history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

أشعل "دافيد جراهام" سيجارته، وهو يعقد حاجبيه في توتر، داخل السيارة، التي تقف بالقرب من السفارة المصرية في "لندن"، وغمغم لمساعده، الجالس إلى جواره:
- هل احتلّ الجميع مواقعهم؟!

أجابه مساعده:
- كل منهم في مكانه يا سيِّدي، يستعدون لتنفيذ المهمة.

نفث "جراهام" دخان سيجارته في قوة، قبل أن يقول في صرامة، تحمل مزيجاً من الشماتة والتشفي:
- ستكون أمتع مهمة قمت بها، في حياتي كلها؛ فـ"صبري" هذا من أقوى رجال المخابرات المصرية، الذين جشَّمونا متاعب، لا حصر لها، منذ إنشاء جهاز المخابرات العامة المصري.

ثم عضَّ شفته السفلى، قبل أن يضيف في مقت:
- أنا شخصياً تلقيت على يديه هزيمتين، ما زلت أشعر بحنقهما ومرارتهما، حتى لحظتنا هذه.. ولابد وأن يدفع ثمنهما.. لابد.

شعر مساعده بمدى الغضب والمقت، اللذين يشعر بهما، فتمتم مجاملاً:
- نعم.. لابد.

راح "جراهام" ينفث دخان سيجارته في عصبية، وهو يراقب مبنى السفارة، في انتظار ظهور "صبري"، ثم غمغم:
- سأعتبرها هدية مولد، لابنتي "سونيا"، التي لم أرها بعد.

غمغم مساعده:
- ربما تراها قريباً.

بدا عليه الفخر، وهو يقول:
- أمها تقول: إنها باهرة الحسن، وستخلب لب الفتيان، عندما تبلغ الثالثة عشرة من العمر.

حاول المساعد أن يبتسم، وهو يغمغم:
- ربما تصبح ممثلة سينما، أو عارضة أزياء في المستقبل.

أطفأ "جراهام" سيجارته، وهو يقول في حزم:
- بل أريدها أن تصبح فتاة "موساد".

التفت إليه مساعده في دهشة، وهمَّ بقول شيء ما، عندما انتفض "جراهام" فجأة، وهو يقول، في انفعال جارف:
- ها هو ذا.

التفت المساعد، في حركة حادة، ووقع بصره على "صبري"، وهو يغادر بوَّابة السفارة، ويقف أمامها، في انتظار وصول زميله "حسن"، الذي انهمك في الحديث مع سكرتير السفارة، عند باب المبنى..

وبكل انفعاله، هتف "جراهام"، عبر دائرة لاسلكية مغلقة:
- ظهر الهدف.. نفذوا المهمة..

استقبل الهتاف ستة من قتلة "الموساد" المحترفين، في ستة أماكن مختلفة، عبر أجهزتهم اللاسلكية..
وفي وقت واحد، تحرَّك الستة نحو الهدف..

نحو "صبري"..
مباشرة..
وفي قلب عاصمة الضباب، دوت رصاصات قوية..
سيل من الرصاصات..

* * *

في اللحظة التي دخل فيها وزير الخارجية المصري، إلى بهو قاعة المؤتمر، تحرَّك قتلة "الموساد"..
شهروا أسلحتهم..
وانقضوا..

وفي اللحظة نفسها، أدرك "أدهم" أنه لا مجال للانتظار..
أو للرحمة..

لقد بذل كل ما بذل؛ ليمنع الإسرائيليين من تنفيذ خطتهم..
ليحمي الوزير..
وينقذ أمن "مصر"..

ومهما كانت العقبات، فمن المستحيل أن يتوقَّف الآن..
من المستحيل تماماً!..

وهنا، لم يتردَّد "أدهم" لحظة واحدة..
لقد استدار بأقصى سرعته، وأمسك معصم المفتش "لوبان" بيسراه، ورفع فوهة مسدسه بعيداً، ثم لكمه بكل قوته بيمناه، ليدفعه نحو مساعده..

وقبل أن يستوعب أحدهما ما حدث، وثب "أدهم"..
وثب من الطابق الثاني، في جسارة مدهشة، ليهبط على رأس اثنين من المستعربين، قبل أن تنطلق رصاصاتهما..

الاثنان، اللذان كان من المفترض أن يطلقا النار، على الوزير مباشرة..
ولقد فوجئ الكل بما فعله..
"إليعازر"..

والمستعربون الخمسة..
ورجال الأمن الفرنسيون..
والمصريون..
والوزير..

فوجئوا، وتحرَّك رجال أمن الوزير في سرعة، فاستلوا أسلحتهم، ولكنهم حاروا فيمن ينبغى أن يصوبوها إليه..

أما "أدهم"، فقد سقط أرضاً مع المستعربين، وقبل أن ينهض ثلاثتهم، هوى على فك أحدهما بركلة قوية، ثم دار يلكم الآخر في أنفه مباشرة..

وهنا، فقد "إليعازر" صوابه، وصرخ بالعبرية، دون أن ينتبه:
- الوزير.. اقتلوا الوزير.

كان هتافه العبري كافياً ليفهم الملحق العسكري الموقف كله، فصاح في رجال أمن السفارة، المصاحبين للوزير:
- الشاب معنا.

فهم الرجال الموقف على الفور، واندفع أحدهم يحمي الوزير بجسده، في حين أطلق الباقون النار على المستعربين..

ولم ينتظر "إليعازر"؛ ليرى كيف سينتهي الأمر..
لقد انطلق يعدو، محاولاً الفرار من المدخل الخلفي، قبل أن يخسر فرصة في هذا.. كان يشعر بغضب ومرارة، لا حصر لهما، وهو يعدو، ودوي الرصاصات في القاعة، يتناهى إلى مسامعه..

لقد خسر مهمته..
خسر المواجهة كلها، على الرغم من كل التخطيط والإعداد والدراسة..
خسرها بسبب صبي..
صبي مصري..

وبكل حنق الدنيا، هتف في أعماقه:
- سيدفع الثمن.. أقسم أن أجعله يدفع الثمن.

قبل حتى أن يكتمل الهتاف في أعماقه، وثب "أدهم" يدفعه من الخلف، وهو يقول بعبرية سليمة، ولهجة صارمة:
- إلى أين؟!

فقد "إليعازر" توازنه، مع قوة الدفعة، فسقط أرضاً، وهو يطلق سباباً ساخطاً، ثم استدار في سرعة، ليواجه "أدهم"، وهو ينتزع مسدسه من غمده، صارخاً:
- أنت مرة أخرى.

أمسك "أدهم" الشاب معصمه، وهو يقول:
- هل يزعجك وجودي؟!

هوى "إليعازر" بقبضته على فكه، بكل ما يملك من قوة وغضب، صائحاً:
- بل يزعجني وجودك على قيد الحياة.

كانت اللكمة من القوة، حتى أنها ألقت "أدهم" بعيداً، وعندما وثب محاولاً استعادة توازنه، وجد مسدس "إليعازر" مصوَّباً إلى رأسه، وهذا الأخير يصرخ في غضب هادر:
- لذا، فسأزيحك خارج هذه الحياة.

وفى لحظة واحدة، وثب "أدهم" نحوه..
وأطلق هو النار...

وفي بهو المقر، التقطت أذنا الملحق العسكري دوي الرصاصة، فهتف:
- يا إلهي!.. "أدهم".

كان ورجاله، مع رجال الأمن الفرنسيين، قد سيطروا تماماً على الموقف، مع إصابة بعضهم بإصابات طفيفة..
ولكنهم قتلوا ثلاثة من المستعربين..
وألقوا القبض على اثنين..
ونجا الوزير..
وفشلت المحاولة..

وكان الملحق العسكري يشعر بمنتهى الفخر؛ لأن "أدهم" ابن "صبري"، هو الذي حسم الموقف..
وأنقذ الوزير..

لذا، فقد هاله أن يسمع دوي الرصاصة، التي ربما تعني مصرع "أدهم"، فانطلق يعدو نحو مصدرها، وقلبه يخفق في عنف..

وعندما وصل إلى منطقة الصراع، بين "أدهم" و"إليعازر"، اتسعت عيناه عن آخرهما في دهشة بالغة..

لقد وجد "إليعازر" ملقى أرضاً على وجهه، و"أدهم" يجثم فوق ظهره، ويلوي ذراعه اليسرى خلفه، بقبضة قوية، على الرغم من صغر سنه، في حين يلصق مسدس الإسرائيلي بمؤخرة عنقه، و"إليعازر" يصرخ في مقت:
- لن تفلت مني أيها الصبي.. سأقتلك.. سأقتلك، حتى ولو كان هذا آخر ما أفعله في حياتي.

كان ذراع "أدهم" يدمي، مع تمزق واضح في سترة الشرطة، التي يرتديها، فصوَّب الملحق العسكري مسدسه إلى رأس "إليعازر"، قائلاً في صرامة:
- هذا لو بقيت حياً، عندما تخرج من السجن.

وصل رجال الأمن إلى المكان، وأمسكوا "إليعازر"، وأحاطوا معصميه بالأغلال، وهو ما زال يصرخ:
- من أين أتى هذا الصبي؟!.. من أين؟!

ربَّت الملحق العسكري على كتف "أدهم"، بينما كانوا يقتادون "إليعازر" إلى الخارج، وابتسم قائلاً:
- من أفضل مكان في الدنيا.. من "مصر".

لم يكد يتم عبارته، حتى اندفع المفتش "لوبان" إلى المكان، وصاح في انفعال، وهو يصوِّب مسدسه إلى "أدهم":
- إننى ألقي القبض على هذا الشاب.. الآن.

وتوتر الموقف مرة أخرى.

* * *


الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "

* * *

15 - دماء..
14- إسرائيليات...
13- خطة...
12- لندن...
11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

* * *

سلسلة البداية


12- الختام...
11- دراجة..

10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني