|
شعر القائد الأعلى بانزعاج شديد، مما أخبرته به "نشوى"، حتى إنه هبَّ من خلف مكتبه، وراح يدور في حجرته، قائلاً:
- إنه أمر بالغ الخطورة بالفعل، ولكن كيف نشأت تلك البكتيريا العملاقة؟!.. وفقاً للتقارير الرسمية، لم تكن لدينا أية تجارب في هذا الشأن، في مركز الأبحاث!
أجابته "نشوى" في توتر:
- كانت تجربة غير رسمية، قام بها الدكتور "صفوت"، وكان أوَّل ضحية لها، وها هي الآن، تهدِّد عالمنا كله بالفناء.

صمت لحظة، محاولاً استيعاب الأمر، قبل أن يقول في حزم:
- ربما أمكننا الاستعانة بفرقة، من فرق قوات مكافحة الإرهاب، لتقاتل تلك الـ..
قاطعته "نشوى"، في توتر أكثر:
الوقت لن يكفي لهذا يا سيدي، فتلك البكتيريا العملاقة تتكاثر بسرعة خرافية، وحجمها الهائل جعلها شديدة الشراهة للحم البشري، وكل دقيقة، نفقدها، تعني المزيد والمزيد منها، وتضاعف عدد الضحايا المحتملين.
أجابها، وقد انتقلت إليه عدوى التوتر:
- المشكلة أن الوسائل المتاحة كلها، من المفترض تواجدها داخل مركز الأبحاث نفسه.
هتفت به:
- يمكننا تشغيلها من هنا إذن.
أجاب في سرعة ولهفة:
- اذهبي إذن إلى القسم السابع، وستجدين هناك آلة كبيرة، المفترض أنها لتنقية المياه، ولكن الجزء السفلي منها، هو في الواقع أداة دفاعية خفية خاصة، أزيلي غلافها الخارجي، وستجدين تحته ثلاثة أزرار كبيرة، اضغطي الأوسط منها، وسيطلق حول المبنى قبة كهرومغناطيسية منيعة، ستعزل المكان كله تماماً، حتى إنه من المستحيل أن يدخله أو يخرج منه مخلوق حي.
قالت في لهفة:
- سأبدأ في تشغيله على الفور.
قال في سرعة:
- حاولي إخراج الجميع من المبنى أوَّلاً، وإلا أصبحوا مسجونين فيه، مع تلك البكتيريا الوحشية، أما أنت، فبعد تشغيل القبة الدفاعية، اتجهي إلى القسم العاشر، وستجدين هناك حجرة عليها شريط أزرق، مع عبارة تمنع دخولها، إلا للمخوَّل لهم هذا، ادخليها على الفور، وأغلقي بابها عليك جيداً، إنها حجرة إنقاذ خاصة، يمكن لمن داخلها البقاء لأسبوع كامل، في معزل عن أي خطر، وبها كل ما يلزم للبقاء.. هيا.. أسرعي.
هتفت:
- فوراً يا سيادة القائد الأعلى.. فوراً.
أنهى المحادثة، وانعقد حاجباه في شدة، وهو يغمغم:
- رباه!.. يا له من موقف!.. لابد من إبلاغ رئيس الجمهورية.. فوراً.
في نفس اللحظة، التي نطق فيها عبارته، كانت "نشوى" تهتف بالباقين:
- أسرعوا.. غادروا المبنى على الفور.
هتفت بها "سلوى" في قلق:
- وماذا عنك؟!
أجابتها في لهفة:
- لديّ وسيلة تأمين داخلية.. هيا.. أسرعوا.
بدأ رجال الأمن يغادرون المبنى بالفعل، ولكن الدكتور "حجازي" قال في توتر بالغ:
- وماذا عن "نور" و"أكرم" والباقين، في ممرات القبو.
أجابته "نشوى"، وهي تسرع نحو القسم السابع:
- أبلغوهم بضرورة المغادرة بأقصى سرعة.
بدأت "سلوى" اتصالها على الفور، وقلبها يخفق في عنف، ولكن خفقانه لم يلبث أن تضاعف عشر مرات، عندما لم تتلقَ جواباً، من "نور"، أو من "رمزي"، فامتقع وجهها، وهي تهتف بابنتها، التي بلغت نهاية الممر تقريباً:
- "نشوى"... لا جواب.
توقَّفت "نشوى" مبهوتة، وتحرَّكت شفتاها، دون أن تنطق بشيء ما، ففي أعماقها تصاعد ذعر مفاجئ عنيف..
والدها و"أكرم" والباقون في ممرات القبو..
وربما يواجهون تلك الكائنات الرهيبة..
ولا يستجيبون للاتصالات..
والوقت يمضي في سرعة..
ولابد من اتخاذ قرار..
قرار حاسم..
وسريع..
للغاية..
* * *
ظهور تلك البكتيريا العملاقة، في الحجرة اليمنى، كان مفاجئاً للغاية بالفعل، مما دفع "مجدي" و"مدحت" و"ممدوح" للفرار بأقصى سرعة..
ولكن "مدحت" تعثَّر في طريقه..
وسقط..
وقبل أن ينهض، أو يعاونه أحدهم على النهوض، التفَّت تلك الأهداب اللزجة الطويلة حول ساقيه، وجذبته إليها في قوة..
وبكل رعب الدنيا، صرخ "مدحت":
- لا.. لا تتركوني لها.
اندفع زميلاه يجذبانه من ذراعيه بكل قوتهما، وصوَّب "أكرم" مسدسه نحو الكائن العملاق، هاتفاً في غضب:
- كفى.

انطلقت من مسدسه رصاصة واحدة..
ثم توقَّف..
فقد فرغت رصاصاته.. تماماً..
وبمنتهى السخط، أعاد مسدسه إلى حزامه، هاتفاً:
- ينبغي أن تحضر طاقم رصاصات إضافياً، في المرة القادمة.
قالها واندفع يعاون "ممدوح" و"مجدي"، في جذب زميلهما "مدحت"، في حين صوَّب "نور" مسدسه نحو تلك الأهداب، التي تحيط بساقي "مدحت"، هاتفاً بالباقين:
- ابتعدوا.. سوف..
قبل أن يتم عبارته، امتدَّت أهداب أخرى من خلفه، وأحاطت بمسدسه، وانتزعته من يده في قوة..
وقفز "نور" إلى الأمام، وهو يلتفت خلفه في فزع، ورأى الكائن الثاني، الذي تتراقص أهدابه الطويلة في الهواء، وهو يزحف نحوه، ويسد مخرج الممر الآخر تماماً..
وكم أدهشه هذا، وأثار خوفه وذعره..
تلك الكائنات تحاصرهم من الجانبين، وتضعهم بلا مفر، بين المطرقة والسندان، وتتصرَّف بذكاء مدهش..
ذكاء لا يدري من أين حصلت عليه كائنات أوَّلية مثلها..
أما الباقون، فقد أصابهم رعب هائل، عندما أدركوا ذلك الحصار القاتل، الذي سقطوا فيه..
وفي انهيار، هتف "مدحت":
- أرجوكم.. لا تتركوني لها..
كان "ممدوح" و"مجدي" و"أكرم" يجذبون "مدحت" بكل قوتهم، ولكن تلك الأهداب كانت أقوى منهم بكثير..
بكثير جداً..
لقد جذبت "مدحت" إليها بالفعل، حتى إن ساقيه غابتا داخل جسم البكتيريا، وراح يصرخ في آلام رهيبة، كما لو أنها قد بدأت تفرز إنزيماتها الهاضمة على ساقيه بالفعل..
وبدا من الواضح أنه لا أمل..
ستلتهم المسكين، مهما فعلوا..
ستلتهمه حياً..
وللحظة، انعقد حاجبا "أكرم" في شدة، ودار في ذهنه صراع قصير، قبل أن يمد يده، وينتزع المسدس الليزري، من حزام "مجدي"، ويصوِّبه نحو رأس "مدحت"، قائلاً بانفعال جارف:
- لن تأخذه حياً أيها الوغد.
دمعت عيناه، وهو يفاجئهم بإطلاق الأشعة الليزرية، على رأس "مدحت"، الذي اتسعت عيناه لحظة، في ألم ودهشة، قبل أن يسترخي جسده، وابتسامة تجد طريقها إلى شفتيه، فهتف "ممدوح" مستنكراً:
- ماذا فعلت أيها التعس؟!
أجابه "أكرم"، وهو يقاوم، ربما لأوَّل مرة في حياته، رغبة عارمة في البكاء:
- أنقذته من عذاب أليم.
لم يعد هناك مبرِّر للمقاومة، بعدها، فترك رجلا الأمن زميلهما الصريع في ألم، ورأى الجميع جسده يختفي، داخل ذلك الكائن الهلامي الرهيب، وكاد المشهد يشلّ تفكيرهم، لولا أن هتف "نور":
- ما زلنا محاصرين يا رفاق.
التفت الكل إلى الكائن الآخر، واستعادوا شعورهم بذلك الحصار الرهيب، في حين راح الكائن الأوَّل، عند مدخل الحجرة اليمنى، يهضم جسد ضحيته في هدوء، والآخر يزحف نحو الباقين، في بطء مخيف، وأهدابه الطويلة تحاول اصطياد أحدهم..
وهتف "مجدي" في يأس:
- يبدو أنها النهاية أيها السادة.
بدا للجميع أنه محق تماماً في قوله هذا، فراحوا ينقلون أبصارهم، وأضواء مصابيحهم، بين الكائنين، اللذين يحاصرانهما في الممر، قبل أن يهتف "أكرم" فجأة:
- لو أنهم يريدوننا، فلن يكون ثمننا رخيصاً.
قالها، واندفع فجأة، نحو الكائن الذي يسد الممر، صارخاً:
- ما دمت شرهاً إلى هذا الحد، فحاول أن تهضمني أيها الوغد.
صرخ فيه "نور" في ارتياع:
- لا يا "أكرم".. لا..
في تلك اللحظة، انطلق أزيز ساعتي "نور" و"أكرم"، مع اتصال "سلوى"، ولكن أحدهما لم يجب..
فأمام عيني "نور"، وثب "أكرم" نحو الكائن الهلامي الضخم، واختفى جسده داخله..
تماماً.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"كائنات"
5 - عبث..
4- ذكاء..
3- رطب ولزج....
2- أنفاق....
1- الوحش...
* * *
سلسلة قلب الذرة
12- ختام.... |

