|

كان السباق رهيباً بحق...
الوقت يمضي في سرعة خرافية... بالنسبة للطاقم الأمني، الذي ينقض على المختبر، وبمنتهى البطء بالنسبة لـ"نشوى" التي تحاول إجراء التجربة العكسية...
لم يكن لديها أدنى استعداد للتراجع...
أو الاستسلام...
كان هذا يعني بالنسبة لديها حياة والديها...
و"أكرم"...
والدكتور "صفوت"..
ولكنها لا تستطيع التعامل مع الأمرين معاً..
جهاز الأشعة...
ونظام الأمن..
وبكل توترها، صاحت في زوجها:
أغلق دائرة الأمن، لتمنعهم من الدخول يا "رمزي".. أسرع... سأخبرك كيف تعمل...
أجابها في عصبية:
ولكن هذا يورطنا في الأمر أكثر، ويضعنا تحت مسئولية جنائية يا "نشوى"، و...
قاطعته، وهي تلتفت إليه في شراسة:
فليكن... علينا إذن أن نختار، بين حريتنا وحياتهم..
صدق قولها، وجعله ينتفض في عنف، ووقع الأقدام الثقيلة يقترب...
ويقترب...
ويقترب...
ثم فجأة، اندفع "رمزي" نجو جهاز الأمن، هاتفاً في حماس:
أخبريني كيف..
راحت تشرح له، كيف يغلق دائرة الأمن، لمنع دخول الطاقم الأمني، الذي ينقض على المختبر، أو تعطيله لأطول فترة ممكنة على الأقل، وهي تواصل عملها لإعداد التجربة...
ووصل الطاقم الأمني إلى المختبر...
وحاول اقتحامه...
وعندما عجز عن هذا، أجرى قائد الطاقم اتصاله، مع القائد الأعلى مباشرة، وهو يقول في توتر:
سيدي القائد الأعلى... إننا نواجه مقاومة... لقد عطلوا نظام الأمن والأبواب موصدة في وجوهنا..
أجابه القائد الأعلى في صرامة:
ألديك وسيلة لاختراق الباب الرئيسي؟
قال الرجل في حزم:
وسيلة بالغة العنف يا سيدي..
أجابه بمنتهى الصرامة والحسم:
استخدمها..
وفي الوقت الذي تقترب فيه "نشوى" من لحظة الصفر، كان طاقم الأمن يستعد لاقتحام الباب بالقوة...
وفي لحظة واحدة تقريباً، هتفت "نشوى":
الآن.
وشاركها قائد طاقم الأمن الكلمة نفسها...
ومع انطلاق الآشعة العكسية، دوى انفجار عنيف...
وكان هذا يعني أن الطرفين قد بلغا نهاية السباق...
معاً...
* * *
كانت الكائنات الهائلة اللزجة توشك على الانقضاض على "سلوى" والدكتور "صفوت" عندما حدث ما وصفته "سلوى" بالمعجزة...
فجأة، ظهر "نور"، و"أكرم" وكلاهما يطلق مسدسه، نحو الكائنات الضخمة...
"نور" يطلق مسدسه الليزري...
و"أكرم" يطلق رصاصاته...
وعلى الرغم من أن هذا لم يسقط الكائنات البكتيرية، إلا أنه أوقفها لحظات، سمحت للرجلين باختراق الحصار، و"أكرم" يهتف:
"سلوى" كم يسعدني أن ألتقي بك هنا.
لم تسمع "سلوى" عبارته، وهي تلقي نفسها بين ذراعي زوجها، هاتفة في انفعال من بين دموع غزيرة:
"نور"... لقد استجبت لاستغاثتي.
مسح على شعرها في حنان، وهو يقول:
ألست أفعل دوماً هذا يا عزيزتي؟
خبأت وجهها في صدره، وأجهشت بالبكاء، في حين صافح "أكرم" الدكتور "صفوت" قائلاً:
من دواعي سروري أن أجدك على قيد الحياة يا سيدي.
أجابه الدكتور "صفوت" في عصبية:
لست أظنك ستسعد بهذا طويلاً يا رجل.
استدار "أكرم" إلى حيث ينظر الدكتور "صفوت" وشعر بتوتر شديد، يسري في كيانه كله...
فالكائنات البكتيرية اللزجة كانت قد أحاطت بهم تماماً...
وتوشك على الانقضاض...
والالتهام...
وبكل رعبها، غمغمت "سلوى" وهي تنكمش في صدر "نور":
إنها النهاية يا "نور"..
رفع ساعته إلى قرب فمه، وهو يغمغم بدوره:
ربما لا يا حبيبتي... ربما لا...
ضغط ذلك الزر، في جانب ساعته...
ولكن الرذاذ المطهر لم ينطلق...
لقد نفد مخزونه... تماماً..
وكم شعر "نور" لحظتها بالضياع، وهو يضم زوجته إليه، محاولاً حمايتها بجسده، وهو يغمغم:
عزائي الوحيد أننا سنموت معاً يا حبيبة العمر.
سمع "أكرم" العبارة، فاتسعت عيناه، وأطلق رصاصات مسدسه، أو ما تبقى منها،، نحو البكتيريا مرة أخرى...
ولم يعد هناك أمل...
أدنى أمل...

* * *
بمنتهى العنف اقتحم طاقم الأمن المختبر، وهو يشهر أسلحته في تحفز شرس قاس... وفي اللحظة نفسها انطلقت الأشعة العكسية القوية....
ومع انطلاقها، انسحبت طاقة هائلة من مفاعلات التوليد الرئيسية، في طول البلاد وعرضها، لتغذية التجربة، ولإطلاق الطاقة السلبية اللازمة...
وفجأة أطفئت جميع أضواء المركز، وتحفز أفراد طاقم الأمن، وكادوا يطلقون أسلحتهم بالفعل لولا أن مولدات الطوارئ قد عملت بسرعة وعادت الأضواء تسطع في المكان...
واتسعت العيون كلها في ذهول...
عيون "رمزي"، و"نشوى" وطاقم الأمن...
و"نور"، و"سلوى"، و"أكرم"، والدكتور "صفوت"...
فما بين انقطاع التيار وعودته، ظهر الأربعة في منتصف الحجرة، وحدقوا في الكل ذاهلين، غير مصدقين أنهم عادوا إلى عالمهم، في اللحظة الأخيرة، قبل أن تلتهمهم البكتيريا...
وبكل فرحة الدنيا، وعلى الرغم من وجود طاقم الأمن، اندفعت "نشوى" نحو والديها، وعانقتهما وهي تبكي في حرارة هاتفة:
رباه... لقد نجحت... لقد أعدتكم إلى عالمنا... لقد نجحت.. لقد نجحت..
غمغم "أكرم" مبتسماً، وهو يعيد مسدسه إلى غمده، قائلاً:
من المؤسف أنني لم أجد من يستقبلني بهذه اللهفة.
اندفع "رمزي" نحوه، وصافحه في حرارة، هاتفاً:
مرحباً بك في عالمك يا صديقي.
ابتسم "أكرم" أكثر، وقال:
سيدهشك كثيراً أن أروي لك ما واجهناه في ذلك العالم يا "رمزي"..
ربت "رمزي" على كتفه، وصافح الدكتور "صفوت" قائلاً:
حمداً لله على عودتك سالماً يا صديقي.
تنحنح قائد طاقم الأمن، وهو يقول:
معذرة أيها السادة يؤسفني أن أقطع هذه اللحظة العاطفية، التي لا أفهم الكثير منها، ومما حدث أمام أعيننا الآن ولكنني مكلف باصطحاب السيدة "نشوى" إلى مكتب التحقيقات، الخاص بالقائد الأعلى.
نقل "نور" بصره بينهما، وقال في حزم:
قم بواجبك يا رجل، وسأصحبكم إلى هناك... لديّ الصلاحية اللازمة لذلك.
قالت "سلوى" في لهفة:
سأصحبكم أيضاً.
أجابها قائد الطاقم في صرامة:
معذرة يا سيدتي... إنه تحقيق رسمي، والتهم الموجهة للسيدة "نشوى" بالغة الخطورة..
انقبض قلبها لقوله على الرغم من أن "نشوى" قد ابتسمت في ارتياح قائلة:
المهم أنني قد استعدتكم.
أفسح قائد الطاقم المجال، قائلاً:
تفضلي يا سيدتي.
أحاط "نور" ابنته بذراعه وقادها في تعاطف إلى الخارج، ولحق بهما الباقون في صمت، في حين بقي الدكتور "صفوت" وحده، في المختبر شبه المحطم... والمدهش أنه لم ينتبه إلى خروج الباقين...
هذا لأنه كان يتابع ببصره، في شغف وفضول علميين بالغين، تلك البكتيريا التي لحقت بهم إلى عالمهم، واختفت خلف المنصة التي مازالت تحمل عليها المياه الغازية..
وبسرعة، أسرع يدون ملاحظاته عنها، وهي تنمو بسرعة أمام عينيه...
وتنمو...
وتنمو...
وتنمو...
* * *
![]()
الحلقات السابقة من "ملف المستقبل"

