنا واثق أن وزير خارجيتنا، يمكن أن يصدر تصريحاً بالتعامل مع الموقف، حتى ولو كان هذا الشاب يحمل جواز سفر ديبلوماسيا.
قال الملحق العسكري في صرامة:
- فليكن.. حتى يصدر ذلك التصريح، لا يحق لك إلقاء القبض عليه.
رمق "لوبان" "أدهم" بنظرة شديدة الغضب، وخفض فوهة مسدَّسه، قائلاً:
- أؤكِّد لكم أن هذا لن يستغرق طويلاً.
أجابه الملحق العسكري بنفس الصرامة:
- فليكن.
ولكنه لم يكد ينصرف مع مساعده، حتى اتجه الملحق العسكري إلى "أدهم"، وناوله جواز السفر الديبلوماسي، قائلاً:
- السيِّد الوزير، مدير المخابرات، أمر باستخراج هذا الجواز لك، في حالة ما إذا احتجنا إليه.
سأله "أدهم" في حذر:
- هل كنتم تعلمون؟!
أجابه الرجل:
- والدك أخبرنا، وطلب منا أن نساعدك على الخروج من أزمتك.. استبدل هذه الثياب بسرعة، فستحملك واحدة من سياراتنا إلى المطار، وستجد حجزاً باسمك إلى "القاهرة"، فى أول طائرة تغادر.
غمغم "أدهم":
- أفضِّل أن يكونا مقعدين.
بدت الدهشة على وجه الملحق العسكري لحظة، ثم لم يلبث أن قال في حزم:
- لا بأس.. المهم أن تسرع.
ثم اعتدل، وابتسم مضيفاً:
- وسنبلغ والدك فور سفرك، أن كل شيء على ما يرام.
تمتم "أدهم":
- أتعشَّم هذا..
نعم..
كل ما عليك هو أن تتعشَّم هذا..
فقط..
* * *
"قل لي.. هل يقدِّمون طعاماً دسماً هنا؟!..".
ألقى "قدري" السؤال على "أدهم" فى اهتمام، فانتزع هذا الأخير من شروده ليقول معتدلاً:
- لست أدري.. فأنا لا أتناول الطعام، على متن الطائرات، في المعتاد.
ارتفع حاجبا "قدري" في دهشة، هاتفاً:
- لا تتناوله؟!
أومأ "أدهم" برأسه، قائلاً:
- أبداً.
أطلق "قدري" ضحكته المجلجلة المرحة، التي أدهشت ركاب الطائرة، قبل أن يقول:
- لست أدري، كيف يجد المرء فرصة لتناول الطعام، ثم لا يفعل.
ابتسم "أدهم" في رصانة، فالتفت إليه "قدري"، متسائلاً:
- ما الذى يقلقك؟!.. عودتك إلى "مصر"؟!
سأله "أدهم"، وهو يحاول الابتسام:
- هل تقلقك أنت؟!
لوَّح "قدري" بيده، قائلاً:
- بل على العكس.. إنها تسعدني تماماً، فقد سئمت التخفي هناك، في "موسكو"، وأتوق إلى العيش في النور، في وطني الأم.
غمغم "أدهم":
- شعور طيب.
تطلَّع إليه "قدري" لحظة، ثم عاد يسأله:
- حقاً.. ماذا يقلقك؟!.
تردَّد "أدهم" لحظة، قبل أن يجيب هامساً:
- لست أدري كيف سيكون رد فعل والدي، بعد أن علم أنني قد تورَّطت مع "الموساد"!!..
هزَّ "قدري" كتفيه المكتظين، وهو يقول:
- لست أظنه يغضب.. لقد انتصرت عليهم.
تنهَّد "أدهم"، قائلاً:
- أنت لا تعرف والدي.
ابتسم "قدري"، وقال:
- بل أعرفه جيداً.. لا تنسى أنه من كشف قدراتي، وساعدني على تنميتها.
تمتم "أدهم":
- لم أنس هذا.
كان ينطق عبارته، وهو يشعر بقلق عجيب، يتسلَّل إلى كيانه كله..
قلق مبهم..
غامض..
ومخيف..
وبينما يحاول معرفة سبب هذا الشعور العجيب، ربَّت "قدري" على يده، وقال وهو يسترخي في مقعده:
- اهدأ يا صديقي.. لقد انتهى الأمر.
لم يدر أحدهما لحظتها أن الذي انتهى، هو حياة "صبري"، الذي اغتالته يد إسرائيلية غادرة.. أما حياة "أدهم"، فقد كانت تكتب بداية عالمه المثير..
البداية الحقيقية.
النهاية
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
16 - اغتيال..15 - دماء..
14- إسرائيليات...
13- خطة...
12- لندن...
11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان
* * *
سلسلة البداية
|

