|

انطلق الملحق العسكري، للسفارة المصرية في "باريس"، يعدو، عبر ممر السفارة، ليلتقي بالسفير، في منتصف المسافة، وهذا الأخير يقول في قلق:
- هناك دوي رصاصات قريب.. ما الذي يحدث بالضبط؟!
أجابه الملحق العسكري، في توتر ملحوظ:
- إنني في سبيلي لمعرفة ذلك يا سيِّدي.
أسرع بالفعل إلى سطح السفارة، وتطلَّع بمنظار مقرِّب، إلى الجهة التي انبعث منها دوي الرصاصات..
وهاله ما رأى!!..
كانت هناك مطاردة عنيفة، تدور في شوارع "باريس"، على مقربة من مبنى السفارة..
مطاردة بين سيارة فان مسرعة، وثلاث أو أربع سيارات.. لحق سكرتير السفارة بالملحق العسكري، في هذه اللحظة، وسأله في توتر بالغ:
- ماذا يحدث بالضبط؟!
غمغم الملحق العسكري، وهو يتابع ما يحدث في اهتمام، عبر منظاره المقرِّب:
- لست أدري بعد، ولكنني أحاول الفهم.
هاله بشدة أن رأى رجالاً يرتدون الأوشحة الفلسطينية، في تلك السيارات الصغيرة، ثم شاهد وجهاً مألوفاً، في سيارة أخرى...
وجها جعله يغمغم:
- رباه!.. ترى هل...
لم يكمل عبارته، وعقله يستعرض مجموعة من الوجوه، التي درسها، إبان عمله في المخابرات..
ثم توقَّف ذهنه فجأة، عند وجه بعينه..
وانعقد حاجباه في شدة، وهو يغمغم:
- "ماير".
سأله سكرتير السفارة:
- من؟!
أجابه في حزم متوتر:
- قاتل رسمي.. يعمل لحساب "الموساد" الإسرائيلي..
شحب وجه سكرتير السفارة، وهو يغمغم:
- قاتل؟!
تابع الملحق العسكري، وكأنه لم يسمعه:
- الغريب في الأمر، هو أن يشترك مع مجموعة من الفلسطينيين، في مطاردة الفان، وهذا أمر مستحيل.
سأله سكرتير السفارة في توتر:
- ومن يقود الفان؟!
أدار الملحق العسكري منظاره، نحو الفان، التي دارت بحركة حادة، وارتطمت بسيارتين، ثم واجهته مباشرة، واتسعت عيناه بمنتهى الدهشة، وهو يغمغم:
- رباه!.. إنه مجرَّد صبي!
تساءل سكرتير السفارة:
- هل سرق الفان؟!.. أهو سارق سيارات؟!
لم يجبه الملحق العسكري، وهو يفكِّر في عمق، ثم لم يلبث أن خفض منظاره المقرِّب، وهو يغمغم، في لهجة توحي بأهمية وخطورة الأمر:
- لابد من إبلاغ "القاهرة".. فوراً.
وفي الوقت الذي تعالى فيه دويّ أبواق سيارات الشرطة الفرنسية، فغر سكرتير السفارة فاه في حيرة..
فهو لم يفهم ما يحدث..
أبداً..
* * *
ما أن سمع "إليعازر" دوي أبواق سيارات الشرطة الفرنسية، حتى كاد ينفجر غيظاً وثورة...
فآخر ما كان يتمناه، في تلك الليلة، هو ظهور وتدخُّل الشرطة..
وكم شعر بالغضب والثورة على "أدهم"..
وكم تمنى لو يملك عنقه، في تلك اللحظة..
ولكنه، كرجل مخابرات، استطاع كتمان مشاعره في أعماقه، وهو يلتقط جهاز اللاسلكي المحدود، الذي يربطه برجاله، قائلاً، في صرامة تحمل نبرة حنق واضحة:
- انسحبوا فوراً.. فليبقَ "دافيد" و"كاهان" فقط، وعليهما تصفية المسئول، أياً كان الثمن.. أكرِّر.. أياً كان الثمن.
وعلى الرغم من حنقهم، انسحب المستعربون فوراً، وبقي "ماير" وحده يواصل المطاردة، باعتبار أنه لا يشترك مع الآخرين، في دائرة اللاسلكي المغلقة..
ثم إن الغضب في أعماقه كان يفوق كل شيء..
حتى الأوامر..
وعلى الرغم من رؤيته السيارات الأساسية تنسحب، أدرك "أدهم" أن الخطر ما زال يكمن في الصندوق الخلفي للسيارة التي يقودها..
وكان المفر الوحيد، هو ألا ينطلق بها في خط مستقيم أبداً..
من المحتم أن ينطلق متأرجحاً في عنف، حتى لا يتمالك القاتلان في الصندوق الخلفي توازنهما أبداً..
وهذا ما فعله..
وفي حنق، غمغم "كاهان":
- يا له من صبي لعين!.. إنه يمنعنا من إجادة التصويب..
هتف "دافيد":
- التصق بالجدار، وستحصل على الثبات اللازم.
استمع "كاهان" إلى النصيحة، والتصق الرجلان بالجدار الداخلي للصندوق، في محاولة لاستعادة توازنهما، وهما يصوبان مدفعيهما إلى حيث يجلس سائق الفان، و..
ولكن "أدهم" أقدم على عمل أكثر جنوناً..
لقد مال بالفان في عنف، واتجه بها نحو مبنى السفارة المصرية..
مباشرة..
وعلى سطح السفارة، هتف الملحق العسكري بمنتهى الدهشة:
- مستحيل!.. ماذا يفعل هذا المجنون؟!
في نفس اللحظة، التي نطق فيها تساؤله، كان "أدهم" يقفز بالفان فوق الرصيف، فتميل على نحو بالغ الخطورة، ثم تسقط على جانبها في عنف، باغت "دافيد" و"كاهان"، اللذين ارتطما بالجدران، قبل أن تصطدم الفان بجدار سور السفارة بمنتهى العنف، مما ألقاهما إلى الأمام في قوة، ليرتطما بمقدمة الصندوق على نحو شديد الإيلام..
وضغط "ماير" فرامل سيارته بمنتهى القوة، في نفس الوقت الذي أضيئت فيه أنوار السفارة، وظهر رجال أمنها يجرون نحو الباب الرئيسي..
وفي الوقت نفسه، اكتظ المكان بسيارات الشرطة الفرنسية، التي وصلت في اللحظة نفسها..
وأمام عيني "ماير"، انقض الكل على الفان، وأحاطوها بأسلحتهم المشهورة، وألقوا القبض على "دافيد" و"كاهان"، اللذين أصيبا إصابات فادحة..
ولدهشة "ماير"، لم يجدوا سواهما، مع كومة الأسلحة..
أما "أدهم" الشاب، فقد اختفى..
اختفى تماماً..
* * *

"أدهم"....
هتف "صبري" بالاسم، في انفعال بالغ، فور قراءة التقرير، الوارد من "باريس"، فسأله مديره في اهتمام وفضول:
- ما شأن "أدهم" ابنك بهذا؟!
أخفى "صبري" توتره، وهو يجيب:
- فقط تذكَّرته الآن.
تطلَّع إليه مديره في شك، وسأله:
- أين "أدهم" الآن يا "صبري"؟!
صمت "صبري" لحظات، ثم أجاب في توتر:
- في "باريس".
انعقد حاجبا المدير في غضب، وأعاد قراءة تلك الفقرة في التقرير، والتي تتحدَّث عن صبي، يقود الفان، التي اصطدمت بالسفارة، ثم قال في صرامة شديدة:
- أما زلت مصراً على تلك التجربة الجنونية، التي تجريها على ابنك يا "صبري"؟!
صمت "صبري" لحظة، قبل أن يجيب في اقتضاب:
- ليست جنونية.
رمقه المدير بنظرة غاضبة صارمة، قبل أن يقول:
- هذا شأنك، ولكن لو أن ذلك الصبي، الذي كان يقود الفان، في تلك المطاردة المسعورة، التي انتهت بما انتهت إليه، فلن يكون هذا شأنك.
لم يفهم "صبري" ما يعنيه المدير بقوله..
لم يفهم أبداً..
ولكنه شعر بالقلق..
قلق عنيف، جعل قلبه يخفق في عنف، وهو يسأل:
- ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟!
أجابه المدير في صرامة:
- الكاميرا الصغيرة، في منظار الملحق العسكري، التقطت صورة سائق الفان، ولقد أصدرت أوامري بالبحث عنه في "باريس"، و..
صمت لحظة، ثم أضاف في صرامة أكثر:
- وإلقاء القبض عليه.
ازدرد "صبري" لعابه في توتر، دون أن يجيب، ولكن كل ذرة في كيانه، كانت تشعر بتوتر بالغ..
فلو ألقت المخابرات القبض على "أدهم"، فسيعني هذا انعدام فرصته تماماً، في الانضمام إليها يوماً ما..
وهذا يفسد خطته..
وحلم حياته..
وقبل أن يتمادى في أفكاره، سمع مديره يكمل:
- وصورة ذلك الصبي تصلنا الآن بالراديو.
التفت "صبري" بكل قلق الدنيا، نحو جهاز استقبال الإشارات، الذي راح يستقبل الصورة نقطة بنقطة، من أسفل إلى أعلى..
حتى اكتملت تماماً..
وهوى قلب "صبري" بين قدميه..
فعلى الرغم من عدم وضوح الصورة، فقد عرف على الفور أنها صورة ابنه..
صورة "أدهم"..
ويا لها من صدمة!..
عنيفة.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
7 - جنون..6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان
* * *
سلسلة البداية
|

