|
تألَّقت عينا "إليعازر"، وهو يواجه فريق المستعربين، الذي يقف أمامه، ويشير إلى رسم تخطيطي لقاعة المؤتمر، قائلاً:
- منذ لحظة خروج الوزير المصري، من سفارة دولته، وحتى يصل إلى مقر المؤتمر، سيحيطونه بحراسة مشدَّدة، من رجال لا يتردَّدون في الموت، من أجل حمايته، مما يجعل محاولة اغتياله أمراً عسيراً، وغير مأمون الجانب، لذا، فسنتركه يمضي في رحلته بسلام، ثم ننتظره هنا.
قال الكلمات الأخيرة، وهو يشير إلى بهو المؤتمر، في الرسم التخطيطي، فغمغم أحد الرجال في دهشة:
- في قاعة المؤتمر.
عاد "إليعازر" يواجههم، وهو يقول:
- المسافة الوحيدة، التي سوف يسيرها الوزير، بدون حراسة، هي المسافة بين مدخل المبنى، وحتى قاعة المؤتمر، مروراً بالبهو، ولهذا فليس أمامنا سوى أن ننتظره هناك.. في البهو.
تبادل الرجال نظرة دهشة متوترة، قبل أن يقول أحدهم:
- أخبرتنا من قبل أن الشرطة الفرنسية تؤمِّن قاعة المؤتمر، على نحو لم يحدث من قبل، وكل العاملين بالمكان لا يمكنهم دخوله، إلا بوساطة بطاقات خاصة، غير قابلة للتزوير، فكيف يمكننا أن نصل إلى الوزير المصري هناك؟!
اعتدل "إليعازر"، وقال:
- الشرطة الفرنسية تؤمِّن المكان كله بالفعل، والبطاقات غير قابلة للتنفيذ، ونظم الأمن بالغة الدقة، ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد ثغرة ما..
سأله آخر:
- وأين هي؟!

لم يجب "إليعازر" سؤاله، وإنما شدَّ قامته أمامه، والتمعت عيناه، وهو يقول في حزم:
- الواقع أنه لديّ خطة.
قالها، والتمعت عيناه أكثر..
وأكثر..
وأكثر..
* * *
لم تكد الطائرة القادمة من "موسكو"، تهبط في مطار "أورلي" في "باريس"، حتى غادرها شاب في منتصف العشرينيات تقريباً من العمر، ولكنه يبدو أصغر سناً، بسبب وجهه طفولي الملامح، وبدنه المكتظ على نحو ما..
ولقد غادر الشاب المطار، فور إنهاء إجراءاته، ووقف أمامه يتلفَّت حوله، وكأنه في انتظار شخص ما، حتى توقَّفت أمامه واحدة من سيارات الأجرة، وقال سائقها، صاحب الشارب الضخم:
- "كاليه"؟!
التفت إليه الشاب في لهفة، وأجاب في سرعة:
- بل "ليل""*".
أشار إليه السائق، قائلاً:
- سنصل بسرعة الصاروخ.
ابتهج الشاب، واتجه في حماس إلى المقعد الأمامي من السيارة، ولكن السائق كثيف الشارب، قال في شيء من الحزم:
- المقعد الخلفي للسادة.
أطاعه الشاب على الفور، وانتقل إلى المقعد الخلفي، ولم يكد يفعل، حتى انطلقت السيارة على الفور، فأطلق الشاب المكتظ ضحكة مرحة مجلجلة، وقال:
- أشعر وكأننا جزء من فيلم، من أفلام الجاسوسية.
غمغم "أدهم"، الذي يحتل مقعد السائق:
- إننا كذلك بالفعل.
اتسعت عينا "قدري"، وهو يغمغم:
- حقاً؟!
قال "أدهم"، دون إضاعة الوقت:
- لقد اتصلت بك في "موسكو"، وطلبت تعاونك؛ لأن الأمر خطير بالفعل.. خطير للغاية.
بدت دهشة قلقة، على وجه "قدري" الشاب، وهو يقول:
- رباه!.. إلى هذا الحد؟!
أجابه "أدهم" في حزم:
- وربما أكثر من هذا.
اتسعت عينا "قدري" أكثر، وتراجع في مقعده، وهو يتساءل في حيرة:
- وما دام الأمر كذلك، فلماذا لم تتولَه المخابرات نفسها؟!
صمت "أدهم" لحظة، ثم قال:
- ربما كان الأمر أعقد من أن أشرحه لك، ولكنني أطرح عليك سؤالاً واحداً... هل أنت على استعداد لمعاونتي؟!..
أطلق "قدري" ضحكة أخرى مجلجلة، قبل أن يقول في مرح:
- هل تظنني أتيت من "موسكو" إلى هنا، لمشاهدة ليل "باريس"؟!
ابتسم "أدهم" في امتنان، وقال:
- لست أدري كيف أشكرك!.
لوَّح "قدري" بيده، قائلاً:
- أنا واثق بأنك ستجد ألف وسيلة فيما بعد.. ولكن أخبرني الآن، إلى أين نتجه؟!.. إلى فندقك.
ابتسم "أدهم" أكثر، وهو يقول:
- بل إلى منزل آمن.. منزل من منازل المخابرات الإسرائيلية.
واتسعت عينا "قدري" في دهشة...
منتهى الدهشة..
* * *
"فيم تفكِّر؟!..."..
ألقى "حسن" السؤال على "صبري" في خفوت، وهما داخل الطائرة، التي تنطلق من "مصر" إلى "إنجلترا"، فأجابه "صبري"، دون أن يفتح عينيه:
- في "أدهم".
صمت "حسن" لحظات مشفقاً، قبل أن يقول:
- المفترض ألا يشغلك شيء، سوى المهمة التي نحن بصددها.

قال "صبري" في توتر:
- لا تنسَ أنه ابني.
قال "حسن":
- لا يمكنني أن أنسى هذا، ولكننا لا نملك فعل أي شيء لـ"أدهم"؛ فهو في دولة أخرى.
غمغم "صبري":
- دولة، لن يفصلها عنا، سوى بحر "المانش".
أجابه "حسن":
- ولكنها دولة أخرى، على أية حال، وكل رجالنا فيها يبحثون عنه وسيسعون لحمايته، مهما كان الثمن.. لا تنسَ أن الجهاز قد اعتبره بطلاً قومياً.
قال "صبري" في مرارة:
- المهم أن يكون بطلاً قومياً حياً.
ربَّت "حسن" على كتفه، قائلاً:
- سيكون كذلك بإذن الله.
حاول "صبري" أن يكتفي بهذا، إلا أنه لم يستطع أن يكتم توتره الشديد، وهو يقول:
- لماذا أشعر وكأنني لن أراه مرة ثانية إذن؟!
قال "حسن"، محاولاً تهدئته:
- مجرَّد شعور سلبي، ولَّده قلقك الشديد عليه.
تنهَّد "صبري"، وغمغم:
- ربما.
ربَّت عليه "حسن" مرة أخرى، وهو يقول:
- المهم الآن، هل وجدت وسيلة، لتنفيذ ما نسعى إليه؟!
أجابه "صبري":
- إنني أدرس الأمر من كل جوانبه، منذ أبلغت به، وما زال التنفيذ يبدو لي مستحيلاً.
غمغم "حسن":
- في مهنتنا، لا نؤمن بكلمة مستحيل!
قال "صبري" في حزم:
- بالطبع.
ثم أسبل جفنيه مرة أخرى، وحاول أن يزيح صورة ابنه من ذهنه، ولكن الصورة احتلَّت كيانه كله بضع لحظات، مع كومة من التساؤلات..
تُرى ما الذي غرس "أدهم"، في مواجهة شرسة مع "الموساد"؟!
كيف حدث هذا؟!..
ومتى؟!
وأين هو الآن؟!..
أين؟!..
اختلطت الأفكار في رأسه، ما بين ابنه ومهمته، و...
فجأة، تألَّقت نقطة ما في ذهنه..
نقطة، أضاءت عقله كله..
وبسرعة مدهشة، راح عقله يفكِّر..
ويدرس..
ويخطِّط..
ويرسم..
و..
"ليس مستحيلاً.."..
نطقها في حماس، فالتفت إليه "حسن" في لهفة، جعلته يقول مبتسماً:
- أنت على حق.. في عالمنا لا يوجد مستحيل.
سأله "حسن"، بمنتهى الخفوت واللهفة:
- ما الذي يعنيه هذا؟!
ابتسم "صبري"، وأجاب:
- لديّ خطة.
واتسعت ابتسامته..
الغامضة.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
12- لندن...11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان
* * *
سلسلة البداية
|

