|
دوى انفجار القنبلة في عنف، في قلب الممرات الداخلية في القبو، وشعر "نور" و"أكرم" بضغط هائل، يضرب جسديهما، ويدفعهما ستة أمتار على الأقل إلى الخلف، ليرتطما بالجدار في نهاية الممر، وأذناهما تكاد تنفجران في عنف..
أما "مدحت" و"ممدوح" و"مجدي"، داخل الحجرة اليمنى، فلم يشعرا بضغط الانفجار، وإنما بدا لهم ذلك الكائن الهلامي وهو يتضخَّم...
ويتضخَّم..
ويتضخَّم..
ومع تضخمه، كاد يملأ الحجرة كلها، دون أن يترك لهم مكانا يكفي لأجسادهم، حتى إنهم التصقوا بالجدار، و"مجدي" يهتف:
- إنها النهاية يا رفاق..
شعر بتلك الأهداب الطويلة اللزجة تزحف على جسده، واستعاد ذهنه ذلك الوصف، وانهارت مشاعره كلها، و..
فجأة، عاد ذلك الكائن ينكمش في سرعة، حتى إن "مجدى" غمغم في دهشة:
- رباه!.. ما الذي...
قبل أن يتم تساؤله، انفجر الكائن فجأة..
انفجر، وتناثر في كل مكان..
في الحجرة..
وعلى وجوههم..
وعبر الممر..
وغمر الجميع سائل لزج، جعل "أكرم" يهتف، على الرغم من الآلام، التي يشعر بها:
- رباه!.. هذا مقزِّز للغاية!
أما الرجال الثلاثة، في الغرفة اليمنى، فقد بدوا ذاهلين، غير مصدقين أن الخطر قد زال، وشملهم صمت رهيب لحظات، قبل أن يهتف "مدحت":
- ماذا حدث؟!

أجابه "ممدوح" في انفعال:
- ليس يهم ماذا حدث.. المهم أن ذلك الكائن اللعين قد لقي مصرعه، أياً كان السبب.
صوَّب "نور" مصباحه اليدوي إلى بقايا الكائن، وهو يقاوم ذلك الألم، الذي يشعر به في أذنيه، وغمغم:
لم أتصوَّر أن الأمر يمكن أن ينتهي بهذه البساطة!
تمتم "أكرم":
- وأنا أيضاً.
هتف "مدحت"، وهو يتجه إلى الخارج، محاولاً مسح السائل اللزج، عن حلته الرسمية، بحركة عصبية:
- المهم أنه قد انتهى.. دعونا نعود إلى معمل الأبحاث؛ لنكتب تقريرنا عما حدث.
مع بدء تحرُّك رجال الأمن الثلاثة، صدر أزيز من ساعة الاتصالات، التي يحملها "نور"، فرفعها إلى فمه، وضغط الزر، قائلاً:
- هنا "نور".. لقد قضينا على ذلك الكائن، وأنهينا المهمة.
جاءه صوت ابنته "نشوى"، وهى تهتف، في توتر بالغ:
- إنه ليس كائنا واحدا يا أبي.. لقد تمكَّنا من آخر هنا، والله "سبحانه وتعالى" وحده يعلم، كم كائنا بقي.. إنها بكتيريا يا أبي.. بكتيريا قام الدكتور "صفوت" بتكبيرها، وأتى بها إلى عالمنا، وكمعظم أنواع البكتيريا، فهي تنقسم.. تنقسم طوال الوقت"*".
اتسعت عينا "نور"، في حين هتف "مجدي"، الذي يقترب منه:
- ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟!.. هل كنا نحارب بكتيريا طوال الوقت؟!
في نفس اللحظة، التي أطلق فيها هتافه المستنكر، شعر "أكرم" بشيء لزج يمس عنقه، فدفعه بيده من اشمئزاز..
ولكن فجأة، التف ذلك الشيء حول يده في قوة، وفوجئ بأشياء مماثلة تزحف فوق كتفه، وحول ساقيه ووسطه، فهتف في غضب:
- أيها الحقير.
التفت الكل إليه، مع هتافه هذا، واتسعت عيونهم جميعاً في ارتياع، وهم يحدِّقون في مشهد رهيب..
لقد كان هناك كائن آخر، يلف أهدابه اللزجة الطويلة نحو "أكرم"، ويجذبه إلى جسمه الهلامي الضخم..
بمنتهى القوة..
* * *
اندفع مدير أمن مركز الأبحاث العلمية، إلى حيث يقف الدكتور "حجازي"، مع "رمزي" و"سلوى" و"نشوى"، وقال في عصبية:
- ما الذي يعنيه ذلك البلاغ العاجل أيها السادة؟!
أجابته "نشوى" في حزم:
- يعني أنه عليكم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة؛ لعزل مبنى الأبحاث العلمية تماماً، عن العالم الخارجي، والعمل على فحص كل سنتيمتر منه، بكل الوسائل المتاحة، وتطهيره، أو حتى حرقه، إذا ما استلزم الأمر هذا.
حدَّق مدير الأمن فيها بدهشة مستنكرة، قبل أن يقول، في مزيج من الصرامة والعصبية:
- هل تعلمين ما الذي تطلبينه مني بالضبط يا سيِّدتي؟!
أجابته في حزم أكثر:
- نعم.. إنقاذ العالم من خطر رهيب، يمكن أن يؤدي إلى فناء الجنس البشري عن آخره، أو حتى فناء كل كائن حي على وجه الأرض، لو نجحت بكتيريا واحدة في الخروج من هنا.
- أهو وباء خطير، إلى هذا الحد؟!
أجابه الدكتور "حجازي":
- إنه أخطر من مجرَّد وباء.. إنها بكتيريا عملاقة.. بكتيريا بحجم ثور ضخم، وتلتهم البشر في شراهة مدهشة، والأخطر أنها تتكاثر على نحو لا يمكن تصوّره، فإما أن توقفها عند حدِّها، أو تلتهم كل حي، على وجه كوكبنا.
زاغت عينا مدير الأمن، وهو يقول:
- هذا أمر خطير للغاية!
أجابه "رمزي":
- أخطر مما يمكنك تصوُّره.
حدَّق فيه الرجل، وقال في عصبية:
- هذا يعني أنه يحتاج إلى أوامر عليا.
صاحت به "سلوى":
- لا وقت لهذا يا رجل.. لا بد من عزل المكان فوراً، وبأقصى سرعة ممكنة، فكل دقيقة نفقدها، قد تعني كارثة.. كارثة لا يعلم إلا الله -سبحانه وتعالى- مداها.
تردَّد الرجل، قبل أن يقول:
- ولكن عزل مركز الأبحاث... لا.. لا يمكن فعل هذا، دون أوامر عليا.

هتفت "نشوى" في غضب:
- ياللسخافة!
ثم ضغطت زراً خاصاً، في ساعة اتصالاتها، الخاصة بالفريق، فسألها الدكتور "حجازي" في توتر:
- بمن تتصلين؟!
أجابت في منتهى الحزم والصلابة:
- بالقائد الأعلى.. شخصياً.
وامتقع وجه مدير الأمن..
بشدة..
* * *
لم يشعر "نور" في حياته كلها بالهلع، مثلما شعر به في تلك اللحظة، عندما رأى البكتيريا العملاقة تجذب "أكرم" إليها..
كان يعلم مصيره جيداً، لو أنها احتوته داخلها..
إنها ستفرز إنزيماتها الخاصة على جسده، وتلتهمه التهاماً، دون رحمة أو شفقة؛ لأن عالمها لا يعرف المشاعر... مطلقاً..
كل ما تعرفه وتعيه هو أنها لابد وأن تتغذى، حتى تنمو وتتكاثر، وتواصل حياتها، وتحافظ على بقائها..
ولم يكن من الممكن أبداً أن يسمح "نور" بهذا..
لم يكن من الممكن أبداً، أن يسمح لها بالتهام صديقه..
هذا مستحيل.. تماماً!..
وبحركة غريزية تماماً، سحب "نور" مسدسه الليزري، وأطلقه على تلك البكيتريا..
لم تكن للأشعة أي تأثير عليها من قبل، لذا فقد هتف "مدحت"، في عصبية بالغة:
- هذا مجرَّد عبث..
ولكن "نور" لم يطلق أشعته الليزرية على جسم البكتيريا، بل أطلقها على أهدابها اللزجة الطويلة، التي تجذب "أكرم" إليها..
وانقطعت أهداب البكتيريا، وسقط "أكرم" أرضاً، وقبل أن تمتد أهداب أخرى نحوه، وثب "نور" يجذبه بعيداً، و"أكرم" يستل مسدسه من حزامه، هاتفاً في غضب عصبي:
- أيها الهلامي الحقير.
أطلق رصاصاته نحو تلك البكتيريا العملاقة، وغمغم "ممدوح" في توتر:
- مجرَّد عبث آخر.
ولكن، لدهشتهم جميعاً، تراجعت البكتيريا العملاقة، إثر رصاصات "أكرم"، وانكمشت على نفسها، وتراخت أهدابها الطويلة، فهتف "نور":
- رباه!.. رصاصاتك تردعها يا "أكرم".
واصل "أكرم" إطلاق رصاصاته، على نحو متوالٍ، فانكمشت البكتيريا أكثر وأكثر، ثم تهاوت فجأة، وهمدت حركة أهدابها تماماً، فاتسعت عيون الكل بمنتهى الدهشة، وقال "مجدي":
- يا إلهي!.. الرصاصات العادية تقتلها!.. كيف لم يخطر هذا ببالنا من قبل؟!
مع آخر حروف عبارته، شهق "مدحت" في رعب، والتفت الكل إليه، وعلى ضوء مصابيحهم اليدوية، رأوا بكتيريا عملاقة أخرى، تنزلق عبر فتحة التهوية، في الحجرة اليمنى، وأهدابها الطويلة تتراقص على نحو مخيف..
للغاية.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"كائنات"
4- ذكاء..
3- رطب ولزج....
2- أنفاق....
1- الوحش...
* * *
سلسلة قلب الذرة
12- ختام.... |

