history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

على الرغم من أن "صبري" لم يذق النوم لحظة واحدة، طوال الليلة السابقة، إلا أنه بدا متماسكاً أمام مدير المخابرات، في الصباح التالي، وهذا الأخير يقول:
- إنه ابنك يا "صبري".

انعقد حاجبا "صبري" في شدة، ولاذ بالصمت التام، فتابع المدير في رصانة:
- ولكننا لن نتهمه بشيء.

تطلَّع إليه "صبري" في صمت ودهشة، فأكمل:
- بل إننا على العكس، سنعتبره من أحد أفضل مواطنينا.

بلغت حيرة "صبري" ذروتها، وتساءل في حذر:
- ماذا حدث بالضبط؟!..

ابتسم مدير المخابرات، وهو يقول:
- لقد اعترف أحد عميلي "الموساد"، بأنهما كانا يريدان مهاجمة السفارة المصرية في "باريس" أمس؛ لاغتيال وزير خارجيتنا، ولكن ابنك "أدهم" سمع خطتهما بالمصادفة، أثناء ذهابه إلى "باريس"، ويبدو أنه أخذ الأمر على عاتقه، فواجه فريقا من المستعربين وحده، وأرهقهم طوال الليل، حتى أفسد خطتهم في النهاية.

حمل صوت "صبري" مزيجاً من الدهشة والزهو والفخر، وهو يغمغم:
- "أدهم" فعل هذا؟!

نهض مدير المخابرات، ووضع يده على كتفه، قائلاً بابتسامة كبيرة:
- ابنك بطل يا "صبري".

ثم عقد كفيه خلف ظهره، واتجه نحو النافذة، مكملاً:
- ومن الواضح أن برنامجك قد أتى ثماره، وعلى نحو مدهش.

غمغم "صبري":
- أتعشَّم هذا.

ثم سأل في قلق:
- ولكن ماذا عن "أدهم".. هل ظهر؟!

صمت المدير لحظة، قبل أن يجيب:
- مصادرنا قالت: إنه عاد إلى فندقه، في ساعة متأخرة أمس، وعندما صعد أحد رجال سفارتنا إلى حجرته، فوجئ بها خالية، و..

بتر عبارته دفعة واحدة، والتقى حاجباه، فسأله "صبري" في خوف:
- وماذا؟!

تطلَّع إليه المدير، وهو يواصل صمته، قبل أن يقول في خفوت:
- ووجدوا هناك آثار دماء متناثرة.. و... وإصبع.

اتسعت عينا "صبري" في ذعر مذهول، وهو يقول:
- إصبع؟!

أومأ المدير برأسه إيجاباً، وحاول تخفيف الأمر عليه، وهو يقول:
- ملحقنا الطبي حصل عليه، وهو يقوم بفحصه الآن، وسوف..

قاطعه "صبري" في انفعال، دون أن ينتبه إلى ما في هذا من مخالفة، لقواعد الرسميات واللباقة والذوق:
- ماذا أصاب ابني؟!

ربَّت المدير على كتفه، وقال:
- حاول أن تبعد كل الأفكار السلبية عن ذهنك؛ فرجالنا هناك يبذلون قصارى جهدهم، لحسم الأمر، وإيجاد ابنك.

وصمت لحظة، ثم أضاف:
- ثم إن لديك مهمة أخرى، لا ينبغي أن يتشتَّت ذهنك خلالها.

سأله "صبري"، دون أن يحاول إخفاء توتره:
- مهمة.

عاد المدير خلف مكتبه، وهو يقول:
- المؤتمر الذي يحضره وزير خارجيتنا في "باريس"، وكل إجراءات الأمن المحيطة به، مجرَّد تمويه، لإبعاد عيون الإسرائيليين عن هدفنا الحقيقي.. هدف "لندن".

نجحت العبارة الأخيرة، في جذب انتباه "صبري" في شدة، فجلس على المقعد، المواجه لمكتب المدير، وهو يقول في اهتمام:
- هدف "لندن"؟!

أومأ المدير برأسه إيجاباً، وقال:
- إنه أمر بالغ الأهمية والسرية، وصلنا من أهم عملائنا في "تل أبيب"، يقول: إن الإسرائيليين يقومون بتنفيذ خط من الأنابيب، بطول القناة؛ لضخ مادة حارقة، على سطح مياهها، إذا ما حاولت قواتنا العبور.

انعقد حاجبا "صبري"، وهو يقول:
- يا إلهي.. هل يعتزمون حرق رجالنا؟!

أشار المدير بسبَّابته، قائلاً:
- يحاولون منعنا من شن الحرب، بأي حال من الأحوال، وتدمير قواتنا، في حالة الهجوم..

تراجع "صبري" في مقعده، وبدت عليه علامات التفكير بضع لحظات، قبل أن يعتدل، قائلاً في اهتمام:
- وهل هذا الخبر حقيقي؟!

أجابه مدير المخابرات في اهتمام أكثر:
- هذا هو السؤال، الذي نحتاج إليك؛ لإجابته.

وعاد ينهض من مقعده، ويتجه إلى نافذة حجرته، متابعاً:
- عميلنا يقول إن الإسرائيليين سيعلنون الخبر، خلال ثلاثة أيام، عبر مصادرهم الرسمية، ولكن هذا لا يعني أنه صحيح.. ربما كان نوعاً من الحرب النفسية، أو الخداع المدروس فحسب.

نهض "صبري" بدوره، قائلاً:
- هذا أمر محتمل للغاية، وليست أوَّل مرة يستخدم فيها، ففكرة إشعال النار على سطح الماء فكرة قديمة، ابتكرها ماجور، من ضباط المخابرات البريطانية، يُدعى "جون بيكر هوايت"، في صيف 1940م، ففي تلك الفترة، كان "بيكر" مسئولاً عن الحرب النفسية، ضد القوات النازية، التي ترسم خطتها لغزو الجزر البريطانية، وضمن برنامج الإعداد، سافر "بيكر" إلى خليج "سانت مارجريت"، بالقرب من "دوفر"؛ للاطمئنان على التواجد الأمني هناك، ولكنه لم يكد يصل إلى وجهته، حتى هوى قلبه بين قدميه.

استدار المدير، يتطلَّع إلى "صبري"، الذي تابع في اهتمام:
- لقد كان الشاطئ كله تحت حماية فصيلة واحدة، من حملة البنادق، ولديها مدفعان من طراز "برين"، ومدفع آلي واحد، من طراز "فيكرز"، أما المدفعية المعاونة، فمجرَّد بضعة مدافع فرنسية قديمة، من عيار خمسة وسبعين مليمتراً، ولكل مدفع ذخيرة محدودة، بعشر طلقات فحسب، مما يعني أنه لو هبط النازيون في تلك البقعة، فسيبلغون القصر الملكي في "لندن"، ويرفعون عليه العلم النازي، خلال أسبوع واحد لا أكثر.

لم يرفع المدير بصره عنه، وهو يعود إلى مقعده، في حين أكمل "صبري"، بنفس الاهتمام:
- وعندما تسرَّب اليأس إلى قلبه، وقع بصره على مشهد مدهش.. مشهد أنابيب قديمة صدئة، تمتد بطول الشاطئ، على مسافات منتظمة، والبترول يندفع منها، بفعل مضخات قديمة، فترسل ألسنة لهب طوال الوقت.. وهنا قفزت الفكرة إلى رأسه، وتخيَّل خطاً من النيران بطول الشاطئ، يشتعل على سطح البحر، ويلتهم قوات الغزو.. ولما كان تنفيذ هذه الخطة مستحيلاً، من الناحية المادية، فقد راودته، كخبير في الحرب النفسية، فكرة تحويلها إلى خطة؛ لنشر الذعر في صفوف القوات النازية، وهكذا، أطلق "بيكر" الشائعة، التي منعت الألمان بالفعل، من التفكير في خطة الغزو"*".

تطلَّع إليه المدير في إعجاب واضح؛ فكم كان معجباً بثقافته العامة، والمخابراتية على وجه الخصوص..

وفي هدوء، قال:
- بالضبط يا "صبري"، وهناك احتمال كبير، أن يكون ما يعلنه الإسرائيليون، أو ما يعتزمون إعلانه، مجرَّد حرب نفسية.

تساءل "صبري":
- وكيف يمكننا حسم الأمر؟!

بدا وكأن مدير المخابرات كان ينتظر هذا السؤال، وهو يجيب في سرعة:
- أحد مصادرنا في "لندن"، أكَّد لنا أن الوثائق الخاصة بهذا الأمر، والتي يمكن أن تحسم تماماً، موجودة في السفارة الإسرائيلية هناك.

انعقد حاجبا "صبري"، وهو يقول:
- هل من المفترض أن أتولَّى عملية إحضارها؟!

أشار المدير بسبَّابته، قائلاً:
- بالضبط.

ثم بدا شديد الاهتمام، وهو يتابع:
- ستسافر إلى "لندن" بهويتك الحقيقية، مع جواز سفر دبلوماسي، يقول: إنك ستتولَّى منصب الملحق العسكري الجديد، في سفارتنا هناك، ولكن مهمتك الفعلية هي أن تدخل السفارة الإسرائيلية، وتحصل على تلك الوثائق، وتلتقط لها صوراً واضحة، ثم تعيدها إلى موضعها، دون أن يشعر مخلوق واحد بأننا قد حصلنا عليها، وإلا أدرك الإسرائيليون أننا كشفنا سرهم، وعمدوا إلى خطة جديدة..

والتقى حاجبا "صبري" في شدة..
فالمهمة، للوهلة الأولى، تبدو مستحيلة..
مستحيلة تماماً..
ولكنها حتمية..

فعليها، يعتمد مستقبل المواجهة كلها..
إما حرب..
أو لا حرب..

وهذا يعني أن "مصر" تناديه، ولابد وأن يلبي النداء.. مهما كان الثمن..

شيء واحد جال بعقله، في تلك اللحظة..
ابنه "أدهم"..

ولسبب ما، شعر بأنه لن يراه مرة ثانية أبداً..
ولكنه لم يتصوَّر قط أن هذا الشعور ليس مجرَّد وهم..
إنه حقيقة..
حقيقة حتمية..
للأسف.

* * *


الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "

* * *

11 - أدهم..
10 - رصاصة في الليل..
9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

* * *

سلسلة البداية


12- الختام...
11- دراجة..

10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني