history موضوعات سابقة
send to friend ارسل الموضوع لصديق

د. ميشيل حنا

لجريدة الأهرام عادة غريبة جدا عند كتابة مانشيتاتها الرئيسية. مثلا، عندما تم رفع أسعار البنزين ورسوم تراخيص السيارات والسجائر وغيرها عقب الإعلان عن علاوة الثلاثين بالمائة، بدلا من أن يكون المانشيت زيادة أسعار البنزين والسولار والسجائر، كان المانشيت الرئيسي للجريدة يقول: "الحفاظ على أسعار السلع الأساسية بالبطاقات التموينية ومضاعفة كمياتها"!! ثم عنوان فرعي "ثبات أسعار البوتاجاز وغاز المنازل والبنزين 80 وزيادة أسعار باقي الأنواع"! أي أن الخبر الأساسي هو الثبات، فهل الثبات يعتبر خبرا في حد ذاته؟ إذن ما هو مفهوم الخبر بالضبط؟ فإذا كان الثبات خبرا يمكننا أن نكتبه كمانشيت كل يوم وليس في يوم زيادة الأسعار فقط.

أتذكر أيضا في زلزال عام 1992 الذي هزّ مصر وهدم وصدّع عشرات المباني، أن مانشيت الأهرام كان يقول إن الرئيس مبارك يطمئن على المصابين، ولم يقولوا في العنوان إنه كان هناك زلزال من الأساس! وقس على هذا عشرات الأخبار الأخرى التي تتم معالجتها بنفس الطريقة.

هناك أيضا تلك العادة الأهرامية الشهيرة في ذكر أنه "لا صحة لما ينشر" دون ذكر ذلك الذي نُشِر ويتم نفيه، فإن لم تكن متابعا لجريدة أخرى من التي تسمى بالمعارضة لتعرف منها الأخبار التي يتم تداولها في مصر، فلن يكون عندك فكرة حين تلتفت الأهرام إلى الأمر بعد عدة أيام لتقول لك على لسان المسئول الكبير إنه لا صحة لما ينشر. ويُلاحظ هذا الأمر خاصة في حوادث الفتنة الطائفية، حيث نقرأ عادة عن جلسات الصلح دون أن نعرف أنه كانت هناك مشكلة من الأساس!

ولا يختلف حال باقي الجرائد القومية عن هذا الحال.

تذكَّر أيضا أنه كلما رأيتَ عبارة لا مساس بأسعار الدواء أو لا مساس بمحدودي الدخل أو لا مساس بشركات الغزل، فاعلم أن أسعار الدواء ستشتعل وأن محدودي الدخل سيأخذون لطمة كبيرة على رءوسهم وأن شركات الغزل ستباع عن بكرة أبيها قريبا جدا! أما عند فشل الدعوة إلى إضراب 4 مايو فقد كان عنوان الأهرام: "العمل والجدية يهزمان دعاة الإضراب"! وهو عنوان آخر يعود إلى عصور الاشتراكية ذات التعبيرات الرنانة الجوفاء، فلا تزال جرائدنا القومية تعمل وفقا لنظريات الإعلام الموجه التي انتهت من العالم. فلو رأى جوبلز وزير الدعاية النازي في حكومة هتلر جرائدنا القومية لسعد بها جدا!

وتمعن الجرائد القومية أيضا في عداء كل ما يُعتقد أنه ضد النظام وضد الحكومة، من خلال حملاتها ضد "المحظورة"، وضد سعد الدين إبراهيم الذي تفرد الصفحات لمهاجمته وتصفه دائما بمزدوج الجنسية باعتبارها سبة، وضد القلة المنحرفة التي لا ترى الإنجازات وتتقاضى العمولات وتريد لهذا الوطن الآمن شرا. تبدو الجرائد القومية وكأنها بوق دعائي يذكّر المجتمع بأن كل شيء تمام وأن الكارثة لم تحدث بعد. وحتى الأخبار السيئة واضحة السوء يتم التخفيف من وقعها وصياغتها بصياغة مخففّة، وإن كان ممكنا فلا داعي لنشر الخبر على الإطلاق.

ونحن في القرن الحادي والعشرين، وقد تخلى العالم كله عن هذه العادة الإعلامية الغريبة، وقد انتهى الفكر الشمولي من العالم، ومازلنا حتى الآن نقول لا مساس ولا صحة لما ينشر.


الاسم
البلد
البريد الإلكتروني