|
تثاءب موظف شركة الطيران في إرهاق، وهو يتطلع إلى ملامح "ماير" قائلاً في ضجر:
آسف يا سيدي سياسة الشركة تعتمد على خصوصية الركاب، ولا يمكنني أن أخبرك شيئاً، عن بيانات ذلك السيد "أدهم صبري".
تجاهل "ماير" اعتراضه، وهو يسأله في برود:
هل قامت الشركة بحجز الفندق، الذي سيقيم فيه؟!
هز الرجل رأسه قائلاً في حزم:
لا يمكنني أن أخبرك.
ابتسم "ماير" ابتسامة مخيفة، وهو يقول:
في هذه الحالة ستضطرني إلى حقنك بمصل الحقيقة.
حاول الرجل أن يبتسم في استخفاف، قائلاً:
ذلك المصل لم يعد يستخدم منذ...
قبل أن يتم عبارته، استلّ "ماير" مسدساً ضخماً من حزامه، زادت ضخامته بكاتم الصوت المثبت في فوهته، ووثب في خفة عبر الحاجز، الذي يفصله عن موظف الطيران، ورفع هذا الأخير في قسوة نحو الجدار، وألصق فوهة كاتم الصوت بجبهته وجذب إبرة المسدس، قائلاً في لهجة شرسة:
هذا هو المصل الوحيد، الذي أؤمن به أيها الحقير، وعليك أن تختار بسرعة فلست أتميز بالصبر، هل ستخبرني بكل ما أريد معرفته، عن ذلك المدعو" أدهم صبري" أم أحقنك به، في منتصف جبهتك تماماً.
امتقع وجه الموظف المسكين بشدة، واتسعت عيناه بمنتهى الرعب، وهو يهتف في ارتياع:
ما الذي تريد معرفته؟!... سأخبرك بكل شيء... كل شيء...
ابتسم "ماير" في شراسة، قائلاً:
أرايت كم يفيد هذا المصل.
واتسعت ابتسامته الشرسة، وبدت جد بغيضة..
إلى أقصى حد...

* * *
أي شخص يواجه ثلاثة عمالقة أشداء في ليل "باريس" سينهار على الفور، وخاصة عندما يبلغ حجمه نصف حجم أقلهم....
ولكن "أدهم" الشاب تربى على نحو مختلف...
"الضخامة ليست وسيلة للفوز يا "أدهم"... فالفيل شديد الضخامة، ولكن نقاط ضعفه بقدر حجمه.. المهم هو الشجاعة، والخفة، وحسن تقدير الأمور...
استعاد "أدهم" كلمات والده، وهو يدير بصره في الرجال الثلاثة ومدياتهم المشهورة بتحفز في وجهه، ثم لم يلبث أن عقد ساعديه أمام صدره، وهو يقول في هدوء عجيب:
وماذا لو أنني رفضت إعطاءكم حافظتي؟!
أطل غضب شديد من عيون ثلاثتهم، وتقدم أضخمهم منه في شراسة، ولوح بمديته في وجهه قائلاً:
إذن ستعطينا حياتك.
لم يكد الرجل يتم عبارته، حتى انطلق "أدهم" كالعاصفة...
لقد تعلق بذراع الرجل الذي لوح بمديته في وجهه ووثب يركل أنف الثاني ثم دار في الهواء، ليركل الثالث في أسنانه مباشرة وبعدها هبط على قدميه، وهو يلوي ذراع الأول في قوة، أجبرته على إفلات مديته، وهو يصرخ:
أيها ال...
قبل أن يتم صرخته تلقى لكمة عنيفة في أنفه وثانية في عنقه وثالثة في أسنانه فسقط على ركبتيه، وهو يسعل بشدة ويمسك عنقه بكفيه وأنفه ينزف في غزارة....
وفي غضب، هب الثاني والثالث لقتال "أدهم" ولكنه انزلق في خفة مدهشة بين ساقي الثاني، وقفز ليركله في مؤخرته بقوة، دفعته ليرتطم بالثالث ويسقطان معاً أرضاً...
وقبل أن ينهضا تلقى الثاني ركلة في مؤخرة عنقه، وشعر الثالث بمطرقة تهوي على أنفه، وجانبي عنقه، وبين عينيه...
ولم يستغرق الأمر سوى لحظات قليلة لينتهي بالعمالقة الثلاثة على أرض "باريس"، و"أدهم" الشاب يعدل ثيابه قائلاً:
كم أبغض اللجوء إلى العنف.
ثم دس يديه في جيبي سرواله الأسود، وواصل طريقه في هدوء عجيب، وهو يطلق من بين شفتيه صفيراً منغوماً، بدا متناسباً تماماً مع "باريس".
* * *
استقبل المدير الليلي لفندق "ريتز" قاتل الموساد "ماير" بابتسامة كبيرة مرحبة، وهو يقول:
مرحباً بك في "باريس" يا سيدي... هل ترغب في حجز واحدة من حجراتنا الفاخرة؟!
أجابه "ماير" ببروده التقليدي:
في مناسبة أخرى... الآن أبحث عن رقم حجرة شاب مصري، يدُعى "أدهم صبري".
التقى حاجبا المدير الليلي، وهو يقول:
أأنت أحد أقاربه يا سيدي؟!
أجابه "ماير" كلا... ولست أريده أن يعرف أنني هنا، فمن الضروري أن أباغته.
تطلع إليه المدير الليلي، في شك حذر، قبل أن يقول:
معذرة يا سيدي، ولكن سياسة الفندق....
قاطعه "ماير" في حنق:
السياسة مرة أخرى؟!... كم أبغض هذا.
وتلفّت حوله، ليطمئن إلى أن أحداً لا يلاحظه، ثم جذب المدير الليلي في خشونة نحو مكتبه، قائلاً:
ولكنني وفي كل الأحوال أفضل أن نتحدث على انفراد.
أراد الرجل أن يصرخ مستنجداً، ولكن "ماير" دفعه داخل حجرة مكتبه، واستلَّ مسدسه، قائلاً في خشونة قاسية:
والآن هل ستجبرني على استخدامه؟!
هتف الرجل بصوت مختنق:
سأخبرك بما تريد يا سيدي... سأخبرك بما تريد.
وبيد مرتجفة، التقط دفتر النزلاء، وراجعه في ذعر، قبل أن يقول:
السيد "أدهم صبري" يقيم في حجرة رقم ثلثمائة وستة، في الطابق الثالث.
سأله "ماير" في صرامة:
لديك المفتاح "الماستر" الذي يفتح كل الأبواب... أليس كذلك؟!
ناوله الرجل المفتاح، وهو يقول في رعب:
لقد نفذت كل ما طلبته يا سيدي.. اتركني.. أرجوك.
قال "ماير" في حدة:
لا تتوسل... إنني أبغض المتوسلين.
انحدرت دمعة ذعر، من عين الرجل، فخفض "ماير" فوهة مسدسه، وهو يقول في هدوء:
وربما يمكنني أن أتركك تحيا.
تنفس الرجل الصعداء، ولكن "ماير" رفع فوهة مسدسه مرة أخرى في حركة حادة، وهو يقول في صرامة:
ولكن هذا سيفسد خطتي... لذا...

ودون أن يتم عبارته أطلق من كاتم الصوت رصاصة صامتة، أصدرت صوت فرقعة مخيفة، وهي تخترق جبهة المدير الليلي المسكين...
وفي هدوء، دس "ماير" مسدسه الضخم في حزامه، واتجه نحو حجرة "أدهم"... فتح الباب في حذر، ثم وثب إلى الداخل، وهو يصوب مسدسه، ولكنه أدرك على الفور أن الحجرة خالية، فتمتم في امتعاص:
المصري الشاب جذبه ليل "باريس"
ثم اتجه نحو مقعد مواجه للباب، وجلس عليه، مستطرداً:
ولكنه سيعود حتماً... وعندئذ..
وفي نفس اللحظة، التي نطق فيها عبارته كان "أدهم" الشاب قد عاد إلى الفندق، واستعاد مفتاحه من موظف الاستقبال، ثم استقل المصعد إلى الطابق الذي يقيم فيه...
كان ذهنه منشغلاً تماماً بتلك المشكلة العويصة...
لا يمكن أن يسمح للإسرائليين باغتيال وزير الخارجية المصري...
ويمكنه أن يبلغ أمن السفارة في الوقت ذاته..
ربما كان الحل الأفضل أن يبلغ والده...
ربما...
فبحكم منصب والده وموقعه ستكون له مصداقية كبيرة، عندما يجري اتصاله برجال أمن السفارة، ويبلغهم ما لديه...
نعم هذا هو الحل الأفضل...
والأمثل...
تملكه الحماس، عندما بلغ بتفكيره هذه النقطة فعاد يطلق من بين شفتيه ذلك الصفير المنغوم، قبل أن ينتبه إلى هدوء الفندق الشديد، فتوقف وابتسم مغمغماً:
ينبغي أن اعتاد هذا المناخ المختلف.
قالها وأخرج مفتاح حجرته وألقى نظرة على رقم ثلثمائة وستة قبل أن يدس المفتاح في الباب ويديره...
ومع صوت المفتاح انتبه "ماير" وتحفز واعتدل في مقعده وصوب فوهة مسدسه إلى الباب...
وعندما شاهد الباب ينفتح، جذب إبرة المسدس...
وأطلق النار...
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
3- الثغرة2- مواجهة..
1- الميدان
* * *
سلسلة البداية
|

