محمد هشام عبيه
![]()

في ثقة شديدة محكومة بكونه الرئيس التنفيذي لشركة إعمار مصر، وهي واحدة من كبرى شركات العقارات في العالم العربي وربما في العالم بأسره، قال الرجل في حوار لجريدة "العقارية" في عددها الأول: إن السوق العقاري في مصر يحتاج إلى 7 آلاف وحدة سنويا من الإسكان الفاخر -أكرر: الفاخر- مشيراً إلى أن عدد الوحدات من هذا النوع التي يتم طرحها سنويا يتراوح ما بين 2.5 إلى 3 آلاف وحدة فقط، والمعلوم والمفهوم والمضمون أن المقصود بالإسكان الفاخر الشقق والفيلات الفخمة الفخيمة مثل تلك التي كانت تسكن فيها نجمة الجماهير -سابقا- "نادية الجندي"، عندما ارتدت ثوب الصحفية ومحققة الشرطة واللعوب والزوجة والأم وشيخ البلد "لوطّ واحد" في مسلسل (من أطلق الرصاص على هند علام)!
الأرقام المعلنة هذه تعني أنه -يا حرام- في نفس الوقت الذي يُطرد فيه عدة آلاف من الأزواج الجدد من شققهم الموصومة بكونها "ياي.. إيجار جديد!!" محمّلين بالحلل الألمونيوم، والصواني التيفال "التقليد"، والتليفزيون الـ15 بوصة، ووصلة الدش، وسلك السيفون الذي لا يزال بـ"شوكه"، وكأنهم يتعرضون لحملة تهجير شبيهة بتلك التي تعرض لها الفلسطينيون في بدايات القرن العشرين.. هناك إلى جوارهم آلاف أيضا -بالضبط أربعة آلاف- يسيرون في شوارع المحروسة محملين بكل هموم الدنيا، تبدو على ملامحهم صفات الكرب والضيق، يذوقون عذاب الانتظار على أبواب مكتب "عبده السمسار" علّه يرضى ويسمح ويعطف، ويُنقِذ لهم من بين براثن الوحوش "فيلا بحمام سباحة" أو "شقة بجاكوزي" أو حتى بلكونة تطل على "القطامية هيتس" ظهرت هكذا "شِيطاني" لوحدها وسط العمالقة كما يظهر نبات "الرجلة" في حقول البرسيم!
يخيل للمرء أحياناً كثيرة أن المصريين جميعا يشتركون في تمثيل فيلم طويل وممتد لا ينتهي أبدا، وفيه على قطاع كبير منا أن يبدو مسكينا فقيرا مغلوباً على أمره، وأن كل دوره -الذي سيستمر معه طوال حياته- هو أن يتشعبط في الأتوبيس، ويتهرب من الكمساري "ليوفر الربع جنيه"، ويقفز من فوق حواجز المترو، ويعمل في 23 شغلانة في اليوم، ويعود إلى منزله منهكاً، لينام على الطبلية قبل أن يأكل لقمة واحدة، وهو يشاهد السيد المسئول عبر شاشات التليفزيون وهو يفتتِح وحدات سكنية للشباب "طب ما هو شباب برضه!"، وأن هناك فريقاً آخر في نفس الفيلم، مهمته أن يكون "الجان"، يقود السيارة الهامر، ينزل من شقته "الديلوكس" ليفطر في "بينوس كافيه"، ويُحضّر طوال اليوم لحفلة المساء التي ينظمها الأصدقاء لاختيار "أسَلْوَع واحدة في الشلة" -المصدر: سلوعة، وهي في المعجم الحديث تعني النحافة!- وهي التي ستظفر برحلة مع صديق على يخت في مارينا هو نفس اليخت الذي يظهر في برنامج يحمل نفس الاسم على قناة الحياة، ومش بعيد كمان يطلعوا في مشهد في فيلم "مصطفى شعبان" الجديد دون أن يبحثوا على الكارت إياه داخل أكياس شبيسي "ليون"!
لا اعتراض على مشيئة الله طبعا، وكل واحد مكتوب له دوره في الفيلم المصري هذا من قبل أن يأتي إلى الدنيا، دعك من أن هناك مجتهدين يرتقون بأعمالهم تارة وبالتزلف والرشوة والسرقة تارة أخرى ليصبحوا "جانات" في الفيلم إياه، بس الرحمة حلوة برضه، والمسافة بتكبر، ومعنى أن هناك 7 آلاف طلب سنويا -قابل للزيادة- على وحدات سكنية فاخرة حدها الأدنى نصف مليون جنيه أن هناك 7 ألاف بني آدم -على الأقل- فيكي يا مصر يملكون ثروة بتاع نصف مليون و200 جنيه "المائتي جنيه الأخيرة حتى يضمن الرجل أنه سيدفع فاتورتي الكهرباء والماء دون زنقة!"، وهو رقم مبهر ولطيف، يمكن أن يتفاخر به السادة وزراء الاستثمار والمالية والتجارة والخارجية؛ للتدليل على أن "المصريين أهمه.. فلوس وعزم وهمة!!"، ويمكن أن يكون إغراءً واضحاً لشركات العقار الكبرى في العالم للاستثمار في مصر على اعتبار أن "ما عندناش أكتر من الصحرا"، لكنه أيضا رقم يطرح تساؤلاً بعيداً عن أي حقد أو حسد -بجد مش هزار- حول الدور الاجتماعي والإنساني لأصحاب الشقق الفاخرة مع باقي أبطال الفيلم.
الغِنى حلو، أنا عارف ومجرب -اسألني أنا!- والراحة متعة -برضه اسألني أنا- ومافيش في الدنيا دي أحلى من "الأنتخة" في شقة "هند علام"، ومتابعة الفيلم الأجنبي على "موفي تشانل"، لكن أليست نظرية "الأواني المستطرقة" المعروفة مصرياً بـ"المليان يٌكب على الفاضي" في حاجة إلى تطبيق على أصحاب هذه الشقق وغيرهم من الأثرياء؟ دعك من الضريبة العقارية التي ستفرضها الحكومة على أصحاب الشقق الفخيمة على اعتبار -شوف ازاي- أنه سيتم استخدامها لصالح المواطن -اللي هو أنت يعني.. أيوه أنت مواطن على فكرة!- لأن اللي خدته "القرعة" من فلوس بيع القطاع العام وقناة السويس والبترول تخده "أم الشعور" من فلوس الضريبة العقارية، ثم إحنا أساساً شعب بينّا وبين بعضينا.. إيش دخل الحكومة "بيناتنا" أصلا؟!
ما الاقتراحات والتوصيات في هذه الجلسة إذن؟ ليست لديّ حلولٌ عملية، وبعض الأفكار التي تأتي في دماغ النفر تبدو خيالية، كأن مثلا يخصص كل واحد من أصحاب الشقق الفاخرة السبعة آلاف أو أكثر، شوية فلوس كده على ما قسم إلى جانب فلوس فاتورة الكهرباء والمياه والتليفون، يتم جمعها بشكل شهري أو سنوي، عبر شخص أو مجموعة موثوق فيها، ثم يتم الاستفادة من هذه الأموال في بناء -بلاش بناء- في تمليك -بلاش تمليك- في تأجير شقة -بس إيجار قديم بقى- لواحد من باقي أبطال فيلم "مصر اليوم" الذين يفتشون كـ"طبيب شرعي" عن أي أدلة للجريمة أقصد لشقة "حندوقة" تلم شملنا، أو كأن تكون هناك أندية أو هيئات اجتماعية مثلا تجمع كل الأبطال في مكان واحد كل أسبوع؛ ليتقاربوا معا وليشعروا جميعا بأننا كلنا ولاد "آدم وحواء"، انطلاقا من قاعدة مفادها أنه ليس كل الأغنياء أشرار، وليس كل الفقراء حاقدين..
يعني، أعلم أن هذه أشياء ربما أقرب إلى "عالم والت ديزني" لكن من قال إن الواقع لا يستوعب الخيال أحيانا؟ خاصة وأن هذه الشقق الفاخرة لم تعد موجودة في أطراف المدن البعيدة، وإنما صار كثيرا منها في القلب، وبالقرب من العشش والمساكن الشعبية -الحكومة تسميها دلعاً اقتصادية- الفقيرة والمتوسطة، وهو ما يعني أننا نضع كل البنزين بجوار كل النار دون أن ندرك أن المطافئ في إجازة!


