|

موقف رهيب، ذلك الذي وجدت "نشوى" نفسها فيه، في تلك اللحظة...
العالم كله مهدَّد بالفناء، وبهجوم كائنات عملاقة شرهة، تتكاثر بسرعة خرافية، ويصعب السيطرة عليها..
وأمامها وسيلة لعزلها..
وتحجيمها..
وربما القضاء عليها..
ولكن الثمن سيكون غالياً..
غالياً إلى أقصى حد..
سيكون والدها..
وزميلها..
ورجال أمن، كل ذنبهم، أنهم حاولوا درء الخطر عن العالم..
وعليها أن تتخذ قراراً..
حاسماً..
وبسرعة..
ومرة أخرى، هتفت بها أمها في لوعة:
- والدك يا "نشوى".
تمزَّق قلب "نشوى"، وهي حائرة، بين مصير والدها، ومصير العالم كله..
والمفترض أن يكون الاختيار سهلاً..
لو لم يكن أحد جانبي المعادلة هو والدها..
السؤال هو: ماذا سيفعل والدها، في موقف مماثل؟!..
ماذا لو أنه اختار بينها، وبين مصير العالم كله؟!
هل سيتصرَّف كأب؟!...
أم كرجل أمن؟!
تفجَّرت الدموع من عينيها، وهي تهتف بأمها، في حزم انتزعته من كيانها انتزاعاً:
- العالم يا أمي.. العالم أوَّلاً.
قالتها، واندفعت نحو القسم السابع؛ لتتم مهمتها، فصرخت بها "سلوى"، في لوعة ما بعدها لوعة:
- لا يا "نشوى".. لا.
حاولت أن تعدو خلفها، ولكن "رمزي" أمسك بها في قوة، قائلاً في مرارة:
- "سلوى".. أنت تعلمين أنها على حق.. "نور" نفسه لم يكن ليتردَّد في التضحية بحياته، من أجل الأرض.
تملَّصت منه في عنف، وهي تهتف:
- لو بقي "نور"، فسأبقى.
قالتها، واندفعت، ليس خلف "نشوى"، ولكن نحو القبو.
ولوهلة، تجمَّد "رمزي" في مكانه، فهتف به مدير أمن المركز:
- هيا يا رجل.. إنك تضيع الوقت.
انعقد حاجبا "رمزي" في صرامة، وهو يقول:
- لم أعتد التخلّي عن رفاقي.
اندفع خلف "سلوى"، وقبل أن يبلغها، سمع الدكتور "حجازي" يهتف من خلفه:
- انتظرني.
وانطلق خلفه، فاتسعت عينا مدير الأمن، وهو يهتف في حنق:
- مجانين.
ثم اندفع خارج المكان، قبل أن تحاصره قبة الطاقة، مع كائنات وحشية شرهة للحوم البشر.
وبينما تعدو نحو القسم السابع، التقطت مسامع "نشوى" كل ما حدث، وأدركت أن الجميع قد بقوا معها، إلا أنها لم تتوقَّف..
لم يكن من الممكن أن تضيع لحظة واحدة..
من أجل الأرض..
لم تدرِ ما الذي فعله الرفاق بالضبط، ولا ما هو مصير والدها و"أكرم"، في ممرات القبو، ولكنها حاولت أن تطرح كل هذا خلف ظهرها، حتى تنفذ مهمتها، وتضمن عزل تلك الكائنات، داخل مركز الأبحاث..
ولقد بلغت بالفعل القسم السابع، واندفعت نحو جهاز تنقية المياه، وأزالت غلافه السفلى، ودون تردَّد، ضغطت الزر الأوسط، وما أن فعلت، حتى دوت فرقعة مكتومة في المكان، وانخفضت الإضاءة كلها لحظة، وتذبذبت في قوة، ثم عادت تسطع في المكان..
ومع سطوعها، شاهدته أمامها..
كائن عملاق هلامى، يمدّ أهدابه، من فوق جهاز تنقية المياه، نحوها مباشرة..
وبمنتهى السرعة..
* * *

هوى قلب "نور" بين قدميه، عندما شاهد رفيقه، وصديقه العزيز "أكرم"، يغيب بجسده كله، داخل ذلك الكائن الرهيب:
وبمنتهى اللوعة، هتف:
- رباه!.. "أكرم"!
لم يكد يهتف بالاسم، حتى بدا ذلك الكائن العملاق، وكأنه يومض من الداخل في قوة..
ويومض..
ويومض..
وقبل أن يفهم أحد الرجال الثلاثة ما يعنيه هذا، انفجر الكائن فجأة..
انفجر في عنف، لتتناثر أجزاء منه على أجسادهم، وليندفع "أكرم" من داخله، ويتدحرج على الأرض نحوهم، ويقول في عصبية:
- تلك المسدسات الليزرية تكون نافعة أحياناً..
كان يمسك مسدس "مجدي" الليزري، وكان جسده كله مغطى بمادة غريبة، ذات لون أخضر باهت..
وكان من الواضح أنها تؤلمه بشدة، إذ أنه راح يحاول إزالتها، في عصبية واضحة، فاندفع إليه "نور"، يعاونه في هذا، وهو يسأله، في فرح ودهشة وانفعال:
- كيف فعلت هذا؟!
أجابه "أكرم" في عصبية:
- أطلقت الأشعة، على ذلك الوغد، من الداخل.
هتف به "نور" في حرارة:
- أحسنت.
قال "أكرم" في توتر:
- ولكن تكرار هذا مستحيل!!.. هذه المادة حارقة للغاية.
غمغم "نور":
- إنها إنزيماته الهاضمة على الأرجح.
هتف "ممدوح"، وهو يراقب الكائن الآخر، الذي ما زال ساكناً، منهمكاً بهضم جثة "مدحت":
- هناك حجرة مياه، في نهاية هذا الممر.. لقد مررنا بها، ويمكنك أن تغتسل فيها؛ لتزيل عنك المادة الهاضمة.
أجابه "نور" في حزم:
- هذا أفضل.
وعلى ضوء المصابيح اليدوية، راح الأربعة يعدون عبر الممر، حتى بلغوا حجرة المياه، و"أكرم" يكاد يفقد وعيه، من شدة الألم، وما أن بلغوها، حتى راح "نور" يغمر جسده بالمياه، حتى أزال تلك المادة تماماً، في حين راح "مجدي" و"ممدوح" يراقبان الممر في توتر، خشية أن يفاجئهم كائن آخر بالهجوم..
وفي قلق، سأل "نور" "أكرم":
- هل زال الألم؟!
أجابه، وهو يتماسك بإرادة قوية:
- ليس تماماً.
جلس "نور" إلى جواره، وألقى نظرة على ساعته، وهو يقول:
- أحد الرفاق حاول الاتصال بنا، في تلك اللحظات الحرجة، و..
بتر عبارته دفعة واحدة، وهو يحدِّق في الساعة بدهشة، فاعتدل "أكرم"، يسأله في قلق:
- ماذا حدث؟!
أجابه "نور" في توتر:
- لقد توقَّفت ساعة الاتصالات عن العمل.
ألقى "أكرم" نظرة على ساعته بدوره، قبل أن يقول في قلق:
- ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟!
التقى حاجبا "نور"، وهو يقول:
- إما أننا في منطقة معزولة تماماً، أو أن..
بتر عبارته، وهو يفكِّر في عمق، فسأله "أكرم"، في قلق أكثر:
- أو أن ماذا؟!
تطلَّع إليه لحظة، قبل أن يجيب:
- أو أننا محاطون بنطاق كهرومغناطيسي بالغ القوة.
بدا "أكرم" حائراً، وهو يسأله:
- وكيف هذا؟!
شرد "نور" ببصره لحظة، قبل أن يجيب:
- لقد استخدموا قبة الطاقة.
ازدادت الحيرة في نظرات "أكرم"، فتابع "نور":
- إنه سلاح دفاعي، يستخدم في الطوارئ القصوى، المفترض منه أن يمنع أي كائن من دخول مركز الأبحاث، ولكنهم استخدموه على الأرجح؛ لمنع خروج تلك الكائنات، إلى العالم الخارجي.
اتسعت عينا "أكرم"، وهو يقول:
- هل يعني هذا أننا....
قاطعه "نور"، في حزم متوتر:
- نعم يا صديقي.. لقد أصبحنا معزولين هنا، مع تلك الكائنات الوحشية.
لم يكد يتم عبارته، حتى سمع "مجدي" يقول في توتر:
- هناك شيء يقترب.
هبَّ الجميع متحفزين، وتساءل "نور":
- من أي اتجاه؟!
حاول "مجدي" أن يضيء الممر بمصباحه اليدوي، وهو يجيب، في توتر متزايد:
- لست أدري.. إنني لا أرى شيئاً في الاتجاهين.
أرهف الجميع أسماعهم، وقال "ممدوح" في عصبية:
- ولكنني أسمع صوت حركة تلك الأهداب في وضوح.
تلفَّت "نور" حوله في حذر، وهو يقول:
- كلنا نسمعها، ولكنها لا تأتي عبر الممر، وهذا يعني أنها..
قبل أن يتم عبارته، هوى كائن هلامي عملاق، من سقف الحجرة، فوق "مجدي"..
مباشرة..
وقبل أن يتحرَّك أحدهم حركة واحدة، كان قد احتوى جسده كله..
تماماً.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"كائنات"
6 - الحصار..
5 - عبث..
4- ذكاء..
3- رطب ولزج....
2- أنفاق....
1- الوحش...
* * *
سلسلة قلب الذرة
12- ختام.... |

