history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

في مكان ما من أرض مصر، وفي حقبة ما من حقب المستقبل، توجد القيادة العليا للمخابرات العلمية المصرية.. يدور العمل فيها بهدوء تام وسرية مطلقة.. من أجل حماية التقدم العلمي في مصر.. ومن أجل الحفاظ على الأسرار العلمية التي هي مقياس تقدم الأمم..

ومن أجل هذه الأهداف يعمل فريق نادر تم اختياره بدقة بالغة:
- نور الدين: واحد من أكفأ ضباط المخابرات العلمية يقود الفريق.
- سلوى: مهندسة شابة، وخبيرة في الاتصالات والتتبع.
- رمزي: طبيب بارع متخصِّص في الطب النفسي.
- محمود: عالم شاب وإخصائي في علم الأشعة.

فريق نادر يتحدَّى الغموض العلمي والألغاز المستقبلية.. إنهم نظرة أمل للمستقبل.. ولمحة من عالم الغد.

د. نبيل فاروق

 

"لا.. لا يمكننا أن نسمح بهذا.."..
انبعثت تلك العبارة، بكل صرامة الدنيا، عبر جهاز اتصال صغير، في حجرة الخبير الأمني الخاصة، بلغة غير عربية، فبدا شديد التوتر، وهو يقول:
- ولكنها الوسيلة الوحيدة المتاحة؛ للقضاء على فريق "نور" بأكمله.


أجابه صاحب الصوت الصارم:
- القضاء على ذلك الفريق، على قمة رغباتنا بالفعل، ولكن القضاء على التفوّق المصري الحالي، يفوق كل ما نتمناه.


غمغم الخبير الأمني، وهو يخشى أن يسمعه أحد:
- تلك الكائنات الهائلة شديدة الخطورة بالفعل، وهي قادرة على أن تتسيِّد الهرم الغذائي دون منازع، ولكنهم ليسوا بسطاء.. لقد حاصروها داخل مركز الأبحاث، وإن عاجلاً أو آجلاً، سيسيطرون عليها، ويفنوها عن آخرها.


أجابه صاحب الصوت الصارم:
- لقد درسنا هذا الاحتمال، ودرسنا أيضاً إمكانية قضائها على فريق "نور"، وخبراؤنا يؤكدون أن المصريين سيتمكنون حتماً، خلال أربع وعشرين ساعة على الأكثر، من القضاء على تلك الكائنات، وهذا لا يتعارض مع أهدافنا، وإنما التعارض الحقيقي، هو أن يتم حرقها، وإتلاف مادتها الوراثية، على نحو أو آخر.


اتسعت عينا الخبير الأمني، وهو يقول:
- مادتها الوراثية؟!.. هل تعني أن....


قاطعه صاحب الصوت الصارم، واللغة غير العربية..
- نعم.. كل ما يهمنا، هو الحصول على عينة، من المادة الوراثية لتلك الكائنات العملاقة.. سنقوم باستنساخها، وإضافة صفات أكثر وحشية لها، ثم نطلقها في أماكن شتى من "مصر"، و..


قطع عبارته بضحكة وحشية، جعلت الخبير الأمني يشعر بتوتر بالغ، وهو يسأل، في صوت شديد الخفوت:
- وماذا لو أفلتت من عقالها، وهدَّدت البشرية كلها؟!


أجابه في صرامة أكثر:
- لا تقلق من هذا الشأن.. سنضيف إلى جيناتها، ما يضمن لنا السيطرة الكاملة عليها.. المهم أن تقوم أنت بدورك.


غمغم في ذعر:
- دوري؟!


أجابه، في صرامة قاسية مخيفة:
- نعم.. دورك.. عليك أن تحافظ على تلك الكائنات، حتى تحصل على عينة من مادتها الوراثية.


غمغم في توتر رهيب:
- وماذا عن "نور" وفريقه؟!


أجابه في قسوة أكثر:
- سنؤجِّلهم إلى دورة أخرى.


ثم حمل صوته رنة ساخرة، وهو يضيف:
- هذا لو بقوا على قيد الحياة..


وكم كانت عبارته صحيحة..
لو بقوا على قيد الحياة..
لو..

* * *

ما توصَّل إليه "أكرم"، كان مخيفاً للغاية..
بل إلى أقصى حد..

فلو أن تلك البكتيريا العملاقة، امتصَّت بالفعل قدرات وخبرات الدكتور "صفوت"، فهذا يعني أنها تعلم كل شيء..
وتتعامل بذكاء خارق، يفوق ذكاء البشر..

ولو أضفت هذا إلى قدراتها الجسمانية الرهيبة، فسينتج عن هذا خصم رهيب..
خصم خارق..
إلى أقصى حد..


وفي توتر شديد، غمغم:
- تُرى ما الذي تعده لنا الآن؟!..


أجابه "نور" في خفوت، وهو يتلفَّت حوله في حذر:
- لقد أوقفناها في المرة السابقة، بحاجز من النيران، وبما تمتصه من خبرات، ستدرك حتماً أنه من الضروري التغلُّب على هذا، ولو أنها تمتلك عقلية بشر، فستعلم أن الوسيلة الأمثل، للقضاء على النار هي..


قاطعه "أكرم"، بصوت مرتجف:
- الماء..


كان سر ارتجافته، ذلك الهدير الخافت، الذي يأتي من نهاية الممر، والذي راح يتصاعد..
ويتصاعد..
ويتصاعد..


ولقد التقطته أذنا "نور" أيضاً، فاتسعت عيناه، وهو يهتف:
- يا إلهي!.. لقد أطلقوا علينا الوسيلة الوقائية.


كان الهدير قد تصاعد إلى حد مخيف، عندما نطق عبارته، ولم يكد ينتهي منها، حتى ظهرت المياه، التي تندفع نحوهما، عبر الممر الخلفي، في شدة..


وفي ذعر، هتف "أكرم":
- اجر يا "نور".. اجر بكل قوتك.


انطلقا يعدوان، بأقصى سرعتيهما، عبر الممر الأمامي، ولكن سرعة البشر، مهما بلغت، لا يمكنها أن تفوق سرعة مياه، تهدر في قوة، عبر ممرات مغلقة..

لذا، فلقد شعرا بضربة باردة عنيفة في ظهريهما، قبل أن تغمرهما المياه، وتدفعهما أمامها في عنف..

وشعر "نور" بأنفاسه تحتبس، وبالمياه تندفع عبر فمه وأنفه، وحاول أن يقاوم في شدة، ولكن التيار كان يدفعهما أمامه في عنف، وعلى قيد متر واحد منه، شاهد "أكرم"، وهو يحاول المقاومة بدوره، ويداه تضربان الماء المتدفِّق في يأس، محاولاً التشبث بشيء..
أي شيء..

ولكن المياه كانت تندفع في قوة..
وبمنتهى القوة..

ولكن مصباحيهما اليدويين، ظلا يعملان تحت الماء..
وعلى ضوئيهما، شاهد "نور" ما يندفعان نحوه..
لقد كانا يندفعان نحو كائن عملاق، يتشبث بأرضية الممر في قوة..

ومع سرعة اندفاعهما، وامتداد الممر، كانت محاولة تفاديه مستحيلة..
تماماً..

* * *

لدقائق طويلة، ظلّ "رمزي" و"سلوى" والدكتور "حجازي" جامدين في أماكنهم، أمام ذلك الجيش الرهيب، من الكائنات العملاقة..
دقائق، بدت لهم أشبه بدهر..
دهر كامل من العذاب..
والخوف..
والرعب..
والهلع..

وفي عقل كل منهم، كان يدور تساؤل واحد..
ماذا ستفعل بهم تلك الكائنات الضخمة؟!..
هل ستواصل تجاهلهم..
أم ستنقض عليهم..
وتلتهمهم بلا رحمة؟!..

كانت الكائنات تلتف حولهم، في دائرة واسعة، وأهدابها كلها تتحرَّك على نحو ثابت منتظم، وكأنها تراقبهم، وتناقش تكوينهم البشري، تمهيداً للهجوم الشامل..


ولأنها بلا ملامح واضحة، فقد أثار هذا استفزاز "سلوى" بشدة، وجعلها تقول في عصبية شديدة:
- ماذا تفعل؟!.. إما أن تنقض علينا، أو تنصرف.


أمسك "رمزي" يدها، هامساً:
- "سلوى".. لا داع لاستفزازها.


قالت، بنفس العصبية:
- وما الفارق؟!.. إننا لن نقضي عمرنا كله هنا!


غمغم الدكتور "حجازي" في توتر:
- فلنحاول البقاء على قيد الحياة، لأطول فترة ممكنة.


كرَّرت في حدة:
- وما الفارق؟!


أجابها "رمزي" هامساً:
- دقيقة واحدة، ربما تمنحنا الأمل في النجاة..


كان منطقه سليماً تماماً، في مثل هذه الظروف..
ولقد اختبر الفريق هذا من قبل..
دقائق قليلة، تفصل أحياناً، بين الموت والحياة..
بل دقيقة واحدة تفعل..
إنها تؤمن بهذا تماماً..
ولكنها لم تعد تحتمل..

مشهد الكائنات العملاقة، بأجسامها الهلامية، وأهدابها اللزجة الطويلة المتراقصة، وهي تحيط بهم من كل جانب، في صمت وسكون، إلا من حركة الأهداب، كان يثير أعصابها بمنتهى الشدة..
بل بمنتهى منتهى الشدة..

ولقد بدا لها، في تلك اللحظات العصبية، أن الموت أفضل من الانتظار..
من الخوف..
والذعر..
والهلع..
والجمود..


لذا، فعلى الرغم من اقتناعها التام، بمنطق "رمزي" والدكتور "حجازي"، وجدت نفسها تنهض فجأة، وتهتف في غضب:
- لو أنك تريديننا فهيا.. لقد سئمت الترقُّب.

بدا وكأن هتافها قد أيقظ الكائنات العملاقة من سباتها العميق، فمع نهايته، وقبل حتى أن يتلاشى صداه، تحرَّكت لتطبق عليهم..
من كل صوب.

 

* * *

الحلقات السابقة من
"كائنات"

14- الســر..
13- نيران..

12- المواجهة..

11- الزحف..

10 - الحل الآخر..

9 – فرار..

8 - دواعي الأمن..

7 - أهداب..

6 - الحصار..

5 - عبث..

4- ذكاء..

3- رطب ولزج...
.
2- أنفاق...
.
1- الوحش..
.

* * *

سلسلة قلب الذرة

12- ختام....
11- طاقة
10- دوائر.... دوائر..
9 - في الأسر..
8 - كائنات..
7 - عالم آخر..
6 - فقاعات..
5- وهج..
4- الفيل.. والنملة..

3- بلا أثر
2- عقلة الإصبع
1- تجربة


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني