شريف عبد الهادي

سين سؤال: ما معنى كلمة "نحتاية" في قاموس اللغة المصرية الأصلية والأصيلة؟
جيم جواب: يعنى "سبوبة" يا بيه يتم إنجازها على السريع لعمل مصلحة سريعة تحقق هدف مادي أو معنوي بأقل مجهود، ومشّي حالك حالك يمشّي يا إكسلانس، وأخلص من "نحتاية" وأدخل في "نحتاية"، والحكمة المصرية القديمة التي وجدوها "منحوتة" على أحد الصخور تقول: "عيش وسيبني أعيش".
سين سؤال: أين يمكن تعلم "النحت"؟
جيم جواب: قديماً كانوا يعلمون أولادهم النحت في المدارس، ثم أصبحت له كليات متخصصة بالإضافة إلى كورسات ودورات في "ساقية الصاوي"، لكن مع التطور -الطبيعى للحاجة الساقعة- والتغير الذي طرأ على الشخصية المصرية، صار "النحت" أسهل وأبسط من كده بكتير، وأصبح سمة أساسية يتعلمها المصريون بمهارة أكسبتها إياهم العيشة الوردية -بأمارة إن مصر بتتقدم بينا- وجعلتهم الظروف يتعلمونها من الهوا -بعد أن دهنوه دوكو- حيث صار الجميع ينحتون في كل مكان، وكل مجال.. الموظف ينحت بعد الظهر في مهنة أخرى فرعية، وفى الأغلب يعمل "فرد أمن" رغم جسده النحيل، وشعره الأبيض، وقائمة الأمراض التي يقف في طابور التأمينات؛ ليعالج منها "بلوشي"، فتكون النتيجة سرعة التخلص من كل آلامه بالراحة الأبدية والأدبية في الوقت نفسه -الله يرحمه كان طيب- ثم يذهب نفس الموظف الذي يعمل أمن بعد الظهر في صباح اليوم التالي إلى مصلحته الحكومية؛ لينعم بقسط من النوم والراحة -رغم إنه كان نايم أثناء عمله بالأمن والحراسة ليلا- مردداً من وسط غفوته: "فوت علينا بكرة يا محترم" لأي مواطن يجرؤ على محاولة الحديث معه والتقدم إليه بأوراق ينقصها توقيعه.. والصحفي -مثل العبد لله كاتب المقال- ينحت في أكثر من جريدة ومجلة، قد تكون أحدهم حكومية والأخرى معارضة، أو قد تكون أحدهم فنية والأخرى دينية، والثالثة شبابية، والرابعة أطفال!! بالإضافة إلى عمله بمجال إعداد البرامج التليفزيونية في أكثر من قناة أرضية وفضائية!
والفنان ينحت في أكثر من عمل فني قد تصل لأربعة أو خمسة أعمال فنية في نفس الوقت.. والنقاش ينحت في أكثر من شقة، وبمجرد أن يأخذ عربوناً من الزبون يترك الشقة قبل أن ينتهي عمله؛ ليذهب لشقة أخرى ويبدأ فيها "النحتاية" الجديدة، حتى يأخذ عربوناً من زبون ثالث وهكذا، وكل صاحب شقة وقوة شخصيته ومهارته في الإمساك بالنقاش والتعامل معه حتى ينهي الشقة في الموعد المحدد له.
كل هذه "النحتات" صارت شيئاً مألوفاً ومعتاداً في ظل لهيب الأسعار الذي "لَسْوَع" الجميع، وبغض النظر عن صحة ومبررات وحجج هذه "النحتات" التي صرنا نلهث وراءها، ونتفنن في اصطيادها، فتعالوا نتكلم عن نوع آخر من "النحت" المغشوش الذي يشوّه سمعة السادة "النحّيتة" بشكل ما يرضيش ربنا يا جدع!
نحن جميعاً ندرك أن الكلمات.. أي كلمات، وبأي لغة هي ملكية عامة، جعلها الخالق -عز وجل- من حق الجميع.. لا تباع ولا تشترى.. لكن الأفكار مهما بدت أهميتها أو تفاهتها -على حدٍ سواء- ملك لتلك العقلية التي اجتهدت في الوصول إليها سواء بمنهج علمي أو بالحظ أو حتى بـ"وشوشة الودع"، وبالتالي تصبح تلك الكلمات التي تعبر عن هذه الأفكار، أو "الافتكاسات" -كما يحلو للشباب أن يطلقوا على أي فكرة تروق لهم- ملكاً لصاحب هذه الفكرة، فما بالنا بأفكار وكلمات المقالات والكتب التي اجتهد أصحابها، وسهروا الليالي؛ ليصيغوها بهذا الشكل، فإذا بأحدهم يُعجب بها -من أول نظرة- فيضعها في مدونته، أو يرسلها "فورورد" بالإيميل إلى قائمة أصدقائه، فضلاً عن رسائل الـ"fun wall" على موقع "الفيس بوك"، رافعاً شعار "أعمل عبده العبيط"!!، وكأنه صاحب هذه المقولات والأفكار دون أي إشارة -من قريب أو بعيد- لصاحبها "الأصلي" صاحب "المخمخة" و"التقفيل الخارجي"!
الموضوع بالفعل أصبح مستفزاً، ولا يوجد من يتدخل لحل أزمة حقوق الملكية الفكرية في وطن "مفتوح" و"منفد على بعضه"، حيث يقوم الأخوة "النحّيتة" اللي ما عندهمش ضمير بضرب المقال أو المقولة على "الكيبورد"، ونشرها في أكثر من موقع، ورسالة إيميل، ومدونة في وقت واحد بشكل سريع ومتلاحق يتسبب في شهرتها وترديدها على كل لسان، مع عمل أكبر نوع من التشتيت و"الغلوشة" على اسم المؤلف أو الكاتب، فيضيع في الرِّجْلين، وقد تصله مقولاته أو مقالاته على إيميله من أصدقائه حتى يقرأها ويبدي رأيه فيها مثل أي قارئ -شوف الغيظ والفرسة يا أخى- ويُروى أن أحدهم فوجئ بصديق له يتصل به قائلاً بلهجة غاضبة وشامتة في آن واحد: "كده برضه تقنعنا إن مقالك الأخير من بنات أفكارك، وأنت "ناحته" في الحقيقة من على النت، بأمارة ما لقيته عند الكل على إيميلاتهم؟"، ورغم أن الكاتب هو المؤلف "الأصلي" والباقي كله "مضروب"، لكن يظهر إن "النحت" دخل في بعضه، وتاهت الحقيقة يا ولاد الحلال، بعد أن خرجت ولم تعد، فكاد صاحب المقال أن يرفع قضية إثبات نسب، مطالباً من يشكك في أنه كاتب المقال إياه أن يأخذ منه عينة لفحص الـ "دي إن أيه"!
الآن صرت أشك في روحي، وفي نفسي، وفي كل مقولة ظريفة تأتيني على "الفيس بوك" وأي رسالة "Forward" تصلني على البريد الإلكتروني، بلا أي مصدر أو صاحب، بشكل يذكرني بفيلم "رسالة من امرأة مجهولة"، وأتساءل عن الضحية الذي يمتعني بفكرته ومقولته دون أن أعرف اسمه، أو أشكره على مجهوده وأتابع أعماله، إذا ما أعجبتني أفكاره ومقولاته، أو حتى أختلف معه حولها.. وكأن الكاتب الحقيقي صار جندياً مجهولاً في زمن اخترنا فيه السلام كـ "خيار" استراتيجي، فأردد في أعمق أعماق نفسي: "يا ولداه.. يا حسرة قلب أمك عليك يا دي الجدع.. كلامك اتسرق، وراح لغيرك في غمضة عين"، وصرت أتساءل في الوقت نفسه عن أصحاب العديد من المقولات العبقرية التي أقرأها يوميا بلا اسم أو صاحب على شبكة الإنترنت، وكأنها سحر أو شعوذة، أو ربما كان الإنسان في أصله نكتة أو رسالة "فورورد" قبل أن "يفقس"، ويتحول لكائن يمشي على قدمين، ولا عزاء للمفكرين والكُتاب في زمن "النحت".
فإذا كان "النحت" شعاراً رفعه المصريون رغماً عن أنوفهم، فليكتفوا بالنحت في الشغل من أجل أكل عيشهم، مع المحاولة أن يتقنوا عملهم قدر المستطاع متذكرين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ"، بينما لا حجة أو مبرر لأي ناقل أو مقتبس لرسالة غيره دون نسبتها لصاحبها الحقيقي، وليسأل نفسه سؤالاً واحداً: "ماذا لو كانت هذه الحركة البسيطة التي اعتاد عليها تعد سرقة بالقياس لأي شيء مادي ملموس يصنعه صاحبه، ثم يأتي أحدهم ويأخذه عنوة ويهرب به بعيداً وينسبه لنفسه؟".. هل يملك أحدكم يوم القيامة أن يجيب الخالق الواحد القهار عن سبب إقدامه على هذه السرقة رغم أنها لم تعُدْ عليه بالنفع أو الأكل والشرب في زمن العيش أبو مسامير؟


