|
مرة أخرى، يخرج "أدهم" الشاب في رحلة ميدانية جديدة...
وفي هذه المرة كانت باريس أرض الصراع...
وكمغناطيس بشري، جذب "أدهم" الشاب إليه المتاعب،
منذ اللحظة الأولى..
وعلى الرغم من صغر سنه، وعدم تمتعه بأية صفة رسمية، قاتل "أدهم" الشاب وربما لأول مرة في حياته،
من أجل مصر، وخاض جولة عنيفة قاتلة.. جولة باريسية...
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ارتسمت ابتسامة كبيرة، على شفتي رجل المخابرات المصري "حسن"، وهو يدلف إلى حديقة منزل زميله "صبري"، ويلوح له بيده، قائلاً:
- حمداً لله على سلامتك يا صديقي... أبلغوني بأنك و"أدهم" قد عدتما من موسكو فأسرعت لألقي عليك التحية.
ابتسم "صبري" بدوره، وهو يقول:
- فقط؟!
أطلق "حسن" ضحكة قصيرة، وهو يجذب مقعداً، ويجلس إلى جوار "صبري" مجيباً:
إنه الفضول أيضاً يا صديقي العزيز.
ثم مال نحوه، وسأله في شغف شديد:
هل كانت رحلته الميدانية الأولى ناجحة؟!*

صمت "صبري" بضع لحظات قبل أن يجيب:
من الناحية العملية.
تطلع إليه "حسن" في دهشة، متسائلاً:
ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟!
أجابه، بعد لحظة من التردد:
لقد تورط "أدهم" في قتال غير مدروس، مع المخابرات السوفيتية في قلب موسكو.
هتف "حسن" في انبهار:
وتمكن من العودة سالماً؟!
هز رأسه في قوة، ثم استدرك في حماس:
هذا رائع... لقد واجه ابنك أشرس جهاز مخابرات في العالم، ونجح في الإفلات منه... أي نجاح يفوق هذا؟!
هز "صبري" رأسه بدوره، وهو يقول في حزم:
جهاز المخابرات السوفيتي، ليس أشرس جهاز مخابرات في العالم... والاتحاد السوفيتي نفسه مآله الانهيار في النهاية.
غمغم "حسن" مستنكراً:
أي استنتاج عجيب هذا؟!... كيف يمكن أن تنهار دولة عظمى، مثل الاتحاد السوفيتي؟!
تنهد "صبري" مجيباً:
الاتحاد السوفيتي دولة بوليسية، تعتمد في بقائها بالدرجة الأولى، على نظم أمن بوليسية قمعية عنيفة، ذات سلطات واسعة، تتجاوز حدود حرية المواطن العادي، والتاريخ يؤكد لنا أن الدول التي تحيا على هذا النحو، يكون مصيرها الحتمي هو الانهيار، طال الزمن أم قصر.
أدار "حسن" الجواب في رأسه قبل أن يومئ به، قائلاً:
تحليل منطقي للغاية يا صديقي.
غمغم "صبري":
وربما تثبت الأيام القادمة صحته من عدمه.
قال "حسن" وهو يعتدل في مقعده:
بالتأكيد.. ولكن يبقى سؤال... لو أن المخابرات السوفيتية ليست أكثر أجهزة المخابرات خطورة، من وجهة نظرك، فما الجهاز الذي يستحق هذه الصفة؟! المخابرات الأمريكية؟!
هز "صبري" رأسه نفياً، وقال:
كلا... الإسرائيلية..
انعقد حاجبا "حسن" في ضيق، وهو يقول:
ولكننا كثيراً ما تفوقنا عليها..
أشار "صبري" بسبابته، قائلاً:
بالضبط... ولكن هذا لا يمنع أنهم الأخطر، ولم أقل الأقوى... ربما لأنهم لا يعتمدون ولو لمحة من الأخلاقيات والقيم في سبيل الفوز بأية مواجهة، ولا يؤمنون حتى بها، عندما يتعلق الأمر بالمكسب أو الخسارة، وليس لديهم أدنى مانع في اللجوء إلى أقذر الوسائل إذا لزم الأمر... وهذا ما يجعلهم الأخطر.
تطلع إليه "حسن" بضع لحظات، ثم تراجع ليسند ظهره على مقعده، وهو يقول في اهتمام:
وهل تنوي دفع ابنك إلى مواجهتهم يوماً؟!
صمت "صبري" لحظات، قبل أن يجيب:
ليس في هذه المرحلة.
ولوهلة، تصور "حسن" أنه سيكتفي بهذا القول، إلا أنه لم يلبث أن استدرك في حزم:
أنا واثق في أنه سيصطدم بهم حتماً، لو مضت الأمور في مسارها الطبيعي وستكون بينه وبينهم صولات وجولات عنيفة، وأنا أعده طوال الوقت لهذا الصدام ولكنني أعتقد أن الوقت لم يحن لهذا، فـ"أدهم" لم يبلغ ما تمنيته بعد.
سأله "حسن" في خفوت:
ومتى سيبلغه في رأيك؟!
صمت "صبري" طويلاً هذه المرة، وشرد بصره بعيداً، قبل أن يجيب:
من يدري يا صديقي؟!... من يدري؟!
احترم "حسن" صمته، وبقي ساكناً في مقعده، يتطلع بنظرة خاوية حتى خرج من شروده فجأة، والتفت إليه قائلاً:
بالمناسبة... هناك شاب يقيم في موسكو ويدرس الفن في معاهدها، ولكن الظروف جمعتني به مصادفة وكشفت أنه أبرع مقلد رأته عيناي، ولديه موهبة مدهشة، في هذا المضمار.
تمتم "حسن":
مقلد؟!
ابتسم "صبري" قائلاً:
مزور، لو أردت المزيد من الوضوح، لكن المهم أنني لا أؤمن بالمصادفات وأعتقد أنها مجرد ترتيبات قدرية، لتقودنا إلى ما فيه فائدتنا، وفائدة البلاد والعباد.
مال "حسن" نحوه، يسأله في اهتمام:
ما الذي تريده بالضبط يا "صبري"؟!
أجابه "صبري" في حزم:
أريدك أن تجمع كل التحريات الممكنة عن ذلك الشاب، وتتأكد من خلو ملفه من أية تجاوزات أمنية أو قانونية.
سأله "حسن":
ثم ماذا؟!
تطلع إليه مباشرة، وهو يجيب:
ثم عليك أن ترسل إليه ترشيحاً رسمياً، للعمل في جهاز المخابرات العامة.
حدق فيه "حسن" بمنتهى الدهشة والاستنكار قبل أن يهتف:
مزور؟!... هل سنضم إلينا مزوراً يا "صبري"؟!
ابتسم "صبري" وهو يقول:
سيتحول إلى مزور محترف بكل الأحوال، إما وهو يعمل لحسابنا، أو حتى في الحياة العامة لأنه يمتلك موهبة لا يمكنه مقاومتها؛ لذا فالأفضل أن نتبنى نحن موهبته، ونغير منها إلى أقصى حد... ولا تنسَ أننا نحتاج كثيراً إلى أوراق، ومستندات وجوازات سفر وتصاريح وبطاقات شخصية، ووجود مزور محترف وموهوب بين صفوفنا سيمنحنا قوة لا بأس بها في هذا المضمار.
ظل "حسن" يتطلع إليه بضع لحظات في صمت، ثم لم يلبث أن ابتسم مغمغماً:
كم تبهرني بنظرتك البعيدة للأمور يا "صبري"؟!

ابتسم "صبري" وغمغم:
أرسل إليه الاستدعاء يا "حسن"..
أجابه في حماس:
سأفعل بالتأكيد، فور انتهاء التحريات الرسمية.
وصمت لحظة، ثم تساءل في اهتمام شديد:
ولكن أين "أدهم"؟!... ألم يعد معك؟!
ابتسم "صبري" مجيباً:
"أدهم" سبقني إلى هنا، ولقد جعلته يكتب تقريراً بكل ما واجهه في موسكو ثم قررت أن أنقله إلى مواجهة ميدانية جديدة.
سأله "حسن" في اهتمام:
إلى أين ستسافرون هذه المرة؟!
صمت "صبري" لحظات، استعاد خلالها شروده، قبل أن يقول:
لن نسافر معه هذه المرة... "أدهم" يحتاج إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة... لقد سافر وحده في رحلته الميدانية الجديدة، فعليه أن يعتاد المواجهة منفرداً.
التقى حاجبا "حسن" وهو يتساءل:
أليست هذه الخطوة سابقة لأوانها؟!
صمت "صبري" بضع لحظات أخرى، ثم قال في حزم:
كلا..
في نفس اللحظة، التي نطق فيها عبارته كان "أدهم" الشاب يحاول الاسترخاء في مقعده داخل الطائرة المصرية، المتجهة إلى باريس، وهو يراجع في ذهنه تلك الخريطة، التي يصر والده على أن يحفظها عن ظهر قلب، قبل أن يسافر إلى أية دولة...
كانت نظرية "صبري" أن رجل المخابرات الناجح، لابد وأن يفهم ميدان المواجهة جيداً وأن يلم بكل طرقاته ومداخله ومخارجه قبل أن يضع قدميه فيه، حتى لا يمكن مباغتته بأي حال من الأحوال تحت أية ظروف...
وفي شيء من التوتر أغلق "أدهم" عينيه، وراح يراجع الخريطة في ذهنه، و... وفجأة، التقطت أذناه حديثاً هامساً، بين رجلين يجلسان في المقعدين خلفه مباشرة...
لم يكن من عادته أن ينصت إلى أحاديث الآخرين، ولكن ما جذب انتباهه هذه المرة هو الحديث الهامس الذي كان يدور بلغة أصر والده على تلقينه إياها، منذ نعومة أظفاره..
بالعبرية...
وكان مضمون الحديث بالغ الخطورة...
إلى أقصى حد..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* راجع العدد الأول من سلسلة الإنترنت بعنوان "البداية".
* * *
![]()
الحلقات السابقة من "رجل المستحيل"
* * *
سلسلة البداية
|

