|
بدا الرجلان، اللذان استمع "أدهم" لحديثهما في الطائرة، متوترين على نحو واضح وهما يجلسان داخل منزل آمن، يتبع المخابرات الإسرائيلية، في قلب "باريس" وتطلع أحدهما إلى ساعة الحائط، قبل أن يقول:
هل سننتظر طويلاً؟!
أجابه زميله في خفوت:
تحمل يا "دافيد"... القائد سيصل، عندما تناسبه الظروف.
غمغم "دافيد" في عصبية:
بالتأكيد..

لم يكد ينتهي من غمغمته، حتى انفتح باب المنزل الآمن، ودلف قائدهما "أليعازر" وهو يقول في لهجة قاسية صارمة:
فيمَ تتحدثان؟!
نهض الرجلان في احترام شديد، وقال "دافيد" في توتر:
لا شيء يا أدون "أليعازر"... كنا نقطع الوقت بالحديث فحسب.
رمقه "أليعازر" بنظرة صارمة، ثم أدار عينيه إلى الآخر، قائلا:
هل راجعتما الخطة يا "كاهان"؟!
غمغم "كاهان":
كنا ننتظر وصولك أيها القائد.
مط شفتيه، وكأنما لا يروق له هذا، ثم اتجه إلى منتصف صالة المنزل وانتقى مقعداً وثيراً، وجلس قائلاً:
هل راجع أحدكما نظام الأمن، الذي سيتبعه المصريون لتأمين وزيرهم؟!
قال "دافيد" في سرعة:
لقد ناقشنا الأمر في الطائرة، و....
قاطعه "أليعازر" في غضب هادر:
في الطائرة... هل ناقشتما خطة بهذه الخطورة، في الطائرة؟!... أهذا ما تدربتما عليه، ودرستماه عن وسائل الأمن ونظمه؟!
امتقع وجه "دافيد" في شدة، في حين قال "كاهان" في ارتباك:
لم يكن هناك حولنا، سوى شاب صغير، و...
قاطعه "أليعازر" مرة أخرى، بصيحة هادئة:
أهذا ما تعلمتماه؟!
تبادل الرجلان نظرة شديدة التوتر، ولاذا بالصمت، فالتقط هو سماعة الهاتف، قائلاً في صرامة:
مهما بدا لكما الأمر تافهاً، فقد اعتدت ألا أترك أي شيء للمصادفات، مهما بدا تافهاً... أخبراني برقمي مقعديكما في الطائرة، وسنرى من ذلك الشاب، الذي كان قريباً منكما بالضبط.
أجرى اتصاله الهاتفي، بعد أن أبلغاه الرقمين، ثم أنهى المحادثة، قائلاً بنفس الصرامة:
ستصلنا المعلومات بعد نصف الساعة.
غمغم "كاهان":
أدون "أليعازر"... إننا لم نقصد أن...
قاطعه في غلظة:
لن نضيع الوقت في هذه النقطة.. سننتقل فوراً إلى الخطة.
تنحنح "دافيد" وقال:
معذرة يا أدون "أليعازر" ولكننا درسنا الموقف كله، ولم ندرك بعد كيف يمكننا اغتيال وزير الخارجية المصري، مع كل استحكامات الأمن الشديدة هذه.
انعقد حاجبا "أليعازر" وهب من مقعده، وهو يقول في غضب:
أغبياء.
انزعجا بشدة لغضبه، ولكنه اتجه نحوهما في شراسة، وهو يتابع بنفس اللهجة:
لو أنكما درستما الأمر، بنية مهاجمة السيارة المصفحة الخاصة، التي سيستقلها الوزير المصري، مع رجال الأمن الثلاثة، فستبدو لكما المهمة مستحيلة تماماً، وهذا لأنكما لم تنتبها إلى الثغرة الكبرى، في تلك الخطة الأمنية.
سأله "دافيد" في صوت خافت متوتر:
وأين تلك الثغرة؟!
أشار "أليعازر" بسبابته، مجيباً:
السفارة... الوزير سيقضي ليلته في السفارة المصرية وهي مبنى عادي لا يحوي سوى نظم الأمن التقليدية، ومن الممكن مهاجمته واقتحامه، لو أن لدينا القوة المناسبة.
امتقع وجه "كاهان" وهو يقول:
نهاجم السفارة المصرية؟!... هذا يبدو لي بالغ الخطورة، وعواقبه لا يمكن التنبؤ بها، على الرغم من حالة الحرب بين دولتينا.

مط "أليعازر" شفتيه قائلاً:
هذا لو أننا هاجمناها، باعتبارنا فريقا إسرائيليا، ولكن فريق الكوماندوز الذي استدعيته من "تل أبيب" والذي وصل "باريس" منذ ساعة واحدة لتقوداه في مهمة الاقتحام، سيرتدي أثناء الهجوم ذلك الوشاح الفلسطيني ذا اللونين الأبيض والأسود، وسيكون معظمه من المستعربين* الذين سيتحدثون باللهجة الفلسطينية طوال الوقت، وسيحرص أحدهم على ترك وشاحه خلفه، بعد انتهاء المهمة، كدليل على هوية مرتكبي الاقتحام والاغتيال.
تبادل "دافيد" و"كاهان" نظرة متوترة، ثم قال الأول:
بقيت نقطة شديدة الأهمية أيها القائد... ما مبرر الهجوم الفلسطيني على السفارة المصرية، واغتيال وزير الخارجية على الرغم من أن "مصر" هي السند الأول للفلسطينيين، منذ حرب ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين؟!
أجابه "أليعازر" في حزم:
سيقولون إنهم يبغضون موقف "السادات" الذي وضع "مصر" في حالة اللاسلم واللاحرب، وإنهم يشعرون بأنه قد تخلى عن فكرة الحرب مع "إسرائيل" تماماً، ولم تعد تعنيه سوى الوسائل الدبلوماسية.
سأله "كاهان" في حذر:
وأين سيقولون هذا؟!
أجابه في سرعة:
في بيان ستتلقاه كل وكالات الأنباء، عقب الهجوم مباشرة بتوقيع منظمة التحرير الفلسطينية.
صمت الرجلان لحظة قبل أن يهتف "دافيد":
خطة عبقرية أيها القائد.
زمجر "أليعازر" وكأنما يعلن عدم رضاه، وقال بمنتهى الصرامة:
استعدا إذن للهجوم... سنلتقي بالكوماندوز المستعربين عند قوس النصر، ونهاجم السفارة المصرية مع أول ضوء من الفجر.
لم يكد ينتهي من عبارته حتى ارتفع رنين الهاتف فالتقط سماعته في سرعة ووضعها على أذنه، دون أن ينبس ببنت شفة، واستمع في اهتمام، قبل أن يحتقن وجهه في غضب، وينهي المكالمة قائلاً:
أيها الغبيان... الشاب الذي كان يجلس أمامكما مصري، ولو أنه سمع أو فهم ما قلتماه، فهذا يعني أن الخطة كلها معرضة للفشل.
تمتم "كاهان" في ذعر:
ولكننا كنا نتحدث بالعبرية.
صاح به "أليعازر":
ومن أدراك أنه لا يجيدها.
لم يجد أي من الرجلين جواباً، فالتقط هو سماعة الهاتف مرة أخرى، وهو يقول في صرامة غاضبة:
ثم إنني لم أعتد ترك أي ثغرة، أو أي احتمال خلفي
انتظر لحظات، حتى سمع محدثه، فقال في صرامة:
"ماير".. هناك بوق لابد من إسكاته الليلة، قبل مطلع الفجر.. بوق مصري، يدعى "أدهم"... "أدهم صبري".
ومرة أخرى لم ينبس "دافيد" أو "كاهان" ببنت شفة....
على الإطلاق...
* * *
لم يدرِ "أدهم" ماذا يفعل بالضبط بعد أن فقد أثر سيارتي التاكسي الزائفتين ولم يعد يعلم أين يجد الرجلين بالضبط...
كان واثقاً وفقا لما لقنه إياه أبوه، أنهما لن يتجها إلى أي مكان، يحمل صفة رسمية إسرائيلية...
هناك حتماً منزل آمن في مكان ما...
منزل لا يمكن أن يصل إليه، وهو يفتقر إلى أية معلومات فحتما لم يسافر الرجلان باسميهما الحقيقيين، ولن يتركا خلفهما أي أثر...
الأمور تعقدت بشدة إذن، وهو حائر فيما ينبغي أن يفعل!..
هل يبلغ السفارة المصرية بما لديه؟!
هل يحاول إقناعهم بما سمعه في الطائرة؟!... أم أنه سيصعب عليهم تصديق شاب مثله واتخاذ إجراءات أمنية خاصة، دون دليل ملموس؟!
راح يدير الأمر في رأسه، وفكر في أن يذهب إلى السفارة، ويخبرهم بهويته ووظيفة والده، ولكن خشي أن يفسد هذا الغرض من رحلته الميدانية المنفردة، أو يسيء إلى والده على نحو أو آخر...
شعر بمخه يكاد يغلي في رأسه، وهو يسير في طرقات "باريس" المظلمة فقرر أن يعود إلى حجرته بالفندق ويحصل على قدر من الراحة، حتى يمكن أن يعيد دراسة الموقف كله بذهن صافٍ، و...
"حافظتك أو حياتك.."
انتزعته العبارة التي قيلت بصرامة وحشية من أفكاره وبدت له لهجة صاحبها مختلطة وليست باريسية صرفة، فرفع عينيه ليجد ثلاثة رجال أشداء، ضخام الجثة، يحيطون به في إحكام وكل منهم يحمل مدية حادة وعيونهم تنطق بمعنى واحد...
أن حياته في خطر...
خطر رهيب.
* المستعربون فرقة خاصة في المخابرات الإسرائيلية يحمل كل أفرادها ملامح عربية شرقية، ويتحدثون بلهجة فلسطينية صرفة، بحيث يمكنهم أن يتسللوا إلى قلب الكيان الفلسطيني، لتنفيذ عمليات تحطيم الروح المعنوية الداخلية، أو اغتيال القيادات الفلسطينية.
* * *
![]()
الحلقات السابقة من
"الجولة الباريسية "
* * *
2- مواجهة..1- الميدان
* * *
سلسلة البداية
|

