|
قفزت دهشة "نشوى" إلى الذروة، وهي تحدِّق في شاشة ساعتها..
لم يكن مبعث دهشتها هو إطلاق الغاز السام في مركز الأبحاث فحسب..
بل كان بسبب الشاشة نفسها..
فالمفترض، بعد إحاطة المكان بمجال كهرومغناطيسي قوي، أن تنقطع عنه الاتصالات تماماً، وألا تبلغه أية إشارات، حتى من داخل المكان..
ولكن ساعتها تعمل..
وبمنتهى الكفاءة..
وهذا لا يعني سوى أمر واحد..
لقد عزل الدكتور "صفوت" معمله تماماً، لهدف ما..
وبناءً على هذا، يكون معمله هو المكان الوحيد، الذي يمكنه استقبال وإرسال أية اتصالات..
أو أن أجهزة الاتصالات تعمل داخله على الأقل..
كانت قد بدأت تشعر بشيء من الدوار، مما يعني أن الغاز السام قد بدأ يؤتي تأثيره، مما أشعرها بمدى خطورة الموقف..
ويا له من خطر مزدوج..
الكائنات تحاصرهم من الداخل، والغاز السام يبث عليهم من الخارج..
وعليها أن تقاوم الأمرين..
وإلا..
قاومت ذلك الدوار في صعوبة، وحاولت أن تكتم أنفاسها، وهي تغلق برنامج الدكتور "صفوت"، وتنتقل إلى برنامج آخر..
برنامج متابعة وصيانة نظم الأمن، داخل مركز الأبحاث، والذي أشرفت على تطويره بنفسها..
كانت تعمل بأقصى سرعتها، والدوار يحيط برأسها أكثر..
وأكثر..
وأكثر..
وفي تلك اللحظات العصيبة، وجدت نفسها تتساءل: تُرى كيف يواجه الآخرون هذا الغاز السام في الخارج؟!..
كيف؟!..

في نفس اللحظة، التي جالت فيها تلك التساؤلات في رأسها، كانت "سلوى" تقاوم ذلك الدوار في صعوبة، وهي تقول:
- دكتور "حجازي".. هل تطلق تلك الكائنات نوعاً من غاز الأعصاب، أم ماذا؟!..
أجابها، وهو يفقد توازنه بالفعل:
- لا يوجد أي نوع بكتيريا يفعل هذا.
هتف "رمزي"، وهو يراقب في خوف، تلك الكائنات العملاقة، التي أحاطت بهم من كل صوب:
- ماذا يصيبنا إذن؟!
لم تكد عبارته تنتهي، حتى فقد اتزانه ووعيه، وهوى على الأرض، فهتفت "سلوى" بدورها، وهي تحاول الاندفاع نحوه:
- لا يا "رمزي".. لا تسقط الآن.
قبل أن تتم عبارتها، سقط الدكتور "حجازي" بدوره، وهو يغمغم مختنقاً:
- يا لها من نهاية!
وحاولت "سلوى" أن تقاوم..
من أجلهم على الأقل..
كان يهولها أن تكون هذه نهايتهم..
مجرَّد وجبة، داخل بكتيريا عملاقة..
حاولت، وحاولت، وحاولت..
ولكن التأثير الأوَّلي للغاز كان قوياً..
لذا، فقد سقطت بدورها، فاقدة الوعي..
ومع سقوطها، توقَّف زحف الكائنات التي تحاصرهم فجأة، وراحت أهدابها تتحرَّك في الهواء حركة منتظمة..
حركة تختلف عن حركتها الأخرى في الممرات..
ولكنها شديدة الانتظام..
وكان من الواضح أنها أيضاً تلبي نداء..
نداء مجهولا..
تماماً..
* * *
لم يفهم "أكرم" أي شيء، مما يدور في الممرات، في تلك اللحظة..
لم يفهم ما يعنيه "نور"..
ولم يفهم سر ذلك الدواء العجيب، الذي بدأ يغزو رأسه.
"نور" أيضاً شعر به، ولكنه قاومه بشدة، وهو يقول:
- كل الكائنات الحية تخشى الاحتراق يا صديقي.. كلها تخشى النار..
تمتم "أكرم":
- وما الذي يعنيه هذا؟!..
بدا صوت "ممدوح" متهالكاً للغاية، وهو يتمتم في صعوبة وألم:
- إنني أحترق.
انتزع "نور" سترته، وشقَّها في قوة على نصفين، وألقى أحدهما في الامتداد الأمامي للمر، على بُعد مترين أو ثلاثة من الكائن العملاق، الذي يزحف نحوهم، ثم أطلق أشعة مسدسه الليزري نحوها..
واشتعلت تلك النقطة..
اشتعلت، لتصنع حاجزاً من النار، بينه وبين الكائن، الذي توقَّف عن الزحف، وراحت أهدابه تتحرَّك في الهواء، على نحو منتظم..
واستدار "نور" إلى الكائن الآخر..
ثم توقَّف في دهشة..
لم يكن قد صنع حاجز نيران، بينهم وبين ذلك الكائن، في الامتداد الخلفي للممر، وعلى الرغم من هذا، فقد توقَّف الكائن، وجمد في مكانه تماماً، وهو يحرِّك أهدابه في الهواء، على نفس النحو المنتظم، الذي يميِّز حركة أهداب الآخر..
وفي حيرة، غمغم "نور":
- إنها تتخاطب.
لم يبد أن "أكرم" قد سمعه، وهو يتمتم:
- لقد فقد "ممدوح" وعيه.
قالها، والدوار يكتنف رأسه أكثر..
وأكثر..
وأكثر..
وبصوت يوحي بأنه يعاني المثل، غمغم "نور":
- ماذا تفعل تلك الأشياء بنا؟!
حاول "أكرم" أن يجيبه..
حاول، ولكنه لم يستطع..
لقد تضاعف شعوره بالدوار..
تضاعف كثيراً..
كل ما أمكنه أن يقوله، هو غمغمة باهتة:
- ياللسخافة!
ثم سقط على وجهه، إلى جوار جسد "ممدوح" مباشرة..
وفي صعوبة، تمتم "نور":
- يبدو أنها.. أنها..
لم يستطع إكمال عبارته، وهو يهوي بدوره أرضاً..
وعلى الرغم من أن الكائنين لم يحاولا الاقتراب منهما، فقد كانت أنفاسهما تكاد تتوقَّف..
تماماً.
* * *

بدا الخبير الأمني شديد العصبية والتوتر هذه المرة، وهو يندفع إلى حجرة القائد الأعلى، قائلاً:
- ما الذي يحدث، في مركز الأبحاث بالضبط؟!
تطلَّع القائد الأعلى إليه في حيرة، وهو يقول:
- هل استجَّد جديد؟!
أجابه الخبير في حدة:
- الغاز تراجع.
اعتدل القائد الأعلى، هاتفاً:
- ماذا؟!
بدا الخبير في ذرة عصبية، وهو يقول:
- شيء ما، أو شخص ما، داخل مركز الأبحاث، استخدم برنامج تأمين الطوارئ، وقام بشفط الغاز من المركز، وإعادة ضخه إلى خزاناته الرئيسية.
تمتم القائد الأعلى في انفعال:
- مستحيل!
مال الخبير الأمني نحوه، وقال في عصبية أكثر:
- لا تقل لي إنك تجهل هذا.
تطلَّع إليه القائد الأعلى في انفعال، دون أن يجيب..
بل، ودون حتى أن يبدو أنه يسمعه..
كان الخبر يجذب انتباهه في شدة..
جهاز تأمين الطوارئ تم تشغيله..
وهذا لا يحدث آلياً..
العلماء رفضوا أن يتم تشغيله آلياً، خشية أن يسيء فهم إحدى تجاربهم، ويعمل على الرغم منهم..
إذن، فهناك من قام بتشغيله..
وما دام الغاز المستخدم، عديم اللون والطعم والرائحة، فهذا يعني أن أحدهم قد رصد وجوده بوسيلة ما..
وسيلة إلكترونية..
وبسرعة، ومتجاهلاً الخبير الأمني تماماً، انتقل القائد الأعلى، بأفكاره وأصابعه، إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به، وراح يفحص أجهزة اتصال الفريق..
ثم تألَّقت عيناه في قوة..
جهاز "نشوى" يعمل..
وهذا يعني أنه من الممكن الاتصال بها، وتبادل المعلومات معها..
وهذا سيصنع حتماً فارقاً..
فارقا كبيرا..
وفي انفعال، أدار عينيه إلى الخبير الأمني، قائلاً:
- ساعة "نشوى" ما زالت تعمل.
أجابه الخبير الأمني في شراسة:
- هذا لا يهم.. لقد قرَّرنا استخدام الأشعة الحارقة دون الحمراء.
ثم مال نحو القائد الأعلى، وأكمل بلهجة عصبية متحدية:
- وكل شيء داخل مركز الأبحاث سيشوى... حياً.
ولم ينطق القائد الأعلى بكلمة..
على الإطلاق.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"كائنات"
12- المواجهة..
11- الزحف..
10 - الحل الآخر..
9 – فرار..
8 - دواعي الأمن..
7 - أهداب..
6 - الحصار..
5 - عبث..
4- ذكاء..
3- رطب ولزج....
2- أنفاق....
1- الوحش...
* * *
سلسلة قلب الذرة
12- ختام.... |

