سارة محمد شحاتة

في كل يوم يفاجئنا "عم أحمد" بمواقف جديدة لا تتوقعها.. أحيانا مستفزة لكنك تضحك في النهاية لأنك لا تصدق أن هناك من يحيا دون أي تفكير في حياته مثلما يفعل "عم أحمد". وعم أحمد هو حارس العقار الذي نقيم به وهو صعيدي النشأة وترك بلده ليعمل بوابا في "مصر" التي هي معادل القاهرة طبعا! وهو بذلك يظن أنه سافر ليعمل في الخليج!.. وعم "أحمد" ليس سوى مثال لملايين غيره من المهمشين الذين لا تدري الحكومة عنهم شيئا، ولا تريد أن تعرف من الأساس.. فليس لديه شهادة ميلاد ولا بطاقة!! ونتيجة لإلحاحنا عليه استخرجهما بعد إكراه منا ليدخل أولاده المدرسة.. أما عنه فهو صاحب رأس عنيد، صلب، مثالية لدق الهاون عليها! فهو أميّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكذلك زوجته، ولو غفرنا له ذلك والتمسنا له العذر لعدم الوعي وقتها إلا أنه كاد يصيبنا بالجنون عندما علمنا أن ابنته الكبرى وابنه الكبير أيضا أميّان! فهو لا يجد أي ضرورة بتاتا في التعليم، ويجده رفاهية أفندية ومجرد تحذلق منا! وبعد الشد والجذب والصراخ أقنعناه- أي أجبرناه!- على أن يعلم ابنته الصغرى وابنه الأصغر اللذين مازالا يمكن أن يلحقا بركب التعليم.. وافق بعدها على مضض وهو يكاد لا يصدق الاهتمامات التافهة التي يهتم بها "المصاروة"!
هو "عمدة" كما ينبغي أن يكون.. يكتفي بالجلوس أمام العقار لا يفعل أي شيء وقد يمر من أمامه عصابة تحمل معسكر ذخيرة دون أن يسألهم عن وجهتهم!..كذلك هو يرسل زوجته لتخدم في البيوت وابنته الكبرى تخدم في بيت آخر براتب شهري وأبناؤه الصغار بعد المدرسة يلبون طلبات العمارة، وما يجاورنا من جيران!. وفي آخر الشهر يبرم شاربه –الدليل على رجولته المظهرية فقط!- وتتجمع لديه حصيلة لا بأس بها لينفقها على تدخين السجائر!!
وبما أن كل فرد حر في حياته كنا لا نتدخل في حياته وأكتفي بالتعجب لهذه التصرفات البعيدة تماما عن الرجولة، وعن الشارب حتى! أما ابنته الصغرى فهي بؤرة متحركة من المكر وممثلة بارعة تنافس "نجمة إبراهيم" و"زوزو ماضي" وكل المخضرمين القدامى وهي تدرك أني أدرك أنها ممثلة بارعة لذا لا تحاول التمثيل أمامي لكنها تفرح عندما أعاكسها وأسألها عن أحوال دراستها وأفرح أنا أيضا عندما تحمل لي الشهادة في آخر كل فصل دراسي كي أوقعها لها! وتسألني حينها أمها عن درجاتها فألمح نظرة ذعر في عينها أنقذها حينها بالجملة الخالدة "تمام..بس تشد شوية"
بصعوبة أقنعناه بالاكتفاء بأبنائه الخمسة وعدم الاستزادة..لأنه يرى فيهم ثروة بشرية وأيدي عاملة تدر عليه أموالا، ومع ذلك فوجئنا بحمل زوجته للطفل الخامس!.. وبعد الولادة بيوم واحد فوجئنا كذلك باختفاء الطفل الخامس!. وعندها رد علينا بلا مبالاة "خلاص"!.. فطفله الذي تمت ولادته بالمنزل من خلال الطرق البدائية قد توفي نتيجة الإهمال، وعندها اقتنع أخيرا بالاكتفاء بما لديه، بعدها بشهر واحد أصبحت زوجته حاملا للمرة السادسة!
في الآونة الأخيرة جاء يشكو من احتباس في البول وصعقنا عندما علمنا أنه مستمر منذ ثلاثة أيام! أي أن حياته الآن أصبحت في خطر حقيقي وفزعنا أكثر لرؤية الأشعة ونتائج التحاليل، وعندما حاول دخول المستشفى العام وجد بالطبع طابورا طويلا من الانتظار والحالات الأكثر حرجا.. وصار الأمر خطيرا بحق وعرضة للفشل الكلوي.. وكعادة كل شيء في بلدنا لم يدخل إلى المستشفى الحكومي إلا عن طريق الواسطة! وجاء أخي ليروي لنا أن الأطباء في المستشفى لا يصدقون حالته، والأساتذة الكبار مندهشون تماما منها، حتى إنه تم تسجيلها في أبحاث علمية! وذلك لأن عم "أحمد" لديه حصوة في الكلى بحجم البرتقالة الكبيرة منذ ما يقرب من عشرين عاما! ورغم ذلك لا يشعر بأي ألم على الإطلاق!
وبعد إجراء العملية عاد محمولا بزغاريد زوجته لكنه تأخر لأكثر من شهرين في الشفاء والتئام جروحه، وذلك لأنه لا يسمع لنصائح الأطباء ولا يطهر الجرح ولا يجلس في الشمس والهواء بل يمكث داخل غرفته الرطبة المظلمة التي أغلق كل منفذ هواء لها والتي تحفل بكل ما لذ وطاب من ملوثات، والطامة الكبرى إنه لا يريد الإقلاع عن التدخين! بل ويصر على تناولها رغم تحذيرات الأطباء بأنها ستعوق التئام الجرح, وبما أنه من أعند الشخصيات فقد استمر في شرب السجائر حتى أصاب الأطباء بالملل لدرجة أن أخي يحكي أن زميله الطبيب المقيم بالمستشفى رقص "عشرة بلدي" عندما كتب خروج لعم أحمد لأنه لم يعد مسئولا عن هذا الرأس الصلب!
عاد عم "أحمد" لما كان عليه.. يجلس لا يفعل شيئا على الإطلاق سوى فتل شاربه وبرمه، وامرأته تعمل وهو يدخن السجائر وغائب تماما عما يدور حوله في الحياة.
أكاد أشك أحيانا أنه يدرك الأحداث التي تدور في البلد وحاولت مرة مجادلته في السياسة فوجدته محروقا من الغلاء ويلخص سبب معاناته في الحكومة فيلعنها ويلعن الزمن ويلعن المارة في الشارع ثم يكمل شرب سيجارته الثانية!
ولما كانت امرأته مرهقة ذات يوم سألته عن حالها وما إذا كان قد توجه بها إلى طبيب أم كعادته فأخبرني أنها ليست بحاجة إلى طبيب لأنه يعرف ما تعانيه وأضاف بكل ثقة ويقين علمي إنها تعاني من "البروستاتا"!
رغم كل التصرفات الغريبة واللاوعي الذي يحيا فيه إلا أنه صار من مفردات الصباح لدي عندما يضرب جرس "الإنتركوم" في التاسعة حينا والعاشرة حينا والحادية عشرة حينا آخر لنأخذ منه الجرائد.. ولا ألومه ولا أحمله هو فقط ذنب ما هو فيه..فهو نشأ هكذا لم يجد من يهتم به ولم يجد حوله وعيا منظما يصلح من مفاهيمه.. وكلنا مسئولون بشكل ما عن هؤلاء الناس وعن حالهم البعيد عن الواقع والإدراك الحقيقي للأمور.. فلا يوجد حملات منطمة لتوعيتهم إلا تلك الشعارات الجوفاء عن تنظيم النسل والتي تطلقها وزارة الصحة في التلفاز والتي لا يراها أي منهم بطبيعة الحال بل وربما رأتها زوجة عم "أحمد" وهي حامل في الطفل الخامس ثم السادس! هناك الملايين من عم "أحمد" الفئة المهمشة التي زادها الجهل والفقر بؤسا وتخلت الحكومة بالطبع عنهم وعن مسئوليتهم فلا تعلم عنهم شيئا، ويحيون على مسئوليتهم الخاصة.. لكن رغم ذلك يحيون ويستمرون.. بل ويدخنون السجائر!


