|
على الرغم من ثقة "صبري" الشديدة، في أنه قد بذل كل ما في وسعه، لتربية ابنه، وتدريبه، وتلقينه فن المواجهة، وإعداده لما يتمناه له في المستقبل، فإن مشاعره كأب، لم تساعده على الصبر طويلاً، أو منع ذلك القلق العارم، الذي امتلأت به نفسه، وهو ينظر في ساعته، مغمغماً، في شيء من العصبية:
- كيف لم يعد إلى حجرته، حتى هذه اللحظة؟!
حاول "حسن" أن يبتسم مطمئناً زميله، إلا أن ذلك القلق، الذي بدأ يتسلَّل بالفعل إلى قلبه، جعله يقول، في شيء من التوتر:
- إنها ليلته الأولى في "باريس".
أجابه "صبري"، وهو يزفر في عصبية:
- كانت ساعاته الأولى في "موسكو"، عندما بدأ صراعه مع أحد أشرس أجهزة المخابرات في العالم.

حاول "حسن" أن يقول شيئاً.. أي شيء، إلا أنه عجز عن هذا تماماً، وهو يمد يده، ويربِّت على كتف صديقه وزميله في صمت، إلا أن ارتجافة القلق في أصابعه بلغت إحساس "صبري"، فالتقط سمَّاعة الهاتف مرة أخرى، مغمغماً:
- سأحاول الاتصال به مرة أخرى.
قال "حسن" في صوت أجش، من فرط الانفعال:
- ولماذا تقلق نفسك إلى هذا الحد؟!.. هل تتصوَّر أنه حتى ولو كان في خطر، ستنقذه مكالمتك هذه.
تمتم "صبري"، وهو يدير قرص الهاتف:
- من يدري.
لم يتخيَّل كم كانت عبارته أشبه بالنبوءة..
فحقاً.. من يدري؟!..
* * *
توقيت مذهل، ذلك الذي حدث في تلك اللحظة الرهيبة، في حجرة "أدهم" الشاب، في فندق "ريتز"، في قلب "باريس"...
فدون أن ينتبه إلى ما يدبَّر له، اتجه "أدهم" إلى حجرته في بساطة، وذهنه شارد في البحث عن الوسيلة المثلى، لتحذير السفارة المصرية في "باريس"، من تلك المؤامرة الإسرائيلية، التي سمعها بالمصادفة، والتي تستهدف اغتيال وزير الخارجية المصري؛ لمنعه من حضور مؤتمر دول البحر الأبيض المتوسِّط، على الرغم من أنه يجهل تماماً متى وكيف ستتم عملية الاغتيال بالتحديد..
وداخل الحجرة، ومستتراً بالظلام التام، إلا من خيط ضوء فضي رفيع، يتسلَّل من نور القمر، عبر فرجة صغيرة في النافذة، كان يجلس قاتل الموساد الشرس "ماير"، ممسكاً مسدسه في تحفّز؛ لإطلاق النار على رأس "أدهم"، فور دخوله..
وفتح "أدهم" باب الحجرة، وهم بالدخول، وصوَّب "ماير" مسدسه في إحكام، و...
وفجأة، انطلق رنين جرس التليفون في الحجرة..
وفي اللحظة نفسها، ضغط "ماير" زناد مسدسه..
ومع رنين التليفون، تحرَّك "أدهم" بسرعة نسبياً؛ ليرد على المكالمة، التي استنتج فوراً أنها واردة من والده في "القاهرة"..
ومع حركته المفاجئة، أصابت رصاصة "ماير" باب الحجرة، على قيد سنتيمتر واحد من رأسه..
كانت أوَّل مرة، يخطئ فيها "ماير" إصابة الهدف، في حياته العملية كلها، لذا فقد هتف في سخط، وهو يصوِّب مسدسه مرة أخرى:
- اللعنة!
ولكن سرعة الاستجابة المدهشة، التي اكتسبها "أدهم"، من تدريباته المستمرة، عبر سنوات طوال، بدأت مع نعومة أظفاره، أثبتت بُعد نظر "صبري"، في تلك اللحظة بالتحديد..
لقد تراجع في سرعة خرافية، وقد استوعب الموقف كله، وجذب باب الحجرة معه، ليعيد إغلاقه في عنف، وأزاح رأسه جانباً، في نفس اللحظة التي اخترقته فيها رصاصتان، من رصاصات "ماير"..
وبينما ينطلق مبتعداً، بأقصى سرعته، عبر ممر الفندق، أدرك "أدهم" أن أمره قد انكشف على نحو ما، وأن الإسرائيليين قد أدركوا أنه قد استمع إلى خطتهم، وصار نقطة خطر بالنسبة لهم، ومن المحتَّم التخلُّص منه..
وبمنتهى العنف..
أما "ماير"، فقد شعر بغضب عنيف، يستعر في أعماقه، وهو يثب من المقعد، ويندفع بدوره خلف "أدهم"، وقد هاله أن يعجز عن تنفيذ مهمته، من اللحظة الأولى، كما اعتاد دوماً..
وكما اعتاد رؤساؤه في "الموساد"..
لذا، فقد انطلق خلف "أدهم"، في ممر الفندق، وهو يلوِّح بمسدسه، ولكن "أدهم"، الذي لم يستطع انتظار المصعد، وثب نحو باب السلم الخلفي للفندق، محاولاً الفرار من رصاصات "ماير"، التي أصابت الجدار، والمصعد، قبل أن يندفع "أدهم" إلى السلم الخلفي..
فهتف "ماير" في غضب:
- لن تفلت مني أبداً أيها الصبي العنيد.
اقتحم مدخل السلم الخلفي للفندق بدوره، وهو يشهر مسدسه في تحفُّز، وشراسة الدنيا كلها تطلّ من عينيه، و...
وتوقَّف دفعة واحدة..
فعلى الرغم من امتداد السلالم الخلفية لثلاثة أدوار سفلية على الأقل، لم يكن هناك أثر لـ"أدهم"!!..
وفي عصبية، رفع "ماير" عينيه إلى أعلى، بحثاً عن محاولة فرار علوية، ولكن السلالم العلوية كانت خالية أيضاً..
خالية تماماً!..
وفي توتر غاضب، تلفَّت "ماير" حوله، ولوَّح بمسدسه يميناً ويساراً، وقبل أن يرفع عينيه إلى أعلى، انقضّ عليه "أدهم" الشاب..
كان يتعلَّق بالحاجز العلوى للمدخل، ويعتمد على قوة ساقيه وذراعيه، للتشبث بزاوية السقف والجدار، لذا لم يره قاتل "الموساد"، من زاوية اقتحامه السلالم الخلفية..
وكانت الانقضاضة مباغتة..
مباغتة للغاية..
ومع عنف الانقضاضة، وعامل المفاجأة، سقط "ماير" أرضاً، وطار مسدسه من يده، ليزحف أرضاً، حتى ارتطم بالجدار، وارتد لنصف متر على الأقل، في نفس الوقت الذي كال له "أدهم" فيه لكمة قوية في فكه، وأخرى في أنفه..
ولكن تلك اللكمة الأخيرة لم تكتمل..
لقد تحرَّكت يد "ماير" في سرعة مدهشة؛ ليتلقَّى قبضة "أدهم" في راحته، وهو يقول في صرامة غاضبة:
- لست أدرى كيف ومتى تعلَّمت كل هذا أيها الصبي، ولكنك لم تبلغ بعد نصف قدرات "ماير".
قالها، وهو يثب واقفاً بحركة بالغة النشاط والمرونة، ويلقي "أدهم" بعيداً عنه، ثم ينقضّ عليه..
كان بالفعل أكثر قوة ومرونة من "أدهم"، بحكم خبراته الطويلة، وسنوات صراعه الوحشية، وتدريبات أيام الكوماندوز وفرقة التصفية والاغتيالات..
ولقد أدرك "أدهم" على الفور، أن قتالاً مباشراً قد ينحسم لصالح خصمه..
لابد إذن من خطة قتال ذكية..
وخبيثة..
وسريعة..
"الهجوم خير وسيلة للدفاع يا "أدهم".. ابحث في خصمك عن نفس الثغرة، التي ينبغي أن تبحث عنها في أي نظام أمن تواجهه.. الثغرة يا "أدهم" هي المدخل المباشر للفوز.. دائماً"..
استعاد عقله كلمات والده، في جزء من الثانية، و"ماير" ينقض عليه مرة أخرى، في شراسة ووحشية أكثر..
كان رجلاً ضخم الجثة، عريض المنكبين، اعتاد القتال والصراع، واعتاد أكثر أن يُخضع خصمه بصرخات وحشية، ونظرات مخيفة..
ومن المؤكَّد أنه، في كل انقضاضاته، كان يعتمد اعتماداً مباشراً على ما يصيب خصمه، وعلى الجمود الذي يكتنفه في مواجهته..
لذا، فقد تحرَّك "أدهم" بأقصى سرعة وخفة، متفادياً انقضاضة قاتل "الموساد" العملاق، ووثب محاولاً التقاط سلاح هذا الأخير..

ولكن ظهره تلقى ركلة بالغة العنف، دفعته مترين كاملين إلى الأمام، ليرتطم بحاجز السلم في عنف، وعندما استدار ليواصل القتال، فوجئ بفوهة مسدس "ماير"، المزوَّدة بكاتم للصوت، مصوَّبة إلى رأسه مباشرة، وخلفها وجه "ماير" الوحش، وهو يقول في شراسة:
- أخبرتك بأنك لن تبلغ نصف إمكانياتي أيها الصبي.
وبابتسامة شامتة وحشية، ضغط زناد مسدسه، وفوهته مصوَّبة نحو جبهة "أدهم"..
تماماً..
* * *
على الرغم من أن عقارب الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، فإن مجموعة من السيارات الفرنسية الصغيرة الخاصة، توقَّفت في أماكن مختلفة متباعدة، حول منطقة قوس النصر في "باريس"، وهبط من كل سيارة رجلان، يرتديان ثياباً عادية بسيطة، من طراز مألوف، تميل إلى الشرقية، منها إلى الأوربية، ويحملان في يديهما حقيبة صغيرة من القماش..
ومن اتجاهات مختلفة، أتى الرجال؛ ليتجمَّعوا تحت قوس النصر، دون أن يتبادلوا كلمة واحدة، مع بعضهم البعض، بل حرصوا أشدّ الحرص على أن تبدو هيئتهم، وكأنهم مجموعة من السائحين، يتجوَّلون في ليل "باريس" الساحر..
وفي توقيت دقيق، وبخطة مدروسة بعناية فائقة وصلت سيَّارة "فان" إلى المنطقة، يقودها سائق ضخم الجثة، يبدو أشبه بمصارع، منه بسائق سيارة، وإلى جواره جلس رجل حاد الملامح، واضح الذكاء..
رجل يدعى "إليعازر"..
وبإشارة واحدة منه، اتجه الرجال كلهم إلى السيارة، التي فتح "كاهان" صندوقها الخلفي، ليظهر هو و"دافيد"، وبينهما كومة من الأسلحة والأدوات..
وبدون تبادل كلمة واحدة، قفز الرجال داخل الفان، وما أن اكتمل عددهم، حتى انطلقت بهم السيارة، نحو وجهة تم تحديدها مسبقاً..
نحو مبنى السفارة المصرية..
مباشرة.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
4- ليل "باريس"..3- الثغرة..
2- مواجهة
1- الميدان
* * *
سلسلة البداية
|

