history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

 

عقد "إليعازر" كفيه خلف ظهره، وعقد حاجبيه في غضب صارم، وهو يسير أمام المستعربين، يتطلَّع إليهم في صمت، ووجوههم كلها تحمل مزيجاً من الإحباط والضيق..
ثم فجأة، توقَّف "إليعازر"، وقال:

- لقد خسرنا هذه الجولة.

تطلَّع إليه الرجال في توتر، فأضاف في مقت:
- خسرناها بسبب صبي مصري.

تمتم أحدهم:
- إنه ليس صبياً عادياً.

صاح فيه "إليعازر":
- إنه مجرَّد صبي، مهما بلغت مهاراته.

تردَّد أحد المستعربين، قبل أن يقول:
- ولكنه يمتلك مهارات، تكافئ مهارات شاب، في الخامسة والعشرين، بعد عشر سنوات من التدريب.

زمجر "إليعازر"، قائلاً في شراسة:
- المبالغة لن تفيدنا.

اندفع آخر، يقول:
- ليست مبالغة.

رمقه "إليعازر" بنظرة نارية، ثم تجاهل الأمر كله، وهو يقول:
- ولكننا لم نخسر المعركة.

سأله "أحدهم" في تردُّد:
- ماذا؟!

صاح فيه "إليعازر"، وكأنه يفرغ توتره كله:
- خسرنا جولة، ولم نخسر المعركة... ألا تفهم ما يعنيه هذا؟!

غمغم الرجل متراجعاً:
- بلى.. بلى..

بدا "إليعازر" شديد الغضب، وهو يتطلَّع إليهم، ثم لم يلبث أن أشاح بوجهه، وأولاهم ظهره، وهو يقول:
- تنفيذ العملية الليلة، يعد من رابع المستحيلات، وهذا يعني أننا خسرنا فرصة ذهبية، للتخلُّص من الوزير المصري، فرجال أمن السفارة سيظلون متحفزين طوال الليل، ولن يغمض لهم جفن، حتى يستقل الوزير سيَّارته المصفَّحة إلى مقر المؤتمر، في الصباح.

صمت لحظات، بدا خلالها، وكأنه يفكِّر في عمق، ثم تابع:
- وهذا يعني أننا سنفقد آخر فرصة، ما لم..

عاد إلى صمته، فتطلَّع إليه المستعربون في فضول وتوتر، إلى أن تابع:
- ما لم نستغل آخر فرصة.

سأله أحدهم:
- وما آخر فرصة؟!

شدَّ "إليعازر" قامته، وهو يجيب في حزم:
- المؤتمر..

لم يفهم الرجل ما يعنيه..
ففي البداية، أخبرهم أن اغتيال الوزير المصري، شبه مستحيل، إذا ما بدأ رحلته إلى حيث المؤتمر..

وكل كلمة قالها بدت منطقية..
منطقية تماماً..
والآن، يقول: إن فرصتهم الوحيدة في اغتياله، هي المؤتمر!!..
فما الذي يمكن أن يعنيه هذا؟!

همَّ أحدهم بسؤاله، عندما ارتفع رنين الهاتف فجأة، فالتقطه "إليعازر" بحركة سريعة، وقال:
- من المتحدِّث؟!

أتاه صوت "ماير"، وهو يقول في توتر:
- أنا "ماير".

كادت أصابع "إليعازر" تعتصر سمَّاعة الهاتف، وهو يسأله، بكل توتر الدنيا:
- ماذا تم؟!

أجابه "ماير":
- لقد أنجزت المهمة.

وتألَّقت عينا "إليعازر" في شدة..
فقد كان هذا يعني أن "أدهم" قد انتهى..
إلى الأبد..

* * *

صمت الملحق العسكري، في سفارة "مصر" في "باريس" طويلاً، وهو يتطلَّع إلى "دافيد" و"كاهان"، اللذين بديا شديدي التوتر، قبل أن يقول في بطء:
- "روبير كاهان" و"دافيد هاير".. من قطاع العمليات الخارجية في "الموساد".. ترى ماذا كنتما تفعلان، مع كومة من الأسلحة، داخل تلك الفان؟!

غمغم "كاهان" في عصبية:
- أخبرناك بأننا كنا مخطوفين، و...

قاطعه الملحق العسكري في صرامة:
- أهذا أقصى ما أنبأك ذكاؤك به؟!

تطلَّعا إليه في توتر، فتابع في غضب:
- أي أحمق هذا، الذي يختطف اثنين من رجال "الموساد"، ثم يضعهما في صندوق فان، تحمل كومة من الأسلحة والذخيرة؟!

بدت لهما كلماتهما شديدة الحماقة والسخافة آنذاك، فلاذا بالصمت التام، في حين تابع هو في صرامة:
- ثم إن ما سجلناه يؤكِّد أن الذي كان يقود الفان مجرَّد صبي.

قال "دافيد" في سخط:
- ليس صبياً عادياً.

التقى حاجبا الملحق العسكري، وهو يميل نحوهما، متسائلاً:
- وما الذي يعنيه هذا؟!

تبادل الرجلان نظرة شديدة التوتر، قبل أن يجيب "كاهان" في خفوت:
- المفترض أن تجيبوا أنتم هذا السؤال.

سأله الملحق العسكري في سرعة:
- ولماذا؟!

تبادلا نظرة أخرى، ثم قال "دافيد"، في توتر شديد:
- إنه مصري.

اتسعت عينا الملحق العسكري، لجزء من الثانية، ثم لم يلبث أن استعاد ملامحه العادية، وهو يسأل:
- ولماذا يطارد جيش منكم صبياً مصرياً؟!

لم يجب أحدهما السؤال، وإنما تطلَّعا إلى بعضهما البعض، قبل أن يقول "كاهان" في عصبية:
- لماذا تستجوبنا هنا؟! المفترض أن تسلمنا للشرطة الفرنسية، وهي التي تتولَّى...

قاطعه الملحق العسكري في صرامة:
- تهريبكما.. أليس كذلك؟!..

بدا عليهما التوتر، فتابع:
- مصادرنا تؤكِّد أن لكما أعوانا، في أوساط الشرطة هنا، وأنكم تستأجرون جيشاً من المحامين.

قال "دافيد" متوتراً:
- ليس هذا من شأنك.

هزَّ الملحق العسكري كتفيه، وقال:
- ربما.

ثم سحب مسدَّسه، وتلاعب به في يده، قائلاً:
- على أية حال.. الشرطة الفرنسية لا تدري شيئاً عنكم، ولو أطلقت عليكم النار، ودفنتكم في قبو السفارة، فسيتم هذا في أرض مصرية، لا يجرؤ حتى رئيس الشرطة على أن يطأها بقدمه.

قال "كاهان" في حدة:
- هذا ليس أسلوبكم، أيها المصريون.

هزَّ الملحق العسكري كتفيه مرة أخرى، وقال:
- ولكننا في حالة حرب، وكل شيء مباح في الحروب، كما تقولون.

تمتم "دافيد" في خوف:
- ولكنكم لم تفعلوها من قبل.

ابتسم الملحق العسكري في سخرية، وقال، وهو يدير فوهة مسدسه نحوهما:
- بل قل: إنكم لم تعلموا أننا فعلناها.

شحب وجهاهما على نحو مضحك، وقال "كاهان"، وهو يفتعل ضحكة عصبية:
- لن يفلح تهديدك الأجوف هذا.

صمت الملحق العسكري لحظة، ثم قال في حزم:
- فليكن.

صوَّب مسدسه إلى رأس "دافيد"، وهو يستطرد في صرامة:
- إنني لن أحتاج إلا لواحد منكما فحسب، على أية حال.

تراجع "دافيد" في حركة مذعورة، في نفس اللحظة التي فتح فيها أحد مساعدي الملحق العسكرى الباب، وقال في توتر:
- مهلاً يا سيدي.

أجابه الملحق العسكري، دون أن يلتفت إليه:
- ليس الآن يا رجل.. سأطلق رصاصة واحدة، ثم نتحدَّث.

انعقد حاجبا "كاهان" في شدة، في حين اتسعت عينا "دافيد" في ذعر، في نفس الوقت، الذي قال فيه المساعد في توتر:
- ولكن سيادة السفير يرفض إطلاق النار، في حجرات السفارة.. يمكنك أن تفعلها في القبو.. إنه عازل للصوت على الأقل.

صمت الملحق العسكري لحظات، ثم قال:
- فليكن.. خذ أحدهما، وأطلق النار على رأسه هناك.

أجابه المساعد في بساطة، وهو يتجه نحوهما:
- أمرك يا سيِّدي.

ثم صوَّب مسدَّسه بدوره إلى رأس "كاهان"، وهو يقول له في صرامة:
- انهض وسر أمامي.

بدا "دافيد" شديد الذعر، وهو يشاهد زميله يخرج من الحجرة، مع مساعد الملحق العسكري فجذبه إليه الملحق، وهو يسأله في هدوء، لا يتناسب مع الموقف:
- أين ذهب الصبي المصري؟!

ازدرد "دافيد" لعابه في صعوبة، وتمتم:
- هل.. هل ألقيتم القبض على "ماير"؟!

سأله الملحق العسكري في صرامة:
- "ماير لانسكي".. كلا.. هل له علاقة باختفاء الصبي؟!

حاول "دافيد" أن يزدرد لعابه، عبر حلقه الجاف، وهو يتمتم في صعوبة:
- بالتأكيد.. لو لم تقبضوا عليه، فهذا يعني أنكم لن تعثروا على الصبي... أبداً.

وانعقد حاجبا الملحق العسكري...
في شدة.

* * *


الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "

* * *

9 - الصدمة..
8 - المفر..
7 - جنون..
6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

* * *

سلسلة البداية


12- الختام...
11- دراجة..

10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني