history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

 

"أدهم صبري".. ضابط مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره، يرمز إليه بالرمز "ن - 1"..

حرف "النون"، يعني أنه فئة نادرة، أما الرقم "واحد"، فيعني أنه الأوَّل من نوعه؛ هذا لأن "أدهم صبري" رجل من نوع خاص.. فهو يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل.. وكل فنون القتال، من المصارعة وحتى "التايكوندو"…

هذا بالإضافة إلى إجادته التامة لست لغات حيَّة، وبراعته الفائقة في استخدام أدوات التنكُّر و"المكياج"، وقيادة السيارات والطائرات، وحتى الغواصات، إلى جانب مهارات أخرى متعدِّدة..


لقد أجمع الكل على أنه من المستحيل أن يجيد رجل واحد، في سن "أدهم صبري"، كل هذه المهارات.. ولكن "أدهم صبري" حقَّق هذا المستحيل، واستحق عن جدارة ذلك اللقب، الذي أطلقته عليه إدارة المخابرات الحربية، لقب "رجل المستحيل".

د. نبيل فاروق

"استعدوا يا رجال.."..

طقها "إليعازر" في صرامة، في مواجهة المستعربين، الذين ارتدوا الأوشحة الفلسطينية، استعداداً للهجوم على السفارة المصرية، فقال أحدهم، وهو يحكم وشاحه حول وجهه:
- متى سنحصل على أسلحتنا؟!

أجابه في صرامة:
- قبل الهجوم مباشرة.. إنكم لن تسيروا في شوارع "باريس"، حاملين أسلحتكم.

غمغم الرجل:
- فليكن.

أشار "إليعازر" إلى السيارة، قائلاً:
- والآن جميعاً إلى السيارة.

سأله "ماير" في قلق:
- وماذا لو التقط أحد رجال الشرطة رقمها، أو...

قاطعه في صرامة:
- لقد استأجرناها باسم فلسطيني، يقيم هنا.

ابتسم "ماير" في خبث، قائلاً:
- إذن، فستتعمَّد أن يراها أحد رجال الشرطة، ويشك في أمرها.

قال "إليعازر" في برود:
- بدلاً من هذه الاستنتاجات المتفذلكة، اذهب لإتمام مهمتك، فبقاء ذلك الصبي على قيد الحياة، قد يهدِّد العملية كلها بالفشل.

انعقد حاجبا "ماير"، وهو يقول في حدة:
- "ماير" لم يفشل في مهمة قط.

قال "إليعازر"، في شيء من السخرية:
- لكل شيء بداية.

شعر "ماير" بمزيد من الغضب، وهم بقول شيء ما، عندما سمع صوت محرِّك السيارة يدور فجأة، فأدار عينيه إليه بحركة غريزية، قبل أن يشهق، في مزيج من الثورة والغضب، ويهتف:
- إنه هو.

قبل حتى أن يكتمل هتافه، كان "أدهم" ينطلق بالسيارة الفان، بأقصى سرعة.. وكانت مفاجأة مذهلة للجميع..

لم يدرِ أحدهم كيف تسلَّل إليها، ولا كيف احتل مقعد القيادة، دون أن يلمحه أحدهم، بل ولا حتى كيف عرف موقعهم..

وبكل الغضب، صرخ "إليعازر"، في وجه "ماير":
- لقد تبعك أيها الغبي.

صرخ فيه "ماير" بدوره:
- دع هذا لما بعد.. أمسكوا به أوَّلاً.. الأسلحة كلها في السيارة.

أشار "إليعازر" إلى المستعربين؛ لينطلقوا خلف "أدهم"، وهو يقول في صرامة:
- وكذلك "دافيد" و"كاهان".

أدرك "ماير" ما يعنيه وجود رجلين من "الموساد"، داخل السيارة، التي يفر بها "أدهم"، والتي يطاردها عشرة من المستعربين الأقوياء، وهاله أن يظفر به أحدهم، من دونه، فانطلق بدوره إلى سيارته، يشترك بكيانه كله في السباق..

وكانت أعنف مطاردة شهدتها شوارع "باريس"..
على الإطلاق..

* * *

شعر "أحمد"، الشقيق الأكبر لـ"أدهم"، بدهشة عارمة، عندما استيقظ عطشاً في الليل، ففوجئ بوالده جالساً في الصالة المظلمة، يواجه النافذة المطلَّة على الحديقة، في صمت تام..

ولثوانٍ، وقف "أحمد" يحدِّق في والده لحظات، قبل أن يتجه نحوه، على أطراف أصابعه، وعلى الرغم من ثقته، في أنه لم يصدر أدنى صوت، فقد قال والده، قبل أن يصل إليه:
- لماذا استيقظت، في هذه الساعة يا "أحمد"؟.

غمغم "أحمد":
- كنت عطشاً فحسب.

ثم جلس إلى جوار والده، ولاذ الاثنان بالصمت بضع لحظات، قبل أن يسأله "أحمد" في خفوت:
- أهذا بسبب "أدهم"؟!

صمت "صبري" بضع لحظات أخرى، قبل أن يجيب:
- إلى حد ما.

حمل صوته منتهى القلق، وهو يسأل:
- أهو في خطر؟!

هزَّ "صبري" رأسه نفياً، وهو يجيب في مرارة:
- لست أدري.

وصمت لحظة أخرى، ثم أضاف:
- وهذا ما يقلقني.

هال الجواب "أحمد"، فسأل بمزيد من القلق:
- ألم تصل أية أخبار بشأنه؟!

هزَّ "صبري" رأسه نفياً مرة أخرى، وقال:
- مطلقاً.

شملهما الصمت معاً بعض الوقت، قبل أن يغمغم "أحمد":
- يقولون: انعدام الأخبار هو خبر جيِّد.

تمتم "صبري":
- أتعشَّم هذا.

سأله "أحمد"، في شيء من الحذر:
- ألا يمكنك الاتصال بسفارتنا هناك، و...

قاطعه "صبري" في صرامة:
- كلا..

كان سيكتفي بهذا القول، ولكنه شعر بما سيسببه هذا لـ"أحمد" من اضطراب، فاستطرد:
- وصدقني.. هذا من أجل "أدهم".. من أجل مستقبله.

ولم يفهم "أحمد" ما يمكن أن يعنيه هذا..
لم يفهم أبداً..

* * *

من حسن حظ "أدهم"، أن والده درَّبه على قيادة السيارات، على الطرق الوعرة، منذ كان في الثانية عشرة من عمره، ولكنه، وعلى الرغم من هذا، لم يتخيَّل نفسه أبداً في مطاردة كهذه..

ست سيارات صغيرة تطارده في شراسة، وكلها يقودها رجال، أكثر خبرة منه بكثير..

كل هذا، وهو يجهل وجود اثنين من رجال "الموساد"، في الصندوق الخلفي للفان..

أما "دافيد" و"كاهان"، فقد ارتبكا في البداية، عندما انطلقت بهما الفان فجأة، وتصوَّرا أن "إليعازر" قد أصدر أمراً بالانطلاق، ولكنهما، عندما استعادا توازنهما، أدركا الحقيقة المفزعة على الفور..

أدركا أن ذلك الصبي، الذي سمع حديثهما في الطائرة، هو الذي يقود الفان!!..
وأصابهما ذهول عارم..
ثم راحت السكرة، وجاءت الفكرة..

وفي توتر هامس، قال "كاهان":
- أي صبي هذا؟!

غمغم "دافيد" في عصبية:
- سنجيب هذا السؤال فيما بعد.. المهم أن نوقفه أوَّلاً.

تطلَّع "كاهان" إلى كومة الأسلحة أمامه، وقال:
- لن يكون هذا عسيراً؛ فلدينا هنا ترسانة أسلحة كاملة.

غمغم "دافيد":
- هل تقصد؟!

أجابه "كاهان"، قبل أن يكمل، وهو يلتقط مدفعاً آلياً:
- بالتأكيد يا صديقي.. بالتأكيد.

حمل كلاهما مدفعين آليين، وأشار "كاهان" إلى موقع السائق، من الصندوق الخلفي للسيارة، قائلاً:
- سنطلق النار هنا.

في نفس اللحظة، التي نطق فيها عبارته، كانت سيارتان من سيارات المستعربين، تحيط بسيارته، وثالثة تسعى لأن تسبقه لتقطع الطريق عليه..

كانوا يشعرون بأنهم يواجهون صبياً صغيراً..
وكان هذا أكبر خطأ ارتكبوه..

فربما كان "أدهم" مجرَّد صبي بالفعل، ولكنه يمتلك جرأة وجسارة رجل ناضج.. وكان يقود الفان بمهارة كافية..

لذا، فقد مال بالفان، ليرتطم بالسيارة إلى يمينه، ثم عاد بها إلى اليسار في سرعة وعنف، ليرتطم بسيارة أخرى..

تلك الحركة المزدوجة البارعة، كانت مفاجأة للجميع..
للمستعربين..
و"ماير"..
و"دافيد" و"كاهان"..

"دافيد" و"كاهان" اللذين اختلّ توازنهما، مع الحركة المزدوجة المفاجئة، فانطلقت رصاصات "دافيد" في سقف الفان، ومالت رصاصات "كاهان"، لتخترق صندوق السيارة، في الجزء المجاور لـ"أدهم" تماماً..

وكانت المفاجأة الأخيرة، من نصيب "أدهم" نفسه..
فالرصاصات التي انطلقت، في الصندوق الخلفي، جعلته يدرك أن المطاردين يكمنون معه، في السيارة نفسها..

وهذا يعني أن المصيدة تطبق عليه، من جميع جوانبها..
السيارات أمامه، وخلفه، ومن حوله..

وخصومه مسلحون، في الصندوق، خلفه مباشرة..
وهذا يعني أن خطته كانت جنونية، أكثر من اللازم..
وأنها لم تترك له مفراً..
أي مفر..
على الإطلاق.

* * *


الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "

* * *

6 - المستعربون
5 - القاتل
4- ليل "باريس"..
3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان

* * *

سلسلة البداية


12- الختام...
11- دراجة..

10- الضائع...
9- الثعلب..
8 – مطاردة...
7 – كي. جي. بي..
6 - الماجور ديمتري"..
5- موسكو..
4- في الميدان..
3- نمو
2- ثغرة
1- الفكرة



الاسم
البلد
البريد الإلكتروني